غالب حسن الشابندر - أنفاس حارّة حول الجسد البشري

الجسد والشبق
كثيرا ما يكشف الجسد عن سحره، عن غرائبه، عن مفاجآته، يكشف عن كل هذا العالم الثري صدفة، يهزه مشهد عابر، لكنه يتفجر بحيوية منعشة، صدفة ولكنّها خلاّقة، وتلك هي صدفة الجسد، صدفة تكشف عن جديد، تنبئ عن عالم استثنائي، ربما تكشط الغلاف عن مستور، بقي يقاوم كل محاولات تعريته لسنوات طوال! الصدفة الجسدية قد تواجه حامل الجسد بأسرار كانت خفية عليه، فيتحسسها فرحا نشوانا مترعا بالحبور، يتحسس شبقها الذي كان غائبا، فإن كل نقطة من نقاط الجسد تملك شبقها الخاص بها، الشبق ينتشر على سطح الجسد متنوع المذاق، لا يوجد شبق مطلق، أقصد لا يوجد شبق من جنس واحد، يملك حق السيطرة على الجسد كله، شبق مثل هذا يقتل اللذّة، يغرِّب الجسد، يستلبه، يحرمه من حرقته المتقافزة... شبق العينين ليس هو شبق الذراعين، شبق الذراعين ليس هو شبق الساقين، شبق الساقين ليس هو شبق الكتفين، شبق الكتفين ليس هو شبق الأبطين... تماما مثل الحرية، فليست هي حرية و احدة، بل حريات متعددة، متنوعة، متجددة، وفي لحظة يمكن ان نكتشف حرية جديدة، كل نقطة من نقاط الجسد تحمل شبقها الخاص، هناك ملحمة شبقية تتحرك على سطح الجسد، ملحمة تشتعل بالمذاقات الساخنة، المذاقات المتنوعة، لا تستقر القبلة على نقطة واحدة، بل هي تتحرك مثل تحرك الشبق، تلاحق نقاطه الها ربة، لا تستقر على نقطة واحدة من الجسد، تتحرك القبلة على خارطة فوضوية، هنا وهناك، لأن شبقيّة الجسد فوضوية.

الجسد والغياب
يغيب الجسد لحظات خاطفة، ربما في متاهات الواجب اليومي، ربما في متاهات ذهول مفاجئ، ربما لهذا السبب أو ذاك، يغيب رغما عنه، ولكنّه سرعان ما يخفق بالحنين العارم إلى شبقه العظيم، إلى حضوره الساطع با لشهادة المضادة، وتكون العودة بداية جديدة، جسد جديد، جسد مخلوق لتوٍٍّه من النار، النار الشهية، النار الملتهبة، النار المقدّسة، بداية غير مسبوقة، بداية تضيف إلى العالم رقما آخر، تضيف إلى التاريخ حدثا ليس له مثيلا،ليست هي تعويضا عن زمن فات، بل هي خلْق زمان جديد، ليست هي تعويضا عن شهوة ضاعت، بل هي شهوة مشتقة من نفسها، من ناموسها، من ذاتها، ليست هي تعويضا عن حرمان مفاجئ، بل هي شغف أذن له الله بالظهور، فكان الجسد بعد الغياب يُعا خلقه، يُعاد تشكيله، يُعاد تأسيسه، التعويض عن قريب من الاستجداء، فيما الجسد بعد الغياب ظهور يفرض نفسه.

