"من يحمل جرحاً، يرى العالم دائماً من خلال ذلك الجرح"
"في رواياتي المكتوبة باللغة التركية، تطرقتُ كثيراً إلى معاناة الكرد؛ سوى أنني عندما كتبتُ بالكردية لأول مرة، أردتُ من القراء في بلدان أخرى أن ينظروا إلى لغتنا، لا إلى جروحنا فحسب. فنحن لسنا مجرد شعبٍ جريح، بل نحن أيضاً مبدعون، ولدينا ما نقدمه للعالم".
حاوره: أرغين أوبنغين
لوموند دِبلوماتيك " الكردية "
عاد الكاتب الكردي برهان سونمز -المنحدر من منطقة "هايمانا" في وسط الأناضول- إلى لغته الأم من خلال روايته الجديدة *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.)، وذلك بعد خمس روايات سابقة حظيت بتقديرٍ واسع في الأدب التركي. وفي حوارٍ مع أرغين أوبنغين، يتحدث سونمز -الذي يشغل أيضاً منصب رئيس منظمة "القلم" الدولية (PEN International)- عن الدوافع والأهداف الكامنة وراء هذا القرار، وعن الجوانب الموضوعية في روايته، وعن واقع اللغة والأدب الكرديين وآفاقهما ضمن سياق الأدب العالمي.
برهان سونمز
-بعد أن رسّختَ لنفسك مكانةً أدبيةً متميزة في الأدب التركي -من خلال خمس روايات لم تكتفِ بتحقيق شعبية واسعة بين القراء الناطقين بالتركية فحسب، بل تُرجمت أيضاً إلى قرابة أربعين لغة حول العالم- قررتَ البدء في كتابة رواياتك باللغة الكردية، لتصدر أولاها بعنوان *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.). ربما يطرح عليك الكثيرون سؤالاً بديهياً: «لماذا اتخذتَ هذا القرار؟». لكنني، بدلاً من ذلك، أود أن أسأل: لماذا لم تكتب بالكردية في وقتٍ أبكر، أو ربما منذ البداية؟
ممتن لك أنا على هذا السؤال. ففي العام المنصرم، حين ذكرتُ أنني أعمل على مشروعٍ كهذا، سألني كثيرون: «لماذا تكتب باللغة الكردية؟». كانوا يتساءلون، في جوهر الأمر، عن سبب توجه كاتبٍ تُرجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة نحو لغةٍ «صغيرة». لكنني كنت آمل أن أُسأل السؤال المعاكس: "لماذا لم تكتب باللغة الكردية حتى الآن؟". فمثلي مثل أي شخص آخر في تركيا، وُلدتُ ونشأتُ في فترةٍ كانت فيها اللغة الكردية مُنكرةً ومُغيّبة. وفي البيئة التي ترعرعتُ فيها، لم تكن هناك أي فرصة للقراءة أو الكتابة باللغة الكردية؛ فقد نشأنا جميعاً في ظل لغة رسمية واحدة فقط، وهي اللغة التركية. وحين اتجهتُ نحو الأدب، لم يكن أمامي خيارٌ سوى اللغة التركية. قرأتُ أول رواية كردية لي في سن الخامسة والثلاثين؛ كنتُ أعرف اللغة الكردية المحكية، لكنني لم أكن على دراية بقواعدها المكتوبة. سألتُ نفسي: "ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أكتفي بالتحدث بلغتي الأم فحسب، أم أعمل على تطوير معرفتي بقواعدها وأنتج أدباً بلغتي الخاصة؟". وبطبيعة الحال، اخترتُ المسار الثاني؛ درستُ بجدٍ واجتهاد، وكرّستُ نفسي الآن للكتابة بلغتي. إن العمل الجاد يستحق العناء دائماً، وفي مجال الفن، لا يفوت الأوان أبداً.
-إلى أي مدى تُعد الرغبة والقصد في "تمثيل أدبٍ يفتقر إلى الحضور الكافي" الدافعَ وراء هذا القرار؟
بالتأكيد، هذه رغبتي أيضاً. لقد نُشرت كتبي في جميع أنحاء العالم، وأقضي معظم وقتي في محافل دولية. وفي تلك الأوساط، يدور نقاشٌ واسع حول القضية الكردية؛ لكنني أريد للغة الكردية -لا بوصفها ظلاً للسياسة، بل كعنصر إبداعي فني- أن تكون حاضرة ومرئية. لقد تُرجمت ونُشرت أعمالٌ كثيرة لكُتّابٍ كرد آخرين بلغاتٍ مختلفة، وأنا أرغب في الإسهام في هذه المسيرة.
-لقد اتجهتَ نحو اللغة الكردية مدفوعاً بهذه الأسباب والآمال. ومع ذلك، يكتب الكثير من الكرد باللغة التركية أو بلغاتٍ أخرى مهيمنة. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟ ولماذا تكمن أهمية أن يمارس الكرد التعبير الإبداعي بلغتهم الأم؟
ليس ثمة مشكلة في أن يكتب الأدباء بلغاتٍ أخرى؛ فمن حقهم الكتابة باللغة التي يشعرون فيها بالراحة، لأن اللغة في سياق الأدب ليست مجرد لغة "قومية"، بل هي لغة "أدبية". لكن هذا جانبٌ واحد فقط من المسألة؛ فهناك جانبٌ آخر. علينا أن ندعم الأجيال الشابة التي تكتب بالكردية، وأن نأخذ بأيديهم ونمهد لهم الطريق. هناك الكثيرون ممن بدأوا الكتابة باللغة الكردية، وهي فرصةٌ لم تتح لنا في شبابنا. لقد اتجهتُ نحو اللغة الكردية بدءاً من روايتي السادسة؛ رغبةً مني في السير جنباً إلى جنب مع الكُتّاب الشباب، واستكشاف القضايا الأدبية والعالمية معهم، والمساهمة -ولو بقطرةٍ واحدة- في مستقبل اللغة الكردية.
