استيقظت مذعورةً على صوت ارتطام الباب الخشبيّ المهترئ. لم تُخطئ الصوت؛ روبرت لا يطرق، بل يقتحم. ، اتمنى مشاركة الجميع
انتظرت الأمر:
— انهضي أيتها الفاجرة.
نهضت صامتة، فجاءت الصفعةُ كتحيّةٍ معتادة.
تعلّمت بيجي الطقوس التي يُحبّها روبرت؛ تؤدّيها بحذرٍ كي لا تطول معاناتها... تتظاهر بالمقاومة، تمنحه وَهْمَالغَلَبة، ثم تستسلم، وتدع الهزيمةَ تبدو كاملةً على جسدها.
أمسك بشَعرها المُجعَّد وألقاها بعنفٍ على سريرها. كالثور الهائج انقضّ عليها.
زَكَمَ أنفَها مزيجُ رائحته الكريهة ورائحة الخمر، بينما رسمت بدموعها ابتسامةً واهنةً على وجهها الأَبْنوسيّ.
حين فرغ، ركلها وبصق قرب رأسها.
عرفت أن هذه زيارته الأخيرة؛ بعد يومين سيتزوّج، وستُمحى كما تُمحى ليلةٌ عابرة.
كانت تعمل بوصيّة العجوز بين العبيد:
— الاستكانةُ نجاة.
وأكملت العجوز، بصوتٍ مُنْهَكٍ:
— هذا قدر كل الإماء... اغتصبني السيدُ الكبير وقدّمني لأصدقائه، وكانت المصيبة أنّ السيدةَ الكبيرة، بدلًا من أن تلومه،.. كانت تنتقم مني أنا... تأمر بتقييدي، وتجلدني بالكرباج حتى يسيل دمي ...كوني مع روبرت كفرسٍ مُستكينةٍ.
مع الصباح، نظّفت البيت وأعدّت الإفطار. لم تسألها السيدة الكبيرة عن الكدمات؛ كانت علامات زيارة ابنها روبرت... ومن أجله أمرت بوضع سريرٍ في كوخ الجارية.
كانت بيجي أجملَ الخادمات، ومنذ ظهرت أنوثتها، صارت ملكًا خاصًّا لروبرت، وهو ما منحها تميّزًا مُرًّا.
في المساء، دخلت كوخها مُنهكةً، فرّت الفئران إلى جحورها، واستلقت تحدّق في السقف. داهمها شعورٌ غريب؛ تمنّت أن يُفتح الباب، أن يعود. كانت تعرف أن الفراغ بعده سيكون أشدَّ قسوةً من حضوره.
انسابت ذاكرتها، وهي تحدّق في سقف الكوخ المهترئ:
أمُّها تُمشّط شعرها، وأبوها يضحك ويقول بلغة الوُلوف المحلية:
— يا فاطمة، ستكملين تعليمكِ في مدرسةٍ بمدينة سانت لويس.
كانت فاطمة تحفظ بعض الكلمات الفرنسية، وتعرف نُطق: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
تتجوّل في الأدغال بحرّية، تستنشق الهواء العليل، يطربها تغريد الطيور، وتشعر بالأمان حتى مع زئير الحيوانات المفترسة.
تجهّمت. عادت إليها قسوةُ الأيادي الخشنة لعصابات الاتجار بالرقيق من الهولنديين، ظلامُ قبو السفينة، وأجسادٌ تتقاتل على كسرة خبز.
في المرفأ، كرباجٌ يلهب الأجساد، وماءٌ بارد يُلقى عليهم ليزيل رائحتهم العفنة، ونظراتٌ تُعاينهم كسلع... اشتراها السيدُ الكبير، ومنحها اسمًا آخر: «بيجي».
في صباح يوم الزفاف، توقفت عند باب الكنيسة؛ دخولُ العبيد ممنوع.
ليلًا، خدمت المدعوين، رأت العروس في أبهى صورة،.. وشعرت بِثِقَلٍ دفينٍ في صدرها.
في كوخها، أغمضت عينيها، تتحسّس مكان روبرت الفارغ.
فُتح الباب بعنف.
دخل روبرت.
لم تُقاوم.
ارتخت أطرافها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة…
كأنّ شيئًا في داخلها أُغلق إلى الأبد.