الجسد والتشكّل
هل يوجد جسد في طور التشكّل؟
التشكل صيرورة تفترض أسبقية ساذجة في كثير من الاحيان، ولم يكن الجسد ساذجا، الجسد ذات التشكّل، في كل لحظة هو صيرورة، في كل لحظة هو جسد، لم يكن طينا فصار لحما، ولم يكن حديدا فصار عظما، ولم يكن خشبا فصار آهة ورغبة، كان جسدا فصار جسدا، بل هو جسد من قبل وجسد من بعد، وهل تتشكل آهات الإله؟ ينبغي أن لا ننسى بأن الجسد زفرة الإله الدائمة، زفرته الطرية الساخنة، زفرته التي تختصر رائحة الرغبة السماوية منذ الازل، هناك شكل يتجسّد وليس جسدا يتشكل، وهل ننسى أن كل أشياء الوجود تكسب حظها من الوضوح بالتجسيد؟ حتى المعاني المجرّدة ينحو المنطق البشري إلى تجسيدها...
هل التجسيد هدف؟
هل التجسيد وسيلة؟
هل التجسيد شهوة؟
لا يمكن الاستمرار بالسؤال فإن التجسيد مسيرة الوجود.
ترى هل نقول بأن الجسدانية لغة الوجود؟
كل ذرّة من ذرات الجسد تحمل نظيرتها، رغم تميزها الفريد، ألم تتكلم الأصابع؟ ألم تتكلم العيون؟ ألم تتكلم اليدان؟ ألم تتكلم الحلمتان؟
إنه الجسد...
كل ذرّة من ذرّاته تحكي رسالته... شهوته... سحره... عنفوانه... غنجه... آهاته... نجواه... فهو جسد وليس روحا.
ليس بين الجسد والطفولة مسافة...
ليس بين الجسد والمراهقة مسافة...
ليس بين الجسد و الكهولة مسافة...
ليس بين الجسد والحياة كتاب صامت...
إنه الجسد...
ديمومة...
الجسدانية هي لغة الوجود...
إستراحة جسد
جسدك يا (...) لعبة سحرية تُمسرح الحياة كلها، لا أنس نزق الصدر الشرس يتحدى نظراتي المشبّعة بخيال الصحراء الممتدة حتى نهاية الله، لا أنس إلتواء جسدك يكسح نظرات الراصدين جنوني في تلك الدائرة الكهنوتية الممقوتة.
تتعرين بهدوء في مخيلتي...
لا...
عُريك هو الذي يلهم شوقي، عُريك تحدّر من أصلاب النور، عُريك نص مفتوح، لكنّه عصيّ على النقد، تقترب منه أصابع الشهوة العارمة فيستجيب لرغبته المخزونة في النهد الممشوق، النهد الشرس، النهد اليقظ.
يمتد جسدك على خيوط شهوة مشتبكة بين نور ونار، فيغور في داخله تمرّد على لعبة الاصابع التي كانت تحتال على ملامسة البطن الناعسة.
تتعرين بهدوء في مخيلتي...
صدر ناهد يخترق كبرياء السماء، خصر يتلوى على محوره النازف من إرهاق النظرات، ردفان ضامران، وبطن أستوت على إسمها الاول، فهي بطن ضامرة، وعجيزة تغازل النهد وتباريه، ويتدلى حرف معقوف (زت) اللاتيني من الرقبة إلى النهر الخالد، فكان (الجينز) حقيقة وجدت ضالتها بجسدك يا ملكة الشهوة والنزق الأبديين. رعشة الإ ثارة تبدأ زفرة بين نهديك، وتنتهي في ضمي الإلهة.
ما زلت في القلب...