-تُعد روايتك الثانية، *HespênReşBayênSorgevez* (خيولٌ سوداء، رياحٌ بلون الكستناء)، نصاً مهماً؛ إذ تدمج ذاكرة كرد الأناضول في الأدب، وتصور في الوقت ذاته النفسية الكردية في الشتات. ولكن، بالنظر إلى الأمر من منظورٍ أوسع، ما هو الأثر الذي تركته هويتك الكردية على مسيرتك الأدبية؟
لولا الثقافة واللغة الكرديتان اللتان نشأت في ظلهما، لما كنتُ الكاتب الذي أنا عليه اليوم. ما يحدد خيالي وإبداعي هو القرية التي نشأت فيها؛ قرية كانت تفتقر إلى الكهرباء. ومن خلال قصص تلك القرية، وصلتُ إلى ما أنا عليه اليوم. لقد وجهتُ نظري نحو العالم؛ أسعى لاستيعاب ثقافة هذا الكون بأسره ودمج العالم في أحلام طفولتي. وربما يرتبط هذا بالسؤال السابق: ما الذي يميّز الكتّاب الكرد الذين يكتبون باللغة التركية ضمن سياق الأدب التركي؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن الحديث هنا عن خصوصية "صغرى" (أو فرعية)؟ على سبيل المثال، رغم أن سليم بركات كاتبٌ كبير في اللغة العربية، إلا أنه لا يضع نفسه -عن قصد- كجزءٍ عضوي من تلك اللغة أو من متنها الأدبي؛ فكما يشير مترجمه السويدي، ما يكتبه ليس "أدباً عربياً" بالمعنى التقليدي، بل هي كتبٌ غريبة وفريدة تشكّلت -مصادفةً- باللغة العربية.
- كيف يمكن فهم العلاقة بين الكتّاب الكرد والأدب التركي -سواء في حالتك الخاصة أو بشكل أوسع فيما يتعلق بالكتّاب المنتمين لهذه المجموعة- مع الإقرار بوجود فروق جوهرية بين الأفراد داخل هذه المجموعة نفسها؟
كما يقول المثل: "لغة واحدة تعني شخصاً واحداً، ولغتان تعنيان شخصين". فعندما نكتب بلغةٍ ما، فإننا في الواقع نكتب من خلال أحاسيس ومخيلات شخصين (أو ربما أكثر) يعيشان بداخلنا. هل يستخدم الكتّاب الهنود الذين يكتبون بالإنكليزية، والكتّاب الإنجليز من لندن، اللغة ذاتها حقاً؟ تكمن القضية الجوهرية هنا في مفهوم "الثنائية الأفلاطونية" التي تقسم كل شيء إلى جزأين: (أ) و(ب). يميل العقل البشري إلى البساطة، مما يسهّل تصنيف الأشياء في ثنائيات؛ لكن في الحياة، لا يمكن تقسيم أي شيء بشكلٍ قطعي إلى أسود وأبيض، إذ توجد بينهما درجاتٌ وتفاصيل لا حصر لها. والفن، على وجه الخصوص، يمثل لغةً للتعقيد والحوار. وكما أنه لا توجد لغة "نقية" أو "خالصة"، فإنه لا يوجد أيضاً فنٌ "نقي" أو "خالص". وبعبارة أخرى، فإن أولئك الذين يكتبون بلغةٍ قوميةٍ ما لا يشكّلون كتلةً متجانسةً واحدة. إنهم يحملون ثقافاتٍ ونفسياتٍ وعقلياتٍ متباينة، ومن الطبيعي أن تختلف اللغة التي يستخدمونها من شخصٍ لآخر.
-لديك الآن تجربة في كتابة الروايات باللغتين التركية والكردية. من حيث اللغة والجماليات، ما هي الإمكانات والتحديات التي تفرضها اللغة الكردية، وكيف تجلت هذه الأمور بالنسبة لك؟
أستخدم ثلاث لغات: التركية والإنكليزية والكردية. كل لغة هي عالم قائم بذاته؛ فلكل منها جمالها وتحدياتها وإمكاناتها الفريدة. إن القائلين بأن "الترجمة إلى لغة أخرى أمر مستحيل" محقون؛ لأن كل لغة تشكّل مادة جديدة. وبهذا المعنى، يختلف العالم الكردي عن عوالم اللغات الأخرى. وما يثير دهشتي أكثر هو أن اللغة الكردية تضم لهجات متعددة، بالإضافة إلى الكثير من اللهجات الفرعية المرتبطة بمناطق جغرافية معينة. فكل شيء - بدءاً من اختيار الكلمات وصولاً إلى بنية الجملة - يختلف بشكل جوهري باختلاف المنطقة، وهو ما يمثل تحدياً مستمراً بالنسبة لي. فعلى سبيل المثال، في منطقتي الأم، اندثرت اللواحق التي تميز بين المذكر والمؤنث في نهايات الكلمات؛ لذا، كلما قرأت نصاً كردياً، أجد نفسي مضطراً لإعادة تعلم هذه الجوانب. ربما سأكتب يوماً ما روايةً بلسان منطقتي؛ منطقة "هايمانا".
-يصف بعض الباحثين والنقاد (مثل كليمانس سكالبيرت-يوسيل) الرواية الكردية الحديثة بأنها أدبٌ متجذر في الشهادة والتوثيق. ونتيجةً طبيعية لذلك، تحتل وقائع المجتمع والتاريخ الكردي - من حيث الموضوعات والقضايا المطروحة - مكانةً مركزية للغاية. ومع ذلك، فإن روايتك المكتوبة بالكردية، *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.)، هي - ويا للمفارقة - الرواية التي يظهر فيها موضوع "الهوية الكردية" بأقل قدر ممكن. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟ وما القيمة التي يضيفها هذا التنوع الموضوعي إلى الأدب الكردي؟
كما تعلم، نشأ هذا النقاش انطلاقاً من أطروحة فريدريك جيمسون الشهيرة، التي يرى فيها أن "أدب دول العالم الثالث يعمل بمثابة استعارة وطنية". وهذا الطرح صحيح إلى حد ما بالنسبة لأي أمة، لكنه في الوقت ذاته تعميمٌ مجحف. أما في حالة الكُرْد، فإن هذا الادعاء يحمل قدراً كبيراً من الحقيقة؛ فمن يحمل جرحاً في داخله، يرى العالم حتماً من خلال عدسة ذلك الجرح. يُشكّل ألمُ هذا الجرحِ تاريخَنا ووعيَنا الحيّ على حدّ سواء. في هذه الرواية، أردتُ القيام بشيء مختلف؛ ففي رواياتي التي كتبتها باللغة التركية، تناولتُ باستمرارٍ مأساةَ الكرد، لكن عندما كتبتُ بالكردية للمرة الأولى، أردتُ من القراء من شعوبٍ أخرى أن ينظروا إلى لغتِنا، لا إلى جروحِنا. نحن لسنا مجرد أفرادٍ جرحى؛ بل نحن أيضاً مبدعون، قادرون على تقديم أشياء أخرى للعالم.
