المَمَرُّ ذو الأَشجارِ المُعَمِّرة،
والمَقَاعد الأسمنتِيّة،
البَوّابَةُ الكبيرة، ذاتُ اللافِتَةُ الخَجُولة،
الهدوءُ يُغَلِّفُ الكائناتِ المَيِّتة.
فِي مُتْحَفِ التَّاريخِ الطَّبيعِيّ
كُنْتُ أَتَلَصَصُ على تِلالِ الحَبِيبة،
أُوقِظُ فيها أَنَاي النِّائِمَة،
وأَرْسُمُ بأَصَابِعي الخَمْسَة..
أَرْسُمُ مَا لَنْ يَتَحَقَّقَ أبداً!
لماذا يَرْفُضُ بَعْضَنا التَمَاثِيلَ، والنُّصُب التَّذْكَارِيّة
لماذا يَتَقَرَّبُون إٍلى اللِه بِتَحْطيمِها
هَلْ تُرَانا نَبْغَضُ تَارِيخَنا؟!
ومَع ذلكَ كُنْتُ مُنْدَهِشاً مِن ذلكَ الشَّاب
الذي قُتِل شَاهِراً سَبَّابَتَهُ،
ماتَ وهو يَشْرَخُ بؤسَ الانتظارِ
يعزفُ نشيدَ الأَمَلِ حَيْثُ العَصَافِير مُحَنَّطَة
البَبَغَاواتُ تُبَادِلُني النظراتِ المُتَجَمِّدَة،
أبونضُلاف(1) يشمخُ بِوَجْهِهِ كإِمبريالِيّ صغير،
يُدَمِّرُ مَمَالكَ النَّملِ الهَزِيل.
فِي المُتْحَفِ حيثُ أمواجُ الحياةِ تملأُ خَياشيمَ السَّمَك،
تَقِفُ النباتاتُ فِي ساحاتِ بُذورِها،
تَحْلُمُ الأَجِنَّةُ أنْ تُؤَسِّسَ كَيْنُونَتَها..
هُناكَ فِي صمتٍ كُنْتُ أَخْتَبِئُ
أَحْمِلُ صَحْنَ حَبِيبتي
بعيداً عَنْ عَسَسِ الجَامِعَة
وهَوَسِ السُّلطَةِ بِقَهْرِ الفَاتِنَاتِ؛
لَمْ تَكُنْ فَاتِنَة كَفَتَياتِ أَغْلِفَةِ المَجَلاتِ
بَيْدَ أَنَّها فَتَنَتْنِي أنا،
حالتْ بَيْني وبَيْنَ قُبْحِ الحكاياتِ.
قبلَ عَقْدَين ونيفٍ قالتْ لِي:
"أُحِبُّكَ.. أُحِبُّكَ فِي هذَا المكان، وإِلى الأَبَد"
أَسْبَلَتْ عَيْنَيها؛ لِتَرْمُقَ سُلْحُفَاةً
تَمْشِي عَلَى مَهَل.
أَيّتُها السَّلاحِفُ العظيمة..
يا جَدّة الأَكْوَانِ، وأُمِّ المُثَابَرة:
"كيفَ ماتَ الحُبُّ عَلَى مَهَل؟"
هَمَسْتُ فِي أُذْنِ الحبيبةِ
هَمَسَاتٌ مِن عَمِيقِ الأَزَل:
"ليتنا هُنا فِي حَنُوطٍ أَبَدِيّ،
نُرَى مِن خِلال الزُّجاجِ،
لا تَمَسّنا الأَيدِي، لَيْتَ أنَّا.."
ثُمّ غِبْنَا عَنِ الجَامِعَة،
غابَ عَنّا ضَجِيجُ الشَّارِعِ،
وجُوع الكَافتيريات الرَّخِيصة.
بَقِيَتْ كائناتُ المُتْحَفِ تَرْفَلُ فِي ثَوْبِها الشفّاف،
تَرْمُقُ بَعْضَها مُسْتَفْسِرَة..
يا للإنسانِ يشيدُ مَعْبَدَهُ،
ثُمَّ ما يَلْبَثَ أنْ يَهْدِمَهُ!
يا لأفريقيا تُسَجِّلُ تاريخَها؛
لِتَكُونَ أُمَّةً بَيْنَ الأُمَمِ،
وفِي لحظةِ طَيْشٍ تَحْرِقُه كَأَنْ لَمْ يَكُنْ!
