نقد شريف يحي الأمين - مُقاربة بين الذئاب عند الغرب وعند العرب

توطئة:
لقد أجادَ وَوُفِّقَ من عَرَّبَ لفظة Romantique بلفظة "رومَنْسيَّة" بدلاَ من "رومنطقية" إذ أن لحرف السين جَرساً خاصا، فهو أخف وألطف وأنعم من اللفظة الفرنسية "بالطاء" وهو ماسماه اللغويون العرب من حيث تعريب الأسماء الأجنبية الجامدة إلى العربية بما يوافق النطق بها. ومن هذا الأمر، أيضاً، ميل ورغبة عند هؤلاء، وشغف بهذا التراث الشعري الغربي ومحاكاته وتقليده والاقتداء به واعتباره مدرسة جديدة ومثالية. إذ كان يدرس في المدارس اللبنانية والسورية نقلاً عن المناهج الفرنسية. وكان هدفا أساسيا وعزيزاً على قلوب الكثيرين المفاخرين والمباهين بالانتساب إليه ومعرفته، وتنشقه، وكأنهم بلغوا مجداً فكريا وشعريا وثقافيا رفيعاً خاصاً بهم.

ولكنه في النهاية، استهلك رغم كثرة الانشائيين البارعين في زخرفة الكلام وتزويقه والانكباب عليه والغوص بالمعاني الغامضة في كثير من الأحيان والتافهة بدل الرمزية المباشرة والمألوفة.

موت الذئب

إن قصيدة موت الذئب La mort du loup للشاعر الفرنسي "ألفرد دي فيني" Alfrd de Vigny (١٧٩٧-١٨٦٣) والتي كان من المفروض على الطلاب دراستها، بل وحفظها والتغني بها باعتبارها من أهم روائع هذا الشاعر وغيره.
استهل الشاعر قصيدته بوصف بداية رحلة الصيد ومراحلها والتي تمت ليلاً واصفا النجوم وجريانها وراء القمر وكيف أنه وصحبه من الصيادين الساعين لا قتناص فريستهم ومعهم كلبهم وهم يحملون بنادقهم وسكاكينهم باحثين عن صيدهم الثمين وهم يجتازون الغابة بين أشجار الصنوبر بسكون وحذر وهدوء سائرين على الأعشاب والأزاهير الرطبة حتى لا تشعر بهم أو تنتبه إليهم هذه الحيوانات التعيسة.
وقد قام بترجمة هذه القصيدة شعرا ونثرا أخ للشاعر المبدع عمر أبو ريشة دكتور الأسنان ظافر أبو ريشة (من مواليد دمشق ١٩١٩) والذي كان يجيد الفرنسية ومن المعجبين بشاعرنا الفرنسي وقد اهتم بكل تراثه كما ترجم العديد منه الى العربية.
وقد نشر هذه الترجمة للقصيدة في ديوانه "من نافذة الحب" الصادر ١٩٨١ بعد مقدمة نثرية بقوله:

وأكب فوق الرسم مِنَّا رأسُ صيادٍ خبير
يُلقى على الاثر الحديث فِراسة الطرف البصير
ويشير لي: انظر مخالب ذئب أوعالٍ خطير
وهنا موطىءُ ذئبةٍ واثنين من جَرْوٍ صغير

وتهيأت سكاكين الصيادين وبنادقهم وكلابهم وساروا جميعاً يقتفون الأثر، ولمح الشاعر الذئبة الحسناء مع صغيريها وقد ركنت بهما الى شجرة تحنو عليهما بغيرة وهما يعبثان بدرة اثدائها.
وانتبه الذئب الوالد لهؤلاء البشر الثعالب الذين أغلقوا باب النجاة عليه وعلى صغاره، فانتفض واستعد للقاء. وكانت معركة جارحة بينه وبين الكلب السلوقي المهاجم الذي أرسله الصيادون.

وجرى سلوقي إليه طائش متهالك
فانقضَّ من ذئب الوعو لِ عليه ناب فاتك

وتلقاه الذئب بفك قوي أنشبه في عنقه، ومع أن نار البنادق المتشابكة الكثيفة انطلقت إلى أحشائه لتخليص الكلب من أنيابه فقد ظل يعض بصبر وثبات وعيناه اللامعتاه تنظران شَرَراً إلى الصيادين الخصوم. لقد صَمَّمَ على الانتقام لصغاره، بلا بأس ولا عجز غير عابئ بالدم الذي تدفق غزيراً من جسده الذي بدأت الحياة تفارقه:

لم يُثْنه نارُ البنادق والحديد السَّافك
ينهالُ منا غمسُهُ المتصالبُ المتشابك

ولما شعر الذئب أنه بصبره وثباته قضى وطره الانتقامي بقتل الكلب، نظر الى الصيادين الفاتكين يرمقهم حقدا وهو يودع الحياة بصمت يجرح آذان الفضاء:

فإذا انتهى ألقاه شِلْواً قبله زمنا قضى
ورنا وحمر شفارنا شدت عليه المقبضَ
تستنزف الدم كاسيا ما انهار منه وقوضَ
وظل يرمقنا بصمت جارح باللحن آذان الفضا

ويتلقى الشاعر درسا في الشجاعة والصبر بعد ما نجت الذئبة بصغارها ويقع في بحر من التفكر والتأمل فيخاطب نفسه:

ياقلب ما أقساك عن جُبنٍ وما أوهاك قلبا
انظر إلى الوحشي كيف يغادر الدنيا وتأبى
عيناه أن ترياه ير جف مثخنا طعنا وضربا

وفي النهاية يلقي درسا في الصبر تعلمه من الذئب:

احبس دموعك عن مآقيها ولا تجهر بصوت
واعمل بقلب في حياتك صادق العَزَمات ثَبْتِ
وإذا مسيرك حط في أحد يقلص ظل سبت
فاصبر تحمل بعض أوجاعي ومُتْ مثلي بصَمتِ.

تعقيب طريف: بما أن كُلاً من الكلب والذئب قتل الآخر، فإن هذا ما يقال له عند العرب باءَ دَمُهُ بِدَمِهِ بَوْءًا أي عَدَلَهُ وفي بعض حكاياتهم:

"باءَتُ عَرارِ بكَحْل". يقال إنهما بقرتان انتطحتا فقتلت إحداهما الأخرى. ومن أطرف ما حدث أن أهل بيت وجدوا على مَسْطَبةِ دارهم هرة وحَيَةً قد قتلت إحداهما الأخرى بعد معركة ضارية.
وباءَ فلان بفلان إذا قتل به. وسئل بعض العلماء: ما بال العقرب مغتاظة على بَني آدم؟ فقال: تُريدُ البَواء، أي تُؤذي كما تُؤذى.
لوحة ملحمية مصغرة: تعتبر هذه القصيدة لوحة ملحمية مصغرة وهي تنبي عن صدق وصحة عاطفته بسرده لهذه الواقعة وبهذا الشكل المؤثر كما عايشها، الشاعر من البداية حتى النهاية وإبراز قوة الذئب المحامي والمدافع عن أولاده وزوجته بشراسة مضحيا بحياته من دون شكوى أو أنين. أما الكلب المدرب فلم يكن اكثر من كلب أو عبد مطيع مندفع نحو حتفه المشؤوم.
اما عاطفة الشاعر الوجدانية المشرف على الخمسين من عمره، فلم تكن أكثر من لحظة ظرفية طارئة من التأمل والشفقة. إذ أن الصلة تجاه الذئاب ومهاجمتها في عرينها لأكل لحومها لم تمكنه أو تدفعه، وهو