-بالنظر إلى شعبيتها وانتشارها الواسع، لا يمكن تجاهل مفهوم "الأدب العالمي". ماذا يعني هذا المفهوم بالنسبة لك، وما هي الآفاق التي يفتحها أمام اللغات الهامشية -أو، بتعبير أحمد خاني، اللغات القادمة من "الأطراف النائية" (*kuh-î kenarî*)- مثل اللغة الكردية؟
من وجهة نظري، يقوم الأدب العالمي على ركيزتين: الانفتاح على الأدب المكتوب بلغاتٍ أخرى، ووجودُ جمهورٍ قارئٍ قادرٍ على التفاعل مع آداب الثقافات المتنوعة. وفي الوقت الراهن، يجري تعزيز كلا الجانبين على مستوى العالم؛ إذ تشهد حركة الترجمة نشاطاً حيوياً، كما أصبح وعي القراء أكثر عالميةً وانفتاحاً. ومما يبعث على السرور أن اللغة الكردية -بما تحمله من طابعٍ فريدٍ وسماتٍ خاصة- حاضرةٌ ضمن هذا النطاق. وفي عالمٍ تُتحدث فيه آلاف اللغات وتُنتج الآداب بمئاتٍ منها، لا يمكن الادعاء بأن جميع اللغات تحظى بفرصٍ متساوية. ومع ذلك، فإننا نطمح إلى المشاركة في فضاء الأدب العالمي هذا، والإسهام فيه من خلال اللغة الكردية.
-ختاماً، وبصفتك رئيساً لمنظمة "القلم الدولية" (PEN International)، فأنت في قلب النقاشات والقضايا المتعلقة بالتأليف والأدب. بعيداً عن نطاق الأدب والكتابة، كيف يُنظر إلى الفضاء الكردي، وما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها ليصبح جزءاً أكثر تأثيراً في العالم الأدبي الأوسع؟
يمكنني القول بكل ثقة إن اسم الكرد ووجودهم معروفون في جميع أنحاء العالم. ولعلّ مردّ ذلك إلى الاضطهاد والطغيان الذي تعرض له الوطن الكردي، وإلى النضال الذي خيض ضد هذا الواقع. ومع ذلك، لا يمكن القول إن أدبنا وثقافتنا يحظيان بنفس القدر من الاعتراف الذي تحظى به قضيتنا السياسية. ومع ذلك، فقد أنتج العديد من شعرائنا وكُتّابنا -وما زالوا ينتجون- أعمالاً متميزة. لذا، ينبغي لنا التركيز على ترجمة هذه الأعمال ونشرها بلغات أخرى. كما تبرز الحاجة إلى المزيد من الوكالات الأدبية ومبادرات البحث الأكاديمي المكرسة لتمثيل الأدب الكردي. نحن نسعى لتحقيق ذلك، لكن الأمر يتطلب جهداً جماعياً أكبر؛ إذ يتحتم علينا توسيع نطاق تعبيرنا الفني من خلال كتبٍ قيّمة وأبحاثٍ معمّقة. وإذا ما نجح جيلنا في ترك إرثٍ إيجابي لمن سيأتون من بعدنا، فسيكون ذلك إنجازاً مهماً للغاية.
أرغين أوبنغين
أكاديمي، جامعة كامبريدج
Hevpeyvînligel Burhan Sönmez
ملاحظة من المترجم، باعتباري من المهتمين بأدب كافكا قراءة وكتابة وترجمة ،يسرني أن أقدّم قراءة موجزة لأحد الكتاب، وبالكردية، وهو باور روكَني BawerRûkenî " باور الضحوك، بالكردية" ، وتحت عنوان " Evîndarên Franz K. angovegeraKurdekî li wêje/Kurdbûnaxwe " أي" «عشاق فرانز ك.»، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته " عن عن رواية " عشاق فراز ك "، وما في لغة الكاتب المعلّق من حدية، تجاه الآخر من غير لغته، أي وجوب الكتابة باللغة الأم ولا مسوّغ لأي تبرير، وهي بمثابة ظاهرة قائمة لدى نسبة معلومة من الكتاب الكرد الذين يعتبرون الكاتب باللغة الكردية، وحده المعترَف به كاتباً كردياً، وعسف هذا الموقف في عمومه :
"عشاق فرانز ك."، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته
يكتب باور روكيني عن رواية «عشاق فرانز ك.» (*Evîndarên Franz K.*) -وهي عمل للكاتب برهان سونمز، رئيس منظمة «القلم» الدولية (PEN International)- والتي تُعد أول أعمال سونمز باللغة الكردية، وقد صدرت عن دار «ليس» (Lîs) للنشر.
«عشاق فرانز ك.»، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته
بعد تأليف خمس روايات باللغة التركية، كتب الروائي ورئيس منظمة «القلم» الدولية، برهان سونمز، أحدث رواياته «عشاق فرانز ك.» بلغته الأم: الكردية (اللهجة الكرمانجية). في بلدان أخرى، وضمن سياقات جغرافية مختلفة وفي إطار تقاليد أدبية مغايرة، يُنظر عادةً إلى الكتابة بلغتين -من قِبل القراء وعشاق الأدب- على أنها ظاهرة إيجابية وطبيعية ومرحب بها. أما في سياق الأدب الكردي (باللهجة الكرمانجية) -بالنظر إلى الظروف الخاصة للكتابة بهذه اللغة، والتصورات والمفاهيم السائدة حولها- فإن هذا الإنجاز يحمل دلالة كبيرة بالنسبة لسونمز؛ كما يطرح في الوقت ذاته قضايا مهمة تستحق مزيداً من النقاش.
1
أود أن أذكر في البداية ما كنت سأقوله في الختام: لا وجود للأدب الكردي إلا باللغة الكردية؛ فأي مبرر أو سبب أو ذريعة أخرى ليست سوى أقاويل فارغة، أو ثرثرة تزيينية في صالونات المستعمِرين. علاوة على ذلك، فأنا لا أعتبر الكتابة بلغة القوة المهيمنة -أي لغة المحتلين أو أولئك الذين يسلبون لغتي- «خياراً» حقيقياً. فما هو «الخيار» إذن؟ وفقاً لسبينوزا، تنبع كل الأحداث من منطق أساسي، وهو منطق «السبب والنتيجة». وبعبارة أخرى، فإن «الخيار» -أو فعل الاختيار- ينشأ في نهاية المطاف من علاقة قائمة على السبب والنتيجة. حتى لو استبدلتَ "السببَ" بـ "خيارٍ"، وحاولتَ قلبَ النتيجة المترتبة عليه، تظلُّ هناك -في أعمق مستوياتها- حقيقةٌ راسخةٌ وأصيلةٌ تقوم على مبدأ "السبب والنتيجة"، وهي حقيقةٌ لا تتغير طبيعتُها أبداً.