يا للثعالبِ تَخْرجُ مِن حَنُوطِها؛
لِتُحَدِّثَ المُتْحَفَ بِسيرورةِ الكَوْنِ!
أَظُنُّ أَنَّ حبيبتي الآن فِي مَدينةٍ آمنة،
أو أنَّ أحدَهُم قادَها إِلى أُوروبا؛
عَلى كُلٍّ بالكادِ ستبصرُ الحَرِيقَ.
عَلَى الأَرْجَحِ أنَّها لَنْ تَنْسَى المَقاعِدَ الأَسْمَنتِيّة،
البجعاتِ اليَابِسَةَ، كأنَّها نَفَقَتْ ذات جَائِحَة.
لَنْ تَنْسَى لوحةَ الطِّفْلِ الباكِي
فِي بَاحَةِ الصَّالَة،
كُنَّا نُسَمِّيه أوليفر تويست
لا نَعرفُ صَاحِبَ اللوحةِ،
وإِذا ما كانَ اِسْمُنا صائب، أو محض مُناسِب.
ظلَّ الطِّفلُ مُعَلَّقاً بعينيهِ الدَّامِعَتين فِي الأَمَاكِنِ العَامّة.
لَنْ تَنْسَى، ولَنْ أَنْسَى
ذلكَ التُّمْسَاح الصَّغِير الذي جَلَبُوه بَيْضَةً
أَفْقَسُوها تقنيّاً،
كاستنباتِ الحِلْبَة فِي جَزائِر النَّهْرِ.
كَبُرْنا جداً، وكَبُر تُمْسَاحُنا مَعَنا!
قالتْ لي: "هَلْ سيقتلونه يَوْماً؛ لأهدافٍ تعليمِيّة؟"
لَمْ أُجِبْها آنذاك؛
مَنْ أنا لأُفْتِي فِي شُؤونِ الدّولة؟!
لكِنّني فِي داخلي أَمُورُ بالسُّؤال.
كنعامةٍ دَاجِنَةٍ لا أجدُ مكاناً يصلحُ لِدَفْنِ رَأْسِي الصَّغِير،
أُلَوِّحُ به كطَيرٍ مُجَنَّح،
أَقْذِفُهُ فِي حَمْأَةِ العَجِين،
عَجِينُ مَنْ خَبَزوا الواقِع،
وأَحْرَقُوا خُبْزَهم بَيْنَما هُمْ يَتَجَادَلُون..
وأنا ذاهبٌ فِي طَرِيقي الطويل،
أحملُ أسياخَ المَوْتِ على ظهري
وذكرياتِ المُتْحَفِ تَمْلَؤُنِي؛
أَتَذَكَّرُ الحربَ الإِسبانِيّة
الآلافَ مِمَن نُقِلوا لأمريكا الجنوبِيّة،
أذكرُ بابلو نيرودا مُنَاضِلاً لأجلهم، وحزينا..
لَوركا المَغْدُور تحتَ شجرة،
مَيِّتاً كانَ كيفمَا شَاءَتِ الحَرْبُ.
أتساءلُ عمَّا حاقَ بالَمَتاحِفِ هُناك!
هَلْ عَليَّ اِلتزام الصَّمتِ،
والتَّعايُش مع المَوْتِ اليومِيّ؟
هَلْ الغِنَاءُ مِن أَجْلِ الغَجَر، وزُنوج أَمْريكا،
والمُشردين فِي النُّزوحِ؛
يُفْضِي بالمُغَنّي إِلى الهلاكِ الحَتْمِيّ؟
حينَ كُنْتُ أبحثُ عن إِجابةٍ
كانَ التُّمساحُ يَتَمَطّى،
يجرُّ ذيلَهُ في أَنَاةٍ جِهَةِ الحُرِية.
حاجُ المَاحي(2) يدعو له بالنَّجَاةِ على غَيْرِ العَادَة،
أولياءُ اللِه البررةُ يَصْدَحُون بالدُّعاءِ،
يَصْطَفُون أمامَ بَوّابةِ السَّمَاءِ المُشْرَعَة،
يُصَفِّقُون لها، وهي تُمْسِكُ بِنَاصيةِ التُّمسَاحِ
تقودُه بلُطْفِ بَيْنَ النِّيَرانِ المُوقَدَة
"يا نارُ كُونِي نَهْرَاً، كُونِي مَنْبَعاً ومَصَبّا.."
