حميد بركي

السياق الثقافي وتطور التجربة الشعرية والفكرية للشاعر حميد بركي




شهدت الحركة الثقافية والأدبية بالمغرب خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين تحولات عميقة، ارتبطت بالتحولات الفكرية والاجتماعية التي عرفها العالم العربي، وبالانفتاح المتزايد على المدارس الأدبية الحديثة. فقد كان الشعر المغربي، منذ مرحلة الاستقلال، يعيش حراكًا متواصلًا بين الوفاء للتراث العربي والرغبة في استيعاب منجزات الحداثة، متأثرًا في ذلك بمدرسة البعث والإحياء، ومدرسة الديوان، وجماعة أبولو، ثم بالتجارب الشعرية العربية الحديثة التي أسهم في ترسيخها شعراء كبار، أمثال بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ونزار قباني، وأدونيس، وغيرهم. وقد انعكس هذا التفاعل على التجربة الشعرية المغربية، التي سعت إلى بناء خطاب شعري يمتلك خصوصيته، دون أن ينفصل عن الامتداد الحضاري والثقافي للشعر العربي.
وفي خضم هذا الحراك الثقافي، برز الشاعر حميد بركي بوصفه أحد الأصوات التي آمنت بأن الشعر ليس مجرد بناء جمالي، وإنما هو مشروع ثقافي وفكري، ينهض بدور تربوي ومعرفي إلى جانب وظيفته الفنية. ومنذ بداياته الأدبية، انشغل ببناء تجربة تجمع بين أصالة اللغة العربية وثراء التراث من جهة، والانفتاح على الرؤى الحديثة في الكتابة والنقد من جهة أخرى، واضعًا نصب عينيه الإسهام في تجديد القصيدة المغربية مع الحفاظ على هويتها.
وتعود البدايات الأولى لتكوينه الأدبي إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين تتلمذ على يد الشاعر والأكاديمي المغربي الدكتور عبد الله راجع، الذي ترك أثرًا بالغًا في تكوينه الفكري واللغوي. وكان اللقاء الذي جمعه بأستاذه في ثانوية مصطفى المعاني بالدار البيضاء نقطة تحول في مسيرته، إذ وجد فيه المعلم الذي فتح أمامه آفاق القراءة والبحث، ورسخ لديه أهمية الجمع بين المعرفة الأدبية والوعي الثقافي، فظل يستحضر تلك المرحلة باعتبارها اللبنة الأولى في بناء مشروعه الإبداعي.
وجاءت أحداث سنة 1981 بمدينة الدار البيضاء لتلقي بظلالها على المشهد الثقافي المغربي، حيث عرفت البلاد ظروفًا دقيقة انعكست على النشاط الأدبي، فتراجعت المبادرات الثقافية، وخيمت أجواء من الحذر على كثير من الفاعلين في الحقل الثقافي. غير أن هذه الظروف لم تثن حميد بركي عن مواصلة نشاطه، بل دفعته إلى الإيمان أكثر بدور الثقافة في مواجهة الانكماش، فجعل من الشعر وسيلة لترسيخ الوعي، وعمل على نشر المعرفة الأدبية بين الشباب، مستثمرًا ما اكتسبه من تكوين على يد أستاذه الدكتور عبد الله راجع.
وفي سنة 1984 أسس، بدار الشباب سيدي مومن، نادي الحواس الخمس، رفقة مجموعة من الشعراء الشباب والكتاب والأدباء العصاميين، لتنبثق عنه مجموعة الحواس الخمس، التي شكلت تجربة ثقافية متميزة في الدار البيضاء الشرقية. ولم يقتصر دور هذه المجموعة على تنظيم الأمسيات الشعرية، فقد تحولت إلى فضاء للتكوين والحوار والإبداع، وأسهمت في احتضان المواهب الشابة، وتشجيع القراءة والكتابة، وإحياء النشاط الثقافي في المنطقة، حتى أصبحت من التجارب التي استوقفت أنظار المهتمين بالشأن الثقافي المغربي.