وعليه، فإنَّ الأمر بالنسبة للكُتّاب الكرد الذين يتجهون بحماسٍ نحو الكتابة باللغة التركية -محاولين تبرئة أنفسهم من وطأة هذا الاضطهاد عبر التذرع بـ "الاختيار"- ليس بتلك البساطة، للأسف. فمن المؤكد أن الكاتب الكردي يدرك تماماً فعلَ الكتابة باللغة الكردية؛ أي أنه يعي جيداً "لماذا" يكتب، وما هي الأسبابُ المحددة التي تدفعه لذلك. يكتب الكرديُّ بالكردية لأن لغتَه محظورة، ولأن مجتمعَه مضطهد، ولأن وجود الهوية الكردية ذاته بات مهدداً بالخطر؛ ولأن اللغة -والدفاع عنها- تُعدُّ الشكلَ الأكثر قوةً وجوهريةً وأصالةً في النضال. إذن، لماذا -ولأي أسبابٍ- قد يكتب الكرديُّ باللغة التركية؟
2
ملخص الرواية: يواجه "فريدي كابلان" -وهو ابنٌ لأبٍ تركي وأمٍ ألمانية- محاكمةً بتهمة قتل طالبٍ شابٍ وإصابة "ماكس برود"، الصديق المقرب لـ "فرانز كافكا". في ليلة وقوع الهجوم، نفذ رجلٌ وامرأةٌ هذا الفعل؛ وفي ظل الظلام، تمكنت المرأة -ذات الشعر القصير- من الفرار والاختفاء. ألقت الشرطة القبض على "فريدي كابلان" بالقرب من مسرح الجريمة، حيث كان يختبئ خلف جذع شجرة، واعتبرته المشتبه به. وطوال أحداث الرواية، تظل الشكوكُ تحوم حول "فريدي كابلان" فيما يتعلق بمقتل الطالب "إرنست فيشر".
تتكشف أحداث الرواية من خلال حواراتٍ تدور بين "فريدي"، ومفوض التحقيق "مولر"، والقاضي، والمدعي العام؛ وهي تقنيةٌ سرديةٌ تبدو كإشارةٍ بارعةٍ إلى أعمال الكاتب "ماكس فريش" (ولا سيما روايته "اللحية الزرقاء"). وإلى جانب الحوار، تدور أحداث الرواية في أماكن متنوعة -مثل ستانبول وبرلين وباريس- يدمجها المؤلف ببراعةٍ داخل تلك الحوارات. ومن خلال هذه الأجزاء المتداخلة مع الحوار، نتعرف أيضاً على طبيعة العلاقة التي تجمع "فريدي" بحبيبته "أماليا". يرسم المؤلف صورة شاملة لحياة الشخصيات وعائلاتها. فماضي "فريدي" في إسطنبول -الذي قضاه برفقة جده- يمنح القارئ لمحاتٍ عن إسطنبول مألوفة، مدينةٍ طبعتها الاضطرابات السياسية والحراك الطلابي.
وبالمثل، يكشف ماضي "أماليا" مع زوج أمها، الدكتور "هيغو"، عن القمع الوحشي والقسوة التي تعرضت لها عائلة هوغو على يد النازيين. وتكرس مجلة "ستيلو نوار" (Stylo Noir) -وما يحيط بها من دائرة تضم أدباء وواقعيين- جهودها للحفاظ على رغبات وإرث كُتّابٍ بارزين رحلوا عن عالمنا؛ وهو عنصرٌ محوري في الرواية. وعلى الرغم من قصر الرواية -التي تأخذ القارئ في رحلة بوليسية مشوقة ومكثفة وذات أجواءٍ تذكرنا بأعمال إدغار آلان بو- إلا أنها تحافظ على زخم الإثارة والفضول من بدايتها حتى نهايتها. ويتحقق ذلك بفضل بنيتها السردية المعقدة، وتوسيع الإطار الموضوعي الذي أراد المؤلف استكشافه، وحبكتها المتماسكة والمحبوكة ببراعة.
3
ثمة أسئلة ونقاط مهمة ينبغي التطرق إليها:
• ربما يكمن الجانب الأهم في هذه الرواية في دعوة المؤلف للقارئ إلى التأمل بجدية وصدق في هذا السؤال: ما الفرق بين فرانز كافكا الكاتب، وفرانز كافكا الإنسان؟ ففي لحظاته الأخيرة، طلب كافكا -الذي كان أقرب أصدقاء ماكس برود- من صديقه أن يحرق جميع أعماله. لكن برود، بدلاً من تنفيذ رغبة كافكا الأخيرة، فعل العكس تماماً؛ إذ أتاح تلك الأعمال للجمهور. وهذا يقودنا إلى سؤال ثانٍ: هل يُعدُّ تصرف برود هذا، بمعنى ما، خيانةً لأقرب أصدقائه؟ لا شك أن العالم الأدبي، بفضل برود، تعرّف على مهندس الأجواء "الكافكاوية"، وأُعيدت قراءة نصوصٍ متجذرة في العقل الباطن وعالم الأحلام؛ بل إن كافكا نفسه نال الخلود بفضل برود. ومع ذلك، فعلى المستوى الإنساني، تعرّض كافكا للخيانة من قِبل برود.
• إلى أي مدى يمكن لنوايا المؤلف أن تحول دون مصيرٍ معينٍ لنصه؟ وإلى أي درجة يمكن للمؤلف أن ينفصل عن عمله؛ أي إلى أي مدى يمكن للشخص الذي نعرفه بوصفه مؤلفاً لنصٍ ما أن يحافظ على مسافةٍ تفصله عن العمل الذي بين يديه؟ يجد ماكس برود نفسه تحت طائلة الهجوم، وهو في جوهر الأمر يتلقى رسالةً عبر مجلة "ستيلو نوار" (Stylo Noir). فربما قدّم برود نصوصاً خاصة به على أنها لكافكا، أو العكس؛ قدّم نصوصاً لكافكا على أنها من تأليفه هو. باختصار، نحن هنا أمام فعل خداعٍ ينتهك الأخلاقيات الأدبية.
• الشيطان والله. الخير والشر. الله والشيطان. الشر والخير. يفتح نص سونمز الباب أمام هذا التساؤل من زاوية أخرى أيضاً؛ إذ تسمح الظروف المتغيرة بأن يتحول من يمثل "الشيطان" إلى "إله"، ومن يمثل "الإله" إلى "شيطان". وتُستكشف حالات "الشيطان" و"الإله" -بأسلوبٍ يثير التساؤل والتفكير- من خلال بطل الرواية، فريدي.
• نصوصٌ داخل نص. يمكن اعتبار الإشارات إلى أعمال أخرى —والتي قد توجّه القارئ أحيانًا نحو تلك النصوص ذاتها— ضربًا من التناص. وفي رأيي، يمثل هذا النهج الموسّع الذي يتبعه المؤلف لفتةً تقديريةً لتلك الأعمال المكتوبة سابقًا؛ إذ يصبح النص الذي نقرؤه حاليًا، في نهاية المطاف، جزءًا مكوّنًا من وجود تلك النصوص الأقدم.