بقلم : سيد جعيتم
جمهورية مصر العربية
انتظرت الأمر:
— انهضي أيتها الفاجرة.
نهضت صامتة، فجاءت الصفعةُ كتحيّةٍ معتادة.
تعلّمت بيجي الطقوس التي يُحبّها روبرت؛ تؤدّيها بحذرٍ كي لا تطول معاناتها... تتظاهر بالمقاومة، تمنحه وَهْمَالغَلَبة، ثم تستسلم، وتدع الهزيمةَ تبدو كاملةً على جسدها.
أمسك بشَعرها المُجعَّد وألقاها بعنفٍ على سريرها. كالثور الهائج انقضّ عليها.
زَكَمَ أنفَها مزيجُ رائحته الكريهة ورائحة الخمر، بينما رسمت بدموعها ابتسامةً واهنةً على وجهها الأَبْنوسيّ.
حين فرغ، ركلها وبصق قرب رأسها.
عرفت أن هذه زيارته الأخيرة؛ بعد يومين سيتزوّج، وستُمحى كما تُمحى ليلةٌ عابرة.
كانت تعمل بوصيّة العجوز بين العبيد:
— الاستكانةُ نجاة.
وأكملت العجوز، بصوتٍ مُنْهَكٍ:
— هذا قدر كل الإماء... اغتصبني السيدُ الكبير وقدّمني لأصدقائه، وكانت المصيبة أنّ السيدةَ الكبيرة، بدلًا من أن تلومه،.. كانت تنتقم مني أنا... تأمر بتقييدي، وتجلدني بالكرباج حتى يسيل دمي ...كوني مع روبرت كفرسٍ مُستكينةٍ.
مع الصباح، نظّفت البيت وأعدّت الإفطار. لم تسألها السيدة الكبيرة عن الكدمات؛ كانت علامات زيارة ابنها روبرت... ومن أجله أمرت بوضع سريرٍ في كوخ الجارية.
كانت بيجي أجملَ الخادمات، ومنذ ظهرت أنوثتها، صارت ملكًا خاصًّا لروبرت، وهو ما منحها تميّزًا مُرًّا.
في المساء، دخلت كوخها مُنهكةً، فرّت الفئران إلى جحورها، واستلقت تحدّق في السقف. داهمها شعورٌ غريب؛ تمنّت أن يُفتح الباب، أن يعود. كانت تعرف أن الفراغ بعده سيكون أشدَّ قسوةً من حضوره.
انسابت ذاكرتها، وهي تحدّق في سقف الكوخ المهترئ:
أمُّها تُمشّط شعرها، وأبوها يضحك ويقول بلغة الوُلوف المحلية:
— يا فاطمة، ستكملين تعليمكِ في مدرسةٍ بمدينة سانت لويس.
كانت فاطمة تحفظ بعض الكلمات الفرنسية، وتعرف نُطق: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
تتجوّل في الأدغال بحرّية، تستنشق الهواء العليل، يطربها تغريد الطيور، وتشعر بالأمان حتى مع زئير الحيوانات المفترسة.
تجهّمت. عادت إليها قسوةُ الأيادي الخشنة لعصابات الاتجار بالرقيق من الهولنديين، ظلامُ قبو السفينة، وأجسادٌ تتقاتل على كسرة خبز.
في المرفأ، كرباجٌ يلهب الأجساد، وماءٌ بارد يُلقى عليهم ليزيل رائحتهم العفنة، ونظراتٌ تُعاينهم كسلع... اشتراها السيدُ الكبير، ومنحها اسمًا آخر: «بيجي».
في صباح يوم الزفاف، توقفت عند باب الكنيسة؛ دخولُ العبيد ممنوع.
ليلًا، خدمت المدعوين، رأت العروس في أبهى صورة،.. وشعرت بِثِقَلٍ دفينٍ في صدرها.
في كوخها، أغمضت عينيها، تتحسّس مكان روبرت الفارغ.
فُتح الباب بعنف.
دخل روبرت.
لم تُقاوم.
ارتخت أطرافها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة…
كأنّ شيئًا في داخلها أُغلق إلى الأبد.
بقلم : سيد جعيتم
جمهورية مصر العربية