وقد شبه عدد من المتابعين أثر مجموعة الحواس الخمس بالدور الذي قامت به مجموعة السهام في الأغنية الملتزمة، كما قورنت بتجربة ناس الغيوان في الحي المحمدي، من حيث قدرتها على الارتباط بقضايا المجتمع، وتحويل الإبداع إلى وسيلة لبناء الوعي الثقافي، وإشاعة قيم الحوار والانتماء والالتزام.
ولقيت هذه التجربة اهتمامًا من الفيلسوف والشاعر محمد عزيز لحبابي، الذي خصها بمقال نشر في جريدة العلم بعنوان «مغربيون من نوابغ القرن الواحد والعشرين»، أشاد فيه بما لمسه من تميز في تجربة المجموعة، وهو ما أسهم في التعريف بها داخل الأوساط الثقافية، وأثار نقاشًا حول طبيعة المشروع الذي كانت تحمله، وما يطمح إليه من تجديد في الرؤية والممارسة الثقافية.
كما أصبحت تجربة حميد بركي موضوعًا لعدد من الدراسات والقراءات النقدية، حيث تناولها باحثون ونقاد في مؤلفات ومقالات مختلفة، من بينها كتاب «منارة الشعر العربي في الشعر والفكر الأدبي»، وكتاب «التاج» للدكتور عدنان الهمص، وكتاب «حقيقة أمير الشعراء... التاريخ المنسي» لعبد القادر البدر، فضلًا عن المقالات التي نشرها الناقد مصطفى الحناوي، وإدراج سيرته ضمن كتاب «أعلام مغربية»، إضافة إلى ما كتبته الباحثة والشاعرة فاطمة بوهراكة في مؤلفاتها التوثيقية، وغيرها من الدراسات التي اهتمت بإبراز معالم تجربته الشعرية والفكرية.
وامتد نشاطه الثقافي إلى مبادرات أخرى، كان من أبرزها المساهمة في تأسيس رابطة الأدباء، إلى جانب فاطمة فكري، ومصطفى سمرة، وأمينة الناجي، وعدد من الأدباء والباحثين، في إطار السعي إلى توسيع فضاءات العمل الثقافي، وتعزيز حضور الأدب في الحياة العامة.
وعندما انتقل إلى مدينة قلعة السراغنة، وجد واقعًا ثقافيًا يختلف عن البيئة التي عاش فيها بالدار البيضاء، إذ كان الاهتمام الأكبر منصرفًا إلى العلوم الشرعية والتصوف، بينما ظل النشاط الشعري محدودًا. غير أن هذا الواقع لم يمنعه من مواصلة مشروعه، فأسس أندية ثقافية بدار الشباب ثالث مارس، وأشرف على تأطير الشباب في مجالات الشعر والبلاغة والنحو والأدب، وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية بالمدينة، حتى أصبحت تحتضن لقاءات وأمسيات أدبية متواصلة، وأسهمت في بروز عدد من المواهب الجديدة.
وخلال هذه المرحلة تبلورت معالم مشروعه الفكري، حيث قدم تصورًا لما أسماه «الفكر الأدبي»، بوصفه رؤية تربط بين الإبداع والمعرفة، كما صاغ نظرية «الفك والتمييز»، التي جعلها منهجًا في الاستقراء الأدبي واللغوي، وعمل على تطبيقها في عدد من مؤلفاته، وتداولها بعض تلامذته والمهتمين بمشروعه.
وفي سنة 2008 كرمت جامعة القاضي عياض متعددة التخصصات بقلعة السراغنة تجربة حميد بركي، في إطار الملتقى الوطني الأول الخاص بمجموعة الحواس الخمس، الذي انعقد تحت شعار «الحواس الخمس حركة ونبوغ، والشعر سلوكات مدنية وأخلاق اجتماعية»، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين ومثقفين، حيث خُصصت جلسات علمية لدراسة تجربته الشعرية والفكر



Messenger_creation_4CBEC19E-A86B-436D-9F8B-F9B7922BB41A.jpeg
أعلى