========
"في رواياتي المكتوبة باللغة التركية، تطرقتُ كثيراً إلى معاناة الكرد؛ سوى أنني عندما كتبتُ بالكردية لأول مرة، أردتُ من القراء في بلدان أخرى أن ينظروا إلى لغتنا، لا إلى جروحنا فحسب. فنحن لسنا مجرد شعبٍ جريح، بل نحن أيضاً مبدعون، ولدينا ما نقدمه للعالم".
حاوره: أرغين أوبنغين
لوموند دِبلوماتيك " الكردية "
عاد الكاتب الكردي برهان سونمز -المنحدر من منطقة "هايمانا" في وسط الأناضول- إلى لغته الأم من خلال روايته الجديدة *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.)، وذلك بعد خمس روايات سابقة حظيت بتقديرٍ واسع في الأدب التركي. وفي حوارٍ مع أرغين أوبنغين، يتحدث سونمز -الذي يشغل أيضاً منصب رئيس منظمة "القلم" الدولية (PEN International)- عن الدوافع والأهداف الكامنة وراء هذا القرار، وعن الجوانب الموضوعية في روايته، وعن واقع اللغة والأدب الكرديين وآفاقهما ضمن سياق الأدب العالمي.
برهان سونمز
-بعد أن رسّختَ لنفسك مكانةً أدبيةً متميزة في الأدب التركي -من خلال خمس روايات لم تكتفِ بتحقيق شعبية واسعة بين القراء الناطقين بالتركية فحسب، بل تُرجمت أيضاً إلى قرابة أربعين لغة حول العالم- قررتَ البدء في كتابة رواياتك باللغة الكردية، لتصدر أولاها بعنوان *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.). ربما يطرح عليك الكثيرون سؤالاً بديهياً: «لماذا اتخذتَ هذا القرار؟». لكنني، بدلاً من ذلك، أود أن أسأل: لماذا لم تكتب بالكردية في وقتٍ أبكر، أو ربما منذ البداية؟
ممتن لك أنا على هذا السؤال. ففي العام المنصرم، حين ذكرتُ أنني أعمل على مشروعٍ كهذا، سألني كثيرون: «لماذا تكتب باللغة الكردية؟». كانوا يتساءلون، في جوهر الأمر، عن سبب توجه كاتبٍ تُرجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة نحو لغةٍ «صغيرة». لكنني كنت آمل أن أُسأل السؤال المعاكس: "لماذا لم تكتب باللغة الكردية حتى الآن؟". فمثلي مثل أي شخص آخر في تركيا، وُلدتُ ونشأتُ في فترةٍ كانت فيها اللغة الكردية مُنكرةً ومُغيّبة. وفي البيئة التي ترعرعتُ فيها، لم تكن هناك أي فرصة للقراءة أو الكتابة باللغة الكردية؛ فقد نشأنا جميعاً في ظل لغة رسمية واحدة فقط، وهي اللغة التركية. وحين اتجهتُ نحو الأدب، لم يكن أمامي خيارٌ سوى اللغة التركية. قرأتُ أول رواية كردية لي في سن الخامسة والثلاثين؛ كنتُ أعرف اللغة الكردية المحكية، لكنني لم أكن على دراية بقواعدها المكتوبة. سألتُ نفسي: "ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أكتفي بالتحدث بلغتي الأم فحسب، أم أعمل على تطوير معرفتي بقواعدها وأنتج أدباً بلغتي الخاصة؟". وبطبيعة الحال، اخترتُ المسار الثاني؛ درستُ بجدٍ واجتهاد، وكرّستُ نفسي الآن للكتابة بلغتي. إن العمل الجاد يستحق العناء دائماً، وفي مجال الفن، لا يفوت الأوان أبداً.
-إلى أي مدى تُعد الرغبة والقصد في "تمثيل أدبٍ يفتقر إلى الحضور الكافي" الدافعَ وراء هذا القرار؟
بالتأكيد، هذه رغبتي أيضاً. لقد نُشرت كتبي في جميع أنحاء العالم، وأقضي معظم وقتي في محافل دولية. وفي تلك الأوساط، يدور نقاشٌ واسع حول القضية الكردية؛ لكنني أريد للغة الكردية -لا بوصفها ظلاً للسياسة، بل كعنصر إبداعي فني- أن تكون حاضرة ومرئية. لقد تُرجمت ونُشرت أعمالٌ كثيرة لكُتّابٍ كرد آخرين بلغاتٍ مختلفة، وأنا أرغب في الإسهام في هذه المسيرة.
-لقد اتجهتَ نحو اللغة الكردية مدفوعاً بهذه الأسباب والآمال. ومع ذلك، يكتب الكثير من الكرد باللغة التركية أو بلغاتٍ أخرى مهيمنة. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟ ولماذا تكمن أهمية أن يمارس الكرد التعبير الإبداعي بلغتهم الأم؟
ليس ثمة مشكلة في أن يكتب الأدباء بلغاتٍ أخرى؛ فمن حقهم الكتابة باللغة التي يشعرون فيها بالراحة، لأن اللغة في سياق الأدب ليست مجرد لغة "قومية"، بل هي لغة "أدبية". لكن هذا جانبٌ واحد فقط من المسألة؛ فهناك جانبٌ آخر. علينا أن ندعم الأجيال الشابة التي تكتب بالكردية، وأن نأخذ بأيديهم ونمهد لهم الطريق. هناك الكثيرون ممن بدأوا الكتابة باللغة الكردية، وهي فرصةٌ لم تتح لنا في شبابنا. لقد اتجهتُ نحو اللغة الكردية بدءاً من روايتي السادسة؛ رغبةً مني في السير جنباً إلى جنب مع الكُتّاب الشباب، واستكشاف القضايا الأدبية والعالمية معهم، والمساهمة -ولو بقطرةٍ واحدة- في مستقبل اللغة الكردية.
-تُعد روايتك الثانية، *HespênReşBayênSorgevez* (خيولٌ سوداء، رياحٌ بلون الكستناء)، نصاً مهماً؛ إذ تدمج ذاكرة كرد الأناضول في الأدب، وتصور في الوقت ذاته النفسية الكردية في الشتات. ولكن، بالنظر إلى الأمر من منظورٍ أوسع، ما هو الأثر الذي تركته هويتك الكردية على مسيرتك الأدبية؟
لولا الثقافة واللغة الكرديتان اللتان نشأت في ظلهما، لما كنتُ الكاتب الذي أنا عليه اليوم. ما يحدد خيالي وإبداعي هو القرية التي نشأت فيها؛ قرية كانت تفتقر إلى الكهرباء. ومن خلال قصص تلك القرية، وصلتُ إلى ما أنا عليه اليوم. لقد وجهتُ نظري نحو العالم؛ أسعى لاستيعاب ثقافة هذا الكون بأسره ودمج العالم في أحلام طفولتي. وربما يرتبط هذا بالسؤال السابق: ما الذي يميّز الكتّاب الكرد الذين يكتبون باللغة التركية ضمن سياق الأدب التركي؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن الحديث هنا عن خصوصية "صغرى" (أو فرعية)؟ على سبيل المثال، رغم أن سليم بركات كاتبٌ كبير في اللغة العربية، إلا أنه لا يضع نفسه -عن قصد- كجزءٍ عضوي من تلك اللغة أو من متنها الأدبي؛ فكما يشير مترجمه السويدي، ما يكتبه ليس "أدباً عربياً" بالمعنى التقليدي، بل هي كتبٌ غريبة وفريدة تشكّلت -مصادفةً- باللغة العربية.