بَيْنَمَا يهتفُ الوَلِيُّ الأَعْظَم
إِذْ بالمدافعِ تُفْزِعُ الطِّفْلَ البّاكي،
الكَائنَ فِي اللوحةِ،
المَصْلوب على حَوائطِ العَالمِ الثَّالُوثِيّ.
كَكِتَابٍ مُقدَّس؛ لا تطالُ النيرانُ جَسَدَ البُومَة،
المُثَبَّت بِبَراعةٍ في فترينةِ العَرْض.
بعضُ الدُّخانِ اِقْتَحَمَ أُذْنَ الثَّعْلبِ فِي الرفوفِ العلوِيّة.
كانتِ الحَرْبُ قَد أَحَاطَتْ بالمُتْحَف،
بَعْدَ أَنْ فَرغتْ مِن القَصْرِ الجمهورِيّ الرَّجيم.
أولياءُ اللهِ بِبَرَكَاتِهِمْ يُغِذون السَّيْرَ نَحْو المُتَجَلّي،
حامِلين خَمِيرة ذِكرياتي، المَبَاخِرَ، الطُّبولَ، رَقْصَهُمْ الأفريقِيّ، ونَواياهم الطيِّبة.
يغذونَ السَّيْرَ فِي قافلةٍ مِن تَاريخِ السُّهول، الصَّحارِي، الغاباتِ، وأَكِنَّةِ الطُّيورِ المهاجِرَة.
أمامَ بَوَّابَةِ السَّمَاءِ تَلَقوا رِسالة الإِجَابَة
بُقْعَةٌ ما أضاءَها بَرْقٌ شَرُود،
أطاحَ بالوقتِ أَرْضاً،
اِسْتَدارَ الزَّمَنُ
صَارَ الكَوْنُ بَيْضَةً،
فِي أَرِيحِيّة عبرَ التُّمْسَاح الأَسوارَ الشَّائِكَة،
تحتَ زَخَّاتِ الرَّصَاص يَزْحَفُ خَارِجاً
اِتَّخَذَّ طريقَهُ إِلى النِّيلِ سَرْبَا.
تَحْتَشِدُ تَمَاسِيحُ الأَسْلَافِ مُنْتَظِرَةً
مُثَبِّتَةً أَقْدَامَها عَلى حَجَرِ مُوسَى(3)،
يَقِينُها أنَّه سينجو مِن المَحْرَقَة.
إِليكِ يا حبيبتي إِجَابَتِي،
خُلَاصةُ وَقَائِعِ الكَوْنِ المُؤَجَّلة..
إِليكِ وأَنْتِ فِي البَعيدِ مَعْنَىً ومَبْنَى:
"الآن لا تَقْلَقِي على تُمْسَاحِنَا،
لَمْ يَعُدِ الفُورمَالين خَاتِمَة المَطَاف،
ما زالَ النِّيلُ مَوْعِدَنا،
واعْلَمِي أَنَّه قد يَنْجو التُّمَساحُ أَحْيَانا،
كَمَا قد يَنْجو بَعْضُنا".
_________________
*التمساح هو عنوات الجزء الثالث من قصيدة "تعاويذ لحربٍ منسية".
هوامش
______
1/ أبونضلاف: هو الاسم الشعبي السوداني لدُب النمل، آكل النمل (Aardvark) وهو حيوان من الثدييات يعيش في أفريقيا.
2/ الحاج الماحي بن محمد بن الشيخ بن أحمد بن عبد الله ولد عام 1789م بقرية الكاسنجر قرب مدينة كريمة وتوفي بها 1871م. وهو قطب من أقطاب شعراء المديح النبوي في السودان، وله قصيدة عن التمساح الذي سكن ديار الشايقية، وصار خطراً على البشر، حشد فيها دعواته لأولياء الله الصالحين لتخليصهم من التمساح بقتله، ومنها:
"يالخُلفا الحالكم مرضية
يا أهل البيعة العقدوا النية
التمساح سكن الشايقية
خلوا يروح نسياً منسيا" .
ويروى أنه صدح بالقصيدة على شاطئ النيل، وبعدها وجدوا التمساح ميتاً.
3/ حجر موسى: هو حجر عند ملتقى النيلين، الأزرق، والأبيض. يعتقد السودانيون أن النبي موسى جلس عليه، وعنده نسي حوته.