الجسد والافتراس
يقول المثل الفرنسي: الأسد عبارة عن خراف مهضومة...
الخراف فريسة الاسود، والفئران خريفة القطط، والفقراء فريسة الأ غنياء، والحق فريسة الباطل، والعلم فريسة الجهل.
ولكن...
فريسة الجسد هو الجسد ذاته...
الجسد يشرب الجسد... يلتهمه... يرتشفه... يمتصّه... موضوع الجسد هو الجسد بالذات... يتعشقه... يعشق الإنسان المال ويعشق الطبيعة ويعشق الاكل، ولكن يختفي عشق الجسد للجسد خلف كل حب، وخلف كل هيام... لا شيء يتمرّى نفسه سوى الجسد، ولا شيئ يتعطّش للمس ذاته سوى الجسد، ولا شيئ يشتهي نفسه سوى الجسد، وهل سمعنا عن جسد يعشق جزءا من ذاته؟
الجسد يعشق الجسد، العاشق والمعشوق ينفران من التحليل والتجزئة والتشريح، عشق كلي، عشق يستوعب التخوم والحدود والخطوط، لا يلتفت إلى الأجزاء والأعضاء، عشق ينظر إلى (الجسديّة)!
هو الجسد!
جسدي يلتهمني...
أليس كذلك؟
جسدي يلتهم الجسد الآخر...
أليس كذلك؟
جسدها يلتهم جسدي...
أليس كذلك؟
هناك لغة إفتراس جسدي شاملة في الكون...
ولكن أي إفتراس هذا؟
وما هي لغته؟
يقترن الافتراس بالدم والهضم والاستغلال والغصب والموت والقهر والظلم والخداع والدجل وكل قيم السلب السوداء التي يعاني منها تاريخ البشر..
إلاّ إفتراس الجسد للجسد...
إنه إلتصاق وذوبان...
هل سمعنا عن إفتراس يحقق التكامل؟
إنه إلتصاق وذوبان...
ذلك هو الإفتراس الجسدي...

الجسد والأخلاق
ترتشي الاخلاق من المجتمع جواز مرور يبدو أنه مختوم بريشة القدر، وفي الحقيقة ليس هو بقدر لازب، بل ضرورة مؤقتة تنتظر الزمن الذي يتجاوزها، هكذا يرى بعض الناس، وتستعير من جبروته مسوِّغ إمضائها الأزلي، وما هو إمضاء أزليا، بل هو حركة التاريخ الماضية إلى الأمام، فتأتي القيم وتروح بلا خلود قد يتوهمه هذا أو ذاك، هكذا يرى آخرون، ولكن الغارقين في ذواتهم، السادرين في تأملاتهم الصوفية يرون أنها صحيحة بحد ذاتها، مثل المعادلة الرياضية، فلا تأريخ يؤسَّس ولا مجتمع يشيَّد، وقد يكون صحيحا القول بأنها بنيات منطقية تتمتع برصيد داخلي من نسقية الحق وصرامة الصدق، وقد لا تكون، مهما كان الرأي ومهما كانت الفلسفة، يبقى من الجريمة تقييم الجسد إخلاقيا، الجسد وهو يمارس رغبته كجسد أي في وطأة وجوده الساخن، وجوده المشتعل بالهيلوية الأولى، الجسد وهو يُفصح عن شغفه وتواصله في اللحظات الخاصّة، الجسد وهو يجسّد شهقته التي تزرع البذور الاولى في تراب الوجود، تزرع الجديد في مسيرة التاريخ ا لمقبل، هنا الاخلاق لا موقع لها، هنا لحظة جنونية خارقة تمزّق كل القيم الروحية والمادية معا، تحرق تراكمات التاريخ القامع، وتبعثر خرافات الوعظ، وتلغي الحياء والاستهتار في آن واحد، هنا خروج من مملكة التاريخ، هنا تاريخ من لحم خاص، من دم جديد، هنا لحظة عملاقة تهزّ طبقات السماء السبع، وتفتت طبقات الأرضين السبع، هنا تموت أنسقة الكذب والصدق، أنسقة الشجاعة والجبن، أنسقة الحب والحقد، أنسقة التسامح والتعصب، أنسقة الجزع والصبر، هنا لحظة خاصّة في تاريخ الوجود كله، هنا لحظة متمرّدة على كل تقييم وكل تصحيح وكل حكم وكل توضيح، هنا سفر خاص بنفسه، لا يتكرر ولن يتكرر أبدا، هنا لحظة تنعدم فيها الحدود بين الجنون والعقل،بين النظم والفوضى، بين التجسيد والتجريد..



.


hayv-k.jpg

Hayv Kahraman - Iraq
 
أعلى