- كيف يمكن فهم العلاقة بين الكتّاب الكرد والأدب التركي -سواء في حالتك الخاصة أو بشكل أوسع فيما يتعلق بالكتّاب المنتمين لهذه المجموعة- مع الإقرار بوجود فروق جوهرية بين الأفراد داخل هذه المجموعة نفسها؟
كما يقول المثل: "لغة واحدة تعني شخصاً واحداً، ولغتان تعنيان شخصين". فعندما نكتب بلغةٍ ما، فإننا في الواقع نكتب من خلال أحاسيس ومخيلات شخصين (أو ربما أكثر) يعيشان بداخلنا. هل يستخدم الكتّاب الهنود الذين يكتبون بالإنكليزية، والكتّاب الإنجليز من لندن، اللغة ذاتها حقاً؟ تكمن القضية الجوهرية هنا في مفهوم "الثنائية الأفلاطونية" التي تقسم كل شيء إلى جزأين: (أ) و(ب). يميل العقل البشري إلى البساطة، مما يسهّل تصنيف الأشياء في ثنائيات؛ لكن في الحياة، لا يمكن تقسيم أي شيء بشكلٍ قطعي إلى أسود وأبيض، إذ توجد بينهما درجاتٌ وتفاصيل لا حصر لها. والفن، على وجه الخصوص، يمثل لغةً للتعقيد والحوار. وكما أنه لا توجد لغة "نقية" أو "خالصة"، فإنه لا يوجد أيضاً فنٌ "نقي" أو "خالص". وبعبارة أخرى، فإن أولئك الذين يكتبون بلغةٍ قوميةٍ ما لا يشكّلون كتلةً متجانسةً واحدة. إنهم يحملون ثقافاتٍ ونفسياتٍ وعقلياتٍ متباينة، ومن الطبيعي أن تختلف اللغة التي يستخدمونها من شخصٍ لآخر.
-لديك الآن تجربة في كتابة الروايات باللغتين التركية والكردية. من حيث اللغة والجماليات، ما هي الإمكانات والتحديات التي تفرضها اللغة الكردية، وكيف تجلت هذه الأمور بالنسبة لك؟
أستخدم ثلاث لغات: التركية والإنكليزية والكردية. كل لغة هي عالم قائم بذاته؛ فلكل منها جمالها وتحدياتها وإمكاناتها الفريدة. إن القائلين بأن "الترجمة إلى لغة أخرى أمر مستحيل" محقون؛ لأن كل لغة تشكّل مادة جديدة. وبهذا المعنى، يختلف العالم الكردي عن عوالم اللغات الأخرى. وما يثير دهشتي أكثر هو أن اللغة الكردية تضم لهجات متعددة، بالإضافة إلى الكثير من اللهجات الفرعية المرتبطة بمناطق جغرافية معينة. فكل شيء - بدءاً من اختيار الكلمات وصولاً إلى بنية الجملة - يختلف بشكل جوهري باختلاف المنطقة، وهو ما يمثل تحدياً مستمراً بالنسبة لي. فعلى سبيل المثال، في منطقتي الأم، اندثرت اللواحق التي تميز بين المذكر والمؤنث في نهايات الكلمات؛ لذا، كلما قرأت نصاً كردياً، أجد نفسي مضطراً لإعادة تعلم هذه الجوانب. ربما سأكتب يوماً ما روايةً بلسان منطقتي؛ منطقة "هايمانا".
-يصف بعض الباحثين والنقاد (مثل كليمانس سكالبيرت-يوسيل) الرواية الكردية الحديثة بأنها أدبٌ متجذر في الشهادة والتوثيق. ونتيجةً طبيعية لذلك، تحتل وقائع المجتمع والتاريخ الكردي - من حيث الموضوعات والقضايا المطروحة - مكانةً مركزية للغاية. ومع ذلك، فإن روايتك المكتوبة بالكردية، *Evîndarên Franz K.* (عشاق فرانز ك.)، هي - ويا للمفارقة - الرواية التي يظهر فيها موضوع "الهوية الكردية" بأقل قدر ممكن. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟ وما القيمة التي يضيفها هذا التنوع الموضوعي إلى الأدب الكردي؟
كما تعلم، نشأ هذا النقاش انطلاقاً من أطروحة فريدريك جيمسون الشهيرة، التي يرى فيها أن "أدب دول العالم الثالث يعمل بمثابة استعارة وطنية". وهذا الطرح صحيح إلى حد ما بالنسبة لأي أمة، لكنه في الوقت ذاته تعميمٌ مجحف. أما في حالة الكُرْد، فإن هذا الادعاء يحمل قدراً كبيراً من الحقيقة؛ فمن يحمل جرحاً في داخله، يرى العالم حتماً من خلال عدسة ذلك الجرح. يُشكّل ألمُ هذا الجرحِ تاريخَنا ووعيَنا الحيّ على حدّ سواء. في هذه الرواية، أردتُ القيام بشيء مختلف؛ ففي رواياتي التي كتبتها باللغة التركية، تناولتُ باستمرارٍ مأساةَ الكرد، لكن عندما كتبتُ بالكردية للمرة الأولى، أردتُ من القراء من شعوبٍ أخرى أن ينظروا إلى لغتِنا، لا إلى جروحِنا. نحن لسنا مجرد أفرادٍ جرحى؛ بل نحن أيضاً مبدعون، قادرون على تقديم أشياء أخرى للعالم.