والمَقَاعد الأسمنتِيّة،
البَوّابَةُ الكبيرة، ذاتُ اللافِتَةُ الخَجُولة،
الهدوءُ يُغَلِّفُ الكائناتِ المَيِّتة.
فِي مُتْحَفِ التَّاريخِ الطَّبيعِيّ
كُنْتُ أَتَلَصَصُ على تِلالِ الحَبِيبة،
أُوقِظُ فيها أَنَاي النِّائِمَة،
وأَرْسُمُ بأَصَابِعي الخَمْسَة..
أَرْسُمُ مَا لَنْ يَتَحَقَّقَ أبداً!
لماذا يَرْفُضُ بَعْضَنا التَمَاثِيلَ، والنُّصُب التَّذْكَارِيّة
لماذا يَتَقَرَّبُون إٍلى اللِه بِتَحْطيمِها
هَلْ تُرَانا نَبْغَضُ تَارِيخَنا؟!
ومَع ذلكَ كُنْتُ مُنْدَهِشاً مِن ذلكَ الشَّاب
الذي قُتِل شَاهِراً سَبَّابَتَهُ،
ماتَ وهو يَشْرَخُ بؤسَ الانتظارِ
يعزفُ نشيدَ الأَمَلِ حَيْثُ العَصَافِير مُحَنَّطَة
البَبَغَاواتُ تُبَادِلُني النظراتِ المُتَجَمِّدَة،
أبونضُلاف(1) يشمخُ بِوَجْهِهِ كإِمبريالِيّ صغير،
يُدَمِّرُ مَمَالكَ النَّملِ الهَزِيل.
فِي المُتْحَفِ حيثُ أمواجُ الحياةِ تملأُ خَياشيمَ السَّمَك،
تَقِفُ النباتاتُ فِي ساحاتِ بُذورِها،
تَحْلُمُ الأَجِنَّةُ أنْ تُؤَسِّسَ كَيْنُونَتَها..
هُناكَ فِي صمتٍ كُنْتُ أَخْتَبِئُ
أَحْمِلُ صَحْنَ حَبِيبتي
بعيداً عَنْ عَسَسِ الجَامِعَة
وهَوَسِ السُّلطَةِ بِقَهْرِ الفَاتِنَاتِ؛
لَمْ تَكُنْ فَاتِنَة كَفَتَياتِ أَغْلِفَةِ المَجَلاتِ
بَيْدَ أَنَّها فَتَنَتْنِي أنا،
حالتْ بَيْني وبَيْنَ قُبْحِ الحكاياتِ.
قبلَ عَقْدَين ونيفٍ قالتْ لِي:
"أُحِبُّكَ.. أُحِبُّكَ فِي هذَا المكان، وإِلى الأَبَد"
أَسْبَلَتْ عَيْنَيها؛ لِتَرْمُقَ سُلْحُفَاةً
تَمْشِي عَلَى مَهَل.
أَيّتُها السَّلاحِفُ العظيمة..
يا جَدّة الأَكْوَانِ، وأُمِّ المُثَابَرة:
"كيفَ ماتَ الحُبُّ عَلَى مَهَل؟"
هَمَسْتُ فِي أُذْنِ الحبيبةِ
هَمَسَاتٌ مِن عَمِيقِ الأَزَل:
"ليتنا هُنا فِي حَنُوطٍ أَبَدِيّ،
نُرَى مِن خِلال الزُّجاجِ،
لا تَمَسّنا الأَيدِي، لَيْتَ أنَّا.."
ثُمّ غِبْنَا عَنِ الجَامِعَة،
غابَ عَنّا ضَجِيجُ الشَّارِعِ،
وجُوع الكَافتيريات الرَّخِيصة.
بَقِيَتْ كائناتُ المُتْحَفِ تَرْفَلُ فِي ثَوْبِها الشفّاف،
تَرْمُقُ بَعْضَها مُسْتَفْسِرَة..
يا للإنسانِ يشيدُ مَعْبَدَهُ،
ثُمَّ ما يَلْبَثَ أنْ يَهْدِمَهُ!
يا لأفريقيا تُسَجِّلُ تاريخَها؛
لِتَكُونَ أُمَّةً بَيْنَ الأُمَمِ،
وفِي لحظةِ طَيْشٍ تَحْرِقُه كَأَنْ لَمْ يَكُنْ!
