راينر ماريا ريلكه - ميلاد فينوس - ت: بهجت عباس

في هذا الصباح بعد الليل الذي انقضى مُـرعِـبـاً
بصيحاتٍ وصخب وهيَـجان ، -
انفلق البحر كلُّـه مرةّ أخرى وصرخ .
ولمّا توقّـفـت الصُّرخة ببطءٍ
وهَـوَتْ من نهار السّموات الشّاحب واستهلالـهِ
إلى أسفل ، إلى مهبط الأسماك الصّامتة -:
ولد البحـرُ .

عند بزوغ الشمس لمعت رغوة الشَّعـر
على تجعّد الموجـة الرحيب ، الذي انتصبتْ
على حافّتـه الفتاة ، بيضاءَ ، مرتبكةً ومبتلّـة.
وكمثلِ ورقة خضراءَ يانعـةٍ تحرّكتْ،
تمطّتْ وتفتّحت من طويّـتـها ببطءٍ ،
بَسَطَتْ جسدَهـا في هواء البحـر البارد
وفي نسيم الفجـر الذي لمْ يُلمَسْ بعـدُ .

مثلَ الأقمار ارتفعت ركبتـاها بوضوح
وانغمـرتا في حافّاتِ غيوم فخـذيْـها ؛
وتراجعت الظلالُ الرهيفة لِباطـن ساقـيْـها ،
وتوتّرت القدمـانِ وصارتا ضيـاءً ،
وانتعشت المفاصلُ حياةً كحناجـرِ
الغارقين في الشّرْب .

وفي كأس الوَرِك استلقى الجسدُ ،
مثلَ فاكهةٍ يانعـةٍ في كفِّ طفلٍ .
في كأس سُـرَّتها الضّيق كان
ظلام الحياة المتألـقة هذه كلّـه .
تحت هذا ارتفعت الموجـة الصّغيرة بلطف
وجَـرتْ بثبات نحو الوَرِكيْـن ،
حيث الآن ومن قبل ثمّة خرير هادئ .
ولكنْ شفّافـة و من دون ظلِّ أيضاً ،
كشجرة البتولا منتصبة في الربيع،
دافئة ، خاليةً وغير مخفيّة ، وقعت السوأة.

الآن انتصب ميزان الكتفين المُفعَم بالحيوية من قبل
في توازن كامل على مقياس الجسد القويم ،
الذي صعد من الحوض مثلَ نافورة
وسقط بتردّد في الذراعين الطويلتين
وبسرعة خاطفة عند انسدال الشَّعر الكثيف .

وبعدها تحرّك الوجه ببطء كثير:
من عَتـمتـه المختزَلة لانحداره
في وضوح ، مرفوعاً متوازناً.
وتحته أغلـق الذقـن ذاتَـه بشدّة .

الآن، العنق الذي امتدَّ كشعاع من نور
والذي يشبه ساق زهرة تصعد فيه العصارة ،
كذلك امتدّت الذراعان خارجاً مثل أعناق
بجع ، عندما تبحث عن الساحل .

ثم في فجر هذا الجسد المعتم
جاء النَّفَس الأول كنسيم الصباح .
في فروع شجرة الشرايين الرقيقة جداّ
نشأ همس ، وبدأ الدم
يتدفـّق بخرير في الأماكن العميقة .
ونما هذا النسيم : الآن رمى
بذاته كلِّها في النهديْن الجديديْن
وملأهما وضغط ذاته فيهما ،-
حيث هما مثل شراعين ، مليئيْن من البعد ،
دفعا بالفتاة الرقيقة إلى السّاحل .

هكذا هبطت الإلهـة .

وراءها ،
خطتْ بسرعة عَـبْـرَ السَّواحـل الجديدة ،
انتصبت الأزهـارُ والشتلات طيلة الضّحى،
دافئة ، ذاهلة ، كما لو كان من عناق.
وهي ، الإلهة ، مشتْ وجّرتْ .

لكنْ عند الظَّهيرة ، في أوجِها،
هاج البحر مرة أخرى وقذف
دلفيناً في الموضع ذاته .
ميتاً ، أحمرَ ومفتوحاً .

.
 
أعلى