-بالنظر إلى شعبيتها وانتشارها الواسع، لا يمكن تجاهل مفهوم "الأدب العالمي". ماذا يعني هذا المفهوم بالنسبة لك، وما هي الآفاق التي يفتحها أمام اللغات الهامشية -أو، بتعبير أحمد خاني، اللغات القادمة من "الأطراف النائية" (*kuh-î kenarî*)- مثل اللغة الكردية؟
من وجهة نظري، يقوم الأدب العالمي على ركيزتين: الانفتاح على الأدب المكتوب بلغاتٍ أخرى، ووجودُ جمهورٍ قارئٍ قادرٍ على التفاعل مع آداب الثقافات المتنوعة. وفي الوقت الراهن، يجري تعزيز كلا الجانبين على مستوى العالم؛ إذ تشهد حركة الترجمة نشاطاً حيوياً، كما أصبح وعي القراء أكثر عالميةً وانفتاحاً. ومما يبعث على السرور أن اللغة الكردية -بما تحمله من طابعٍ فريدٍ وسماتٍ خاصة- حاضرةٌ ضمن هذا النطاق. وفي عالمٍ تُتحدث فيه آلاف اللغات وتُنتج الآداب بمئاتٍ منها، لا يمكن الادعاء بأن جميع اللغات تحظى بفرصٍ متساوية. ومع ذلك، فإننا نطمح إلى المشاركة في فضاء الأدب العالمي هذا، والإسهام فيه من خلال اللغة الكردية.
-ختاماً، وبصفتك رئيساً لمنظمة "القلم الدولية" (PEN International)، فأنت في قلب النقاشات والقضايا المتعلقة بالتأليف والأدب. بعيداً عن نطاق الأدب والكتابة، كيف يُنظر إلى الفضاء الكردي، وما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها ليصبح جزءاً أكثر تأثيراً في العالم الأدبي الأوسع؟
يمكنني القول بكل ثقة إن اسم الكرد ووجودهم معروفون في جميع أنحاء العالم. ولعلّ مردّ ذلك إلى الاضطهاد والطغيان الذي تعرض له الوطن الكردي، وإلى النضال الذي خيض ضد هذا الواقع. ومع ذلك، لا يمكن القول إن أدبنا وثقافتنا يحظيان بنفس القدر من الاعتراف الذي تحظى به قضيتنا السياسية. ومع ذلك، فقد أنتج العديد من شعرائنا وكُتّابنا -وما زالوا ينتجون- أعمالاً متميزة. لذا، ينبغي لنا التركيز على ترجمة هذه الأعمال ونشرها بلغات أخرى. كما تبرز الحاجة إلى المزيد من الوكالات الأدبية ومبادرات البحث الأكاديمي المكرسة لتمثيل الأدب الكردي. نحن نسعى لتحقيق ذلك، لكن الأمر يتطلب جهداً جماعياً أكبر؛ إذ يتحتم علينا توسيع نطاق تعبيرنا الفني من خلال كتبٍ قيّمة وأبحاثٍ معمّقة. وإذا ما نجح جيلنا في ترك إرثٍ إيجابي لمن سيأتون من بعدنا، فسيكون ذلك إنجازاً مهماً للغاية.
أرغين أوبنغين
أكاديمي، جامعة كامبريدج
Hevpeyvînligel Burhan Sönmez
ملاحظة من المترجم، باعتباري من المهتمين بأدب كافكا قراءة وكتابة وترجمة ،يسرني أن أقدّم قراءة موجزة لأحد الكتاب، وبالكردية، وهو باور روكَني BawerRûkenî " باور الضحوك، بالكردية" ، وتحت عنوان " Evîndarên Franz K. angovegeraKurdekî li wêje/Kurdbûnaxwe " أي" «عشاق فرانز ك.»، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته " عن عن رواية " عشاق فراز ك "، وما في لغة الكاتب المعلّق من حدية، تجاه الآخر من غير لغته، أي وجوب الكتابة باللغة الأم ولا مسوّغ لأي تبرير، وهي بمثابة ظاهرة قائمة لدى نسبة معلومة من الكتاب الكرد الذين يعتبرون الكاتب باللغة الكردية، وحده المعترَف به كاتباً كردياً، وعسف هذا الموقف في عمومه :
"عشاق فرانز ك."، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته
يكتب باور روكيني عن رواية «عشاق فرانز ك.» (*Evîndarên Franz K.*) -وهي عمل للكاتب برهان سونمز، رئيس منظمة «القلم» الدولية (PEN International)- والتي تُعد أول أعمال سونمز باللغة الكردية، وقد صدرت عن دار «ليس» (Lîs) للنشر.
«عشاق فرانز ك.»، أو عودة كردي إلى أدبه/كرديته
بعد تأليف خمس روايات باللغة التركية، كتب الروائي ورئيس منظمة «القلم» الدولية، برهان سونمز، أحدث رواياته «عشاق فرانز ك.» بلغته الأم: الكردية (اللهجة الكرمانجية). في بلدان أخرى، وضمن سياقات جغرافية مختلفة وفي إطار تقاليد أدبية مغايرة، يُنظر عادةً إلى الكتابة بلغتين -من قِبل القراء وعشاق الأدب- على أنها ظاهرة إيجابية وطبيعية ومرحب بها. أما في سياق الأدب الكردي (باللهجة الكرمانجية) -بالنظر إلى الظروف الخاصة للكتابة بهذه اللغة، والتصورات والمفاهيم السائدة حولها- فإن هذا الإنجاز يحمل دلالة كبيرة بالنسبة لسونمز؛ كما يطرح في الوقت ذاته قضايا مهمة تستحق مزيداً من النقاش.
1
أود أن أذكر في البداية ما كنت سأقوله في الختام: لا وجود للأدب الكردي إلا باللغة الكردية؛ فأي مبرر أو سبب أو ذريعة أخرى ليست سوى أقاويل فارغة، أو ثرثرة تزيينية في صالونات المستعمِرين. علاوة على ذلك، فأنا لا أعتبر الكتابة بلغة القوة المهيمنة -أي لغة المحتلين أو أولئك الذين يسلبون لغتي- «خياراً» حقيقياً. فما هو «الخيار» إذن؟ وفقاً لسبينوزا، تنبع كل الأحداث من منطق أساسي، وهو منطق «السبب والنتيجة». وبعبارة أخرى، فإن «الخيار» -أو فعل الاختيار- ينشأ في نهاية المطاف من علاقة قائمة على السبب والنتيجة. حتى لو استبدلتَ "السببَ" بـ "خيارٍ"، وحاولتَ قلبَ النتيجة المترتبة عليه، تظلُّ هناك -في أعمق مستوياتها- حقيقةٌ راسخةٌ وأصيلةٌ تقوم على مبدأ "السبب والنتيجة"، وهي حقيقةٌ لا تتغير طبيعتُها أبداً.