يا للثعالبِ تَخْرجُ مِن حَنُوطِها؛
لِتُحَدِّثَ المُتْحَفَ بِسيرورةِ الكَوْنِ!
أَظُنُّ أَنَّ حبيبتي الآن فِي مَدينةٍ آمنة،
أو أنَّ أحدَهُم قادَها إِلى أُوروبا؛
عَلى كُلٍّ بالكادِ ستبصرُ الحَرِيقَ.
عَلَى الأَرْجَحِ أنَّها لَنْ تَنْسَى المَقاعِدَ الأَسْمَنتِيّة،
البجعاتِ اليَابِسَةَ، كأنَّها نَفَقَتْ ذات جَائِحَة.
لَنْ تَنْسَى لوحةَ الطِّفْلِ الباكِي
فِي بَاحَةِ الصَّالَة،
كُنَّا نُسَمِّيه أوليفر تويست
لا نَعرفُ صَاحِبَ اللوحةِ،
وإِذا ما كانَ اِسْمُنا صائب، أو محض مُناسِب.
ظلَّ الطِّفلُ مُعَلَّقاً بعينيهِ الدَّامِعَتين فِي الأَمَاكِنِ العَامّة.
لَنْ تَنْسَى، ولَنْ أَنْسَى
ذلكَ التُّمْسَاح الصَّغِير الذي جَلَبُوه بَيْضَةً
أَفْقَسُوها تقنيّاً،
كاستنباتِ الحِلْبَة فِي جَزائِر النَّهْرِ.
كَبُرْنا جداً، وكَبُر تُمْسَاحُنا مَعَنا!
قالتْ لي: "هَلْ سيقتلونه يَوْماً؛ لأهدافٍ تعليمِيّة؟"
لَمْ أُجِبْها آنذاك؛
مَنْ أنا لأُفْتِي فِي شُؤونِ الدّولة؟!
لكِنّني فِي داخلي أَمُورُ بالسُّؤال.
كنعامةٍ دَاجِنَةٍ لا أجدُ مكاناً يصلحُ لِدَفْنِ رَأْسِي الصَّغِير،
أُلَوِّحُ به كطَيرٍ مُجَنَّح،
أَقْذِفُهُ فِي حَمْأَةِ العَجِين،
عَجِينُ مَنْ خَبَزوا الواقِع،
وأَحْرَقُوا خُبْزَهم بَيْنَما هُمْ يَتَجَادَلُون..
وأنا ذاهبٌ فِي طَرِيقي الطويل،
أحملُ أسياخَ المَوْتِ على ظهري
وذكرياتِ المُتْحَفِ تَمْلَؤُنِي؛
أَتَذَكَّرُ الحربَ الإِسبانِيّة
الآلافَ مِمَن نُقِلوا لأمريكا الجنوبِيّة،
أذكرُ بابلو نيرودا مُنَاضِلاً لأجلهم، وحزينا..
لَوركا المَغْدُور تحتَ شجرة،
مَيِّتاً كانَ كيفمَا شَاءَتِ الحَرْبُ.
أتساءلُ عمَّا حاقَ بالَمَتاحِفِ هُناك!
هَلْ عَليَّ اِلتزام الصَّمتِ،
والتَّعايُش مع المَوْتِ اليومِيّ؟
هَلْ الغِنَاءُ مِن أَجْلِ الغَجَر، وزُنوج أَمْريكا،
والمُشردين فِي النُّزوحِ؛
يُفْضِي بالمُغَنّي إِلى الهلاكِ الحَتْمِيّ؟
حينَ كُنْتُ أبحثُ عن إِجابةٍ
كانَ التُّمساحُ يَتَمَطّى،
يجرُّ ذيلَهُ في أَنَاةٍ جِهَةِ الحُرِية.
حاجُ المَاحي(2) يدعو له بالنَّجَاةِ على غَيْرِ العَادَة،
أولياءُ اللِه البررةُ يَصْدَحُون بالدُّعاءِ،
يَصْطَفُون أمامَ بَوّابةِ السَّمَاءِ المُشْرَعَة،
يُصَفِّقُون لها، وهي تُمْسِكُ بِنَاصيةِ التُّمسَاحِ
تقودُه بلُطْفِ بَيْنَ النِّيَرانِ المُوقَدَة
"يا نارُ كُونِي نَهْرَاً، كُونِي مَنْبَعاً ومَصَبّا.."
