علاء سيد عمر - سالم أبو العِجل.. قصة قصيرة


رغم أن الشخير في العصور البائدة.. كان وسيلة من وسائل الإنسان لإبعاد الحيوانات المفترسة عنه وهو نائم. إلا أنه في عصورنا الحديثة.. أصبح من العادات القميئة.. لذا كلحن مزعج بدا غطيط سالم أبو العِجل.. الذى ما كاد ينعم بقيلولته المعتادة حتى راحت ابنته حميدة.. تدق عليه باب غرفته من الخارج بشدة دون أن تجرؤ على الدخول لتوقظه.. فمن عاداته أيضا عندما يوقظه احد.. يصحو فزعا ضاربا من يوقظه مهما كان حتى يفيق تماما.. لذلك كان أولاد الحلال.. يدفعون اليه من يجهل فيه تلك العادة وهو نائم ( بالغيط ).. فيتضاحكون.. حتى أنهم جعلوا العمدة ذات مرة يوقظه فكاد يحدث ما لا يحمد عقباه. سالم طيب القلب على سجاياه.. ( والعِجل ) لقبه.. لأنه يخرج الكلام بلا تحفظ.. مما يجعل أهل القرية يتندرون بكلامه متفكهين .. وبما أن الأمر مهم .. ما جازفت حميدة لتقطع وصلة شخيره اللحني.. فقد كانت الجاموسة ممددة أمام (الطوال في الحوش ).. فى سكون من ألم به مكروه.. كما أن حميدة غير معتادة على دخول ( الحوش) في مثل هذا الوقت.. لكن ساقها القدر.. لأن قناوي بن أبو العتر الدكر.. ألقى لها ورقة ملتهبة بمشاعر حبه المتأججة.. فدخلت الحوش خلسة من الجميع لتقرأ منفردة ما سكبه قلب قناوي لها.. ولما لا.. حميدة كفلقة القمر.. محط أنظار شباب البلد.. حتى أن كبار السن من الشيوخ يتحسرون على شبابهم الذى ولى كلما مرت حميدة من أمامهم.. مما دفع أحدهم ذات يوم لطلب يدها.. كي يصبح من يومها مدعاة لسخرية أهالي البلد.. وأطلقوا عليه الشيخ أبو حميدة.. حتى أن خضر أبو العمدة.. حدث أباه في أمر زواجه منها.. لكن العمدة نهره متذكرا ضرب سالم له عندما ايقظه.
- ما بقاش غير العبيط ده.. اللي عايزنى أحط أيدى في أيده يا سي خضر.
ورغم أن حميدة كانت حلم القلوب.. إلا أن حلم قلبها قناوي ابن ابوالعتر الدكر.. فقد استطاع وحده أن يجعل قلبها ذاك المهر الجامح.. أن يرق ويلين.. عندما يمر صباح كل يوم من أمام منزلها متنحنحا.. ضاغطا بقدمه على نعل حذائه ليحتك بوجه الاسفلت الخشن ليصدر صوتا ملفتا للانتباه.. وذلك عندما تكون جالسة بجوار امها تتعلم وهى بنت المدارس طريقة خض ( القربة ) العتيقة.. فيعزف قلبها الحانا لا تشبه أي من تلك الالحان. ينزع شلقامي بن عبد الظاهر تمرجي الوحدة البيطرية الحقنة من كفل الجاموسة متنهدا
- بصراحه يابا سالم الجاموسة تعبانه قوى .. وان جيت للحق بيعها أحسن تموت حداك .. اقله تستفيد بتمنها أحسن .
سالم يسترجع مع ذاته كلام ابن عبد الظاهر أمام مرآته المكسورة في غرفته الأثيرة.. يقنعها بأنه بارع في إعطاء الحقن للبهائم والبني آدمين على حد سواء.. فماعز الحاج عبد القوى التي كانت تحتاج الى (فنطاس ) محلول جفاف.. أصبحت بحقنة منه كالكلب ( هول ).. كما أن محرس بن بخيت.. كادت الحمى أن تقصف أجله.. فما كان منه سوى أن يسرع إليه مستجيرا بإبره الشافية.. ولو علم أن بالجاموسة خير.. ما قال له ما قال.. لذا عزم سالم على بيع الجاموسة في سوق السبت.
- وهــ تبيعهاليه بقى ياحاج انطلق سالم بالإجابة..
كأنه يحفظها عن ظهر قلب.
- عيانه.. وخفت تموت حداي.. قلت أبيعها.. استفيد بتمنها أحسن
يقطع المشترى فور سماعه ذلك دورانه المتفرس حول الجاموسة.. ويفر كمن ينفلت من بين أنياب ذئب.. هنالك قرب صلاة العصر انفض السوق.. فما كان من سالم سوى أن يأخذ جاموسته من ( رسنها ) ليعود بها إلى بيته حزينا.. لتستقبله على باب الدار زوجته مستفسرة.. وقد علت الدهشة وجهها.. فقص ما كان معه بالسوق.. فزفرت .
- والله لو قاعدت سنه بحالها على كدة في السوق.. مش هــــــتبيعها.
يمرر سالم كف يده على رقبة الجاموسة.. التي أشاحت برأسها بعيدا عنه بخوار مجهد كأنه انين.. فيتنهد.
- وليه بقى يا أم العريف
بغيظ حانق أخذت زوجته ( الرسن ) من يده
- اللي يبيع حاجه الزمن ده.. ما يقولش على عيبها.. والمفروض تحلى البيعه.. وتقول للمشترى أن حنكها طايب.. وفيها بق لبن.. وعُشرخمسه.. ولولا العذر مش هـتفرط فيها.
لم يستغرق بيع الجاموسة أكثر من نصف ساعة.. بمبلغ لم يحلم به.. بعد أن رددا بالحرف كلام زوجته. وبعد صلاة المغرب في ذلك اليوم السعيد.. كان سالم يحتفي بضيوفه.. فقد جاء قناوي وأبوه وعمه لطلب يد حميدة.. بعد ما احتسى العتر الشاي.. راح يمدح في ابنه.. ضاحكا وهو يميل إلى الخلف.. ناظرا من طرف عينيه إلى حميدة المتوارية خلف الباب متلصصة.. تتابع بنظرات عينيها الضاحكة قناوي وهو يفرك كلتا يديه ببعضهما وقد بدا عليه الاضطراب.. ناظرا الى عمه شزرا وهو يرشف الشاي بصوت مسموع.. ليتنحنح العتر في ذات اللحظة قائلا بلهجة من خبر الحياة.
- وعلى كده يا سالم.. بتك بتعرف تعجن وتخبز
عوج سالم أبو العِجل الطاقية اللبدان ليداري حاجبه الأيسر متعاجبا.. نأيا بجانبه بعيدا عن العتر.. ماصا بقوة ( بوصة الجوزه ) ذات (البرطمان ) الزجاج.. ليصدر منها ( كركرة ) عظيمة.. يرفع بعدها سالم رأسه الى أعلى.. ليخرج الدخان من جيبي انفه.. ( كاوبور ) سكه حديد قديم.. ومن يد الى يد راح يبدل ( الجوزه ) متفاخرا.. ضاربا بكفه على فخذه.
- آمال يا أبو قناوي.. دى مش بتعجن وتخبز بس.. لأ.. دى كمان حنكها طايب.. وفيها بق لبن.. وعُشر خمسه كمان .

.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...