وعليه، فإنَّ الأمر بالنسبة للكُتّاب الكرد الذين يتجهون بحماسٍ نحو الكتابة باللغة التركية -محاولين تبرئة أنفسهم من وطأة هذا الاضطهاد عبر التذرع بـ "الاختيار"- ليس بتلك البساطة، للأسف. فمن المؤكد أن الكاتب الكردي يدرك تماماً فعلَ الكتابة باللغة الكردية؛ أي أنه يعي جيداً "لماذا" يكتب، وما هي الأسبابُ المحددة التي تدفعه لذلك. يكتب الكرديُّ بالكردية لأن لغتَه محظورة، ولأن مجتمعَه مضطهد، ولأن وجود الهوية الكردية ذاته بات مهدداً بالخطر؛ ولأن اللغة -والدفاع عنها- تُعدُّ الشكلَ الأكثر قوةً وجوهريةً وأصالةً في النضال. إذن، لماذا -ولأي أسبابٍ- قد يكتب الكرديُّ باللغة التركية؟
2
ملخص الرواية: يواجه "فريدي كابلان" -وهو ابنٌ لأبٍ تركي وأمٍ ألمانية- محاكمةً بتهمة قتل طالبٍ شابٍ وإصابة "ماكس برود"، الصديق المقرب لـ "فرانز كافكا". في ليلة وقوع الهجوم، نفذ رجلٌ وامرأةٌ هذا الفعل؛ وفي ظل الظلام، تمكنت المرأة -ذات الشعر القصير- من الفرار والاختفاء. ألقت الشرطة القبض على "فريدي كابلان" بالقرب من مسرح الجريمة، حيث كان يختبئ خلف جذع شجرة، واعتبرته المشتبه به. وطوال أحداث الرواية، تظل الشكوكُ تحوم حول "فريدي كابلان" فيما يتعلق بمقتل الطالب "إرنست فيشر".
تتكشف أحداث الرواية من خلال حواراتٍ تدور بين "فريدي"، ومفوض التحقيق "مولر"، والقاضي، والمدعي العام؛ وهي تقنيةٌ سرديةٌ تبدو كإشارةٍ بارعةٍ إلى أعمال الكاتب "ماكس فريش" (ولا سيما روايته "اللحية الزرقاء"). وإلى جانب الحوار، تدور أحداث الرواية في أماكن متنوعة -مثل ستانبول وبرلين وباريس- يدمجها المؤلف ببراعةٍ داخل تلك الحوارات. ومن خلال هذه الأجزاء المتداخلة مع الحوار، نتعرف أيضاً على طبيعة العلاقة التي تجمع "فريدي" بحبيبته "أماليا". يرسم المؤلف صورة شاملة لحياة الشخصيات وعائلاتها. فماضي "فريدي" في إسطنبول -الذي قضاه برفقة جده- يمنح القارئ لمحاتٍ عن إسطنبول مألوفة، مدينةٍ طبعتها الاضطرابات السياسية والحراك الطلابي.
وبالمثل، يكشف ماضي "أماليا" مع زوج أمها، الدكتور "هيغو"، عن القمع الوحشي والقسوة التي تعرضت لها عائلة هوغو على يد النازيين. وتكرس مجلة "ستيلو نوار" (Stylo Noir) -وما يحيط بها من دائرة تضم أدباء وواقعيين- جهودها للحفاظ على رغبات وإرث كُتّابٍ بارزين رحلوا عن عالمنا؛ وهو عنصرٌ محوري في الرواية. وعلى الرغم من قصر الرواية -التي تأخذ القارئ في رحلة بوليسية مشوقة ومكثفة وذات أجواءٍ تذكرنا بأعمال إدغار آلان بو- إلا أنها تحافظ على زخم الإثارة والفضول من بدايتها حتى نهايتها. ويتحقق ذلك بفضل بنيتها السردية المعقدة، وتوسيع الإطار الموضوعي الذي أراد المؤلف استكشافه، وحبكتها المتماسكة والمحبوكة ببراعة.
3
ثمة أسئلة ونقاط مهمة ينبغي التطرق إليها:
• ربما يكمن الجانب الأهم في هذه الرواية في دعوة المؤلف للقارئ إلى التأمل بجدية وصدق في هذا السؤال: ما الفرق بين فرانز كافكا الكاتب، وفرانز كافكا الإنسان؟ ففي لحظاته الأخيرة، طلب كافكا -الذي كان أقرب أصدقاء ماكس برود- من صديقه أن يحرق جميع أعماله. لكن برود، بدلاً من تنفيذ رغبة كافكا الأخيرة، فعل العكس تماماً؛ إذ أتاح تلك الأعمال للجمهور. وهذا يقودنا إلى سؤال ثانٍ: هل يُعدُّ تصرف برود هذا، بمعنى ما، خيانةً لأقرب أصدقائه؟ لا شك أن العالم الأدبي، بفضل برود، تعرّف على مهندس الأجواء "الكافكاوية"، وأُعيدت قراءة نصوصٍ متجذرة في العقل الباطن وعالم الأحلام؛ بل إن كافكا نفسه نال الخلود بفضل برود. ومع ذلك، فعلى المستوى الإنساني، تعرّض كافكا للخيانة من قِبل برود.
• إلى أي مدى يمكن لنوايا المؤلف أن تحول دون مصيرٍ معينٍ لنصه؟ وإلى أي درجة يمكن للمؤلف أن ينفصل عن عمله؛ أي إلى أي مدى يمكن للشخص الذي نعرفه بوصفه مؤلفاً لنصٍ ما أن يحافظ على مسافةٍ تفصله عن العمل الذي بين يديه؟ يجد ماكس برود نفسه تحت طائلة الهجوم، وهو في جوهر الأمر يتلقى رسالةً عبر مجلة "ستيلو نوار" (Stylo Noir). فربما قدّم برود نصوصاً خاصة به على أنها لكافكا، أو العكس؛ قدّم نصوصاً لكافكا على أنها من تأليفه هو. باختصار، نحن هنا أمام فعل خداعٍ ينتهك الأخلاقيات الأدبية.
• الشيطان والله. الخير والشر. الله والشيطان. الشر والخير. يفتح نص سونمز الباب أمام هذا التساؤل من زاوية أخرى أيضاً؛ إذ تسمح الظروف المتغيرة بأن يتحول من يمثل "الشيطان" إلى "إله"، ومن يمثل "الإله" إلى "شيطان". وتُستكشف حالات "الشيطان" و"الإله" -بأسلوبٍ يثير التساؤل والتفكير- من خلال بطل الرواية، فريدي.
• نصوصٌ داخل نص. يمكن اعتبار الإشارات إلى أعمال أخرى —والتي قد توجّه القارئ أحيانًا نحو تلك النصوص ذاتها— ضربًا من التناص. وفي رأيي، يمثل هذا النهج الموسّع الذي يتبعه المؤلف لفتةً تقديريةً لتلك الأعمال المكتوبة سابقًا؛ إذ يصبح النص الذي نقرؤه حاليًا، في نهاية المطاف، جزءًا مكوّنًا من وجود تلك النصوص الأقدم.
========