عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... أبو الجوائز... عندما ينتصر الكتاب في حفلات التكريم

أطلقت عليه لقب" أبو الجوائز"، لا لأنه يطارد الجوائز لنفسه، وإنما يلاحق بها الآخرين، ويصر على أن تكون الكتب نصيبهم من الفرح، وهدية تليق بما حققوه من نجاح، أو بما قطعوه من سنوات العمر في خدمة الناس والعمل.
أعرف هذا الرجل الطيب منذ سنوات طويلة، له حيلة محببة لا يكاد يتخلى عنها كلما دُعي إلى حفل، أو شارك في مناسبة، أو حضر تكريما لشاب أو طفل أو متقاعد. فما إن يبدأ الحديث عن الهدايا، حتى يتقدم باقتراحه المفضل: لماذا لا تكون الهدية كتابا؟
تنهال الاقتراحات من هنا وهناك، وتتعدد الآراء بشأن ما ينبغي تقديمه للمكرمين، لكنه يعرف كيف يشق طريقه وسط كل تلك الاختيارات، حتى يستقر رأي الجميع، في نهاية المطاف، على اقتراحه. وهكذا يفوز الكتاب، ويفوز معه أبو الجوائز، الذي يبدو كأنه يحمل رسالة خفية، يريد إيصالها إلى الناس دون أن يلقي عليهم موعظة أو يرفع صوته بالنصيحة.
إنه لا يكتفي بأن يشتري الكتب لنفسه، وإنما يجعل منها هدايا للآخرين، وكأنه يريد أن يوزع المعرفة كما توزع باقات الورد، وأن يترك في كل مناسبة أثرا لا يذبل بانفضاض الحاضرين وانطفاء الأضواء.
زارنا اليوم، ولم أحتج إلى كثير من التخمين لأعرف سبب الزيارة. فقد عزم أصدقاءه على تكريم أحدهم بمناسبة بلوغه سن التقاعد، وكان لا بد، في نظره، من أن تكون للمكتبة حصتها في هذا الاحتفاء. فجاء بأصدقائه إلينا، أو لعل الأدق أنه جرهم جرا إلى رفوف الكتب، حتى يجدوا هدية تليق بالرجل الذي يودعون معه مرحلة طويلة من حياته المهنية.
وبعد جولة بين العناوين، وقع اختياره على موسوعة أدبية لها من الذاكرة العربية ما يجعلها أوسع من أن تكون مجرد هدية عابرة: كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني.
يا لها من هدية!
رجل يطوي صفحة الوظيفة، فيُهدى كتابا يفتح أمامه صفحات لا تكاد تنتهي؛ يخرج من انتظام المواعيد وضغط المسؤوليات إلى رحابة الأدب، وأخبار الشعراء، وحكايات المغنين، وأطياف العصور التي حفظها لنا هذا السفر النفيس. كأن أصدقاءه أرادوا أن يقولوا له: انتهت ساعات العمل، لكن ساعات الأنس بالمعرفة ما زالت في بدايتها.
تأملت المشهد، وأنا أرى أبا الجوائز ينجز مهمته المعتادة، وشعرت أن الرجل لا يشتري الكتب فحسب، وإنما يصنع لها مناسبات كي تغادر الرفوف إلى البيوت، وتجد طريقها إلى أيد لم تكن لتصل إليها لولا إصراره.
كم من كتاب قد يظل ساكنا في مكانه، ينتظر قارئا يلتفت إليه، وكم من كتاب آخر يخرج إلى الحياة لأن شخصا آمن بأن أجمل ما يمكن أن نهديه لإنسان هو فرصة جديدة للقراءة.
ولعل أجمل ما في حكاية أبي الجوائز أنه لا ينتظر مناسبة للاحتفاء بالكتاب، وإنما يجعل الكتاب جزءا من كل مناسبة.
إنه يختار الهدية، لكنه في الحقيقة يقتفي أثرا أبعد من لحظة التكريم قد يمتد لسنوات، كلما فتح المتقاعد كتابه، تذكر أصدقاءه الذين أهدوه إياه، وتذكر الرجل الذي ساقهم إلى المكتبة إصرارا على أن تكون المعرفة حاضرة في يومه.
هكذا، يا أبا الجوائز، تربح الكتب معاركها الصغيرة دون ضجيج؛ مرة على رف، ومرة في حفل، ومرة في قلب رجل يكتشف، بعد التقاعد، أن أجمل ما في العمر ليس ما انتهى منه، وإنما ما لا يزال قادرا على اكتشافه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...