بَيْنَمَا يهتفُ الوَلِيُّ الأَعْظَم
إِذْ بالمدافعِ تُفْزِعُ الطِّفْلَ البّاكي،
الكَائنَ فِي اللوحةِ،
المَصْلوب على حَوائطِ العَالمِ الثَّالُوثِيّ.
كَكِتَابٍ مُقدَّس؛ لا تطالُ النيرانُ جَسَدَ البُومَة،
المُثَبَّت بِبَراعةٍ في فترينةِ العَرْض.
بعضُ الدُّخانِ اِقْتَحَمَ أُذْنَ الثَّعْلبِ فِي الرفوفِ العلوِيّة.
كانتِ الحَرْبُ قَد أَحَاطَتْ بالمُتْحَف،
بَعْدَ أَنْ فَرغتْ مِن القَصْرِ الجمهورِيّ الرَّجيم.
أولياءُ اللهِ بِبَرَكَاتِهِمْ يُغِذون السَّيْرَ نَحْو المُتَجَلّي،
حامِلين خَمِيرة ذِكرياتي، المَبَاخِرَ، الطُّبولَ، رَقْصَهُمْ الأفريقِيّ، ونَواياهم الطيِّبة.
يغذونَ السَّيْرَ فِي قافلةٍ مِن تَاريخِ السُّهول، الصَّحارِي، الغاباتِ، وأَكِنَّةِ الطُّيورِ المهاجِرَة.
أمامَ بَوَّابَةِ السَّمَاءِ تَلَقوا رِسالة الإِجَابَة
بُقْعَةٌ ما أضاءَها بَرْقٌ شَرُود،
أطاحَ بالوقتِ أَرْضاً،
اِسْتَدارَ الزَّمَنُ
صَارَ الكَوْنُ بَيْضَةً،
فِي أَرِيحِيّة عبرَ التُّمْسَاح الأَسوارَ الشَّائِكَة،
تحتَ زَخَّاتِ الرَّصَاص يَزْحَفُ خَارِجاً
اِتَّخَذَّ طريقَهُ إِلى النِّيلِ سَرْبَا.
تَحْتَشِدُ تَمَاسِيحُ الأَسْلَافِ مُنْتَظِرَةً
مُثَبِّتَةً أَقْدَامَها عَلى حَجَرِ مُوسَى(3)،
يَقِينُها أنَّه سينجو مِن المَحْرَقَة.
إِليكِ يا حبيبتي إِجَابَتِي،
خُلَاصةُ وَقَائِعِ الكَوْنِ المُؤَجَّلة..
إِليكِ وأَنْتِ فِي البَعيدِ مَعْنَىً ومَبْنَى:
"الآن لا تَقْلَقِي على تُمْسَاحِنَا،
لَمْ يَعُدِ الفُورمَالين خَاتِمَة المَطَاف،
ما زالَ النِّيلُ مَوْعِدَنا،
واعْلَمِي أَنَّه قد يَنْجو التُّمَساحُ أَحْيَانا،
كَمَا قد يَنْجو بَعْضُنا".
_________________
*التمساح هو عنوات الجزء الثالث من قصيدة "تعاويذ لحربٍ منسية".
هوامش
______
1/ أبونضلاف: هو الاسم الشعبي السوداني لدُب النمل، آكل النمل (Aardvark) وهو حيوان من الثدييات يعيش في أفريقيا.
2/ الحاج الماحي بن محمد بن الشيخ بن أحمد بن عبد الله ولد عام 1789م بقرية الكاسنجر قرب مدينة كريمة وتوفي بها 1871م. وهو قطب من أقطاب شعراء المديح النبوي في السودان، وله قصيدة عن التمساح الذي سكن ديار الشايقية، وصار خطراً على البشر، حشد فيها دعواته لأولياء الله الصالحين لتخليصهم من التمساح بقتله، ومنها:
"يالخُلفا الحالكم مرضية
يا أهل البيعة العقدوا النية
التمساح سكن الشايقية
خلوا يروح نسياً منسيا" .
ويروى أنه صدح بالقصيدة على شاطئ النيل، وبعدها وجدوا التمساح ميتاً.
3/ حجر موسى: هو حجر عند ملتقى النيلين، الأزرق، والأبيض. يعتقد السودانيون أن النبي موسى جلس عليه، وعنده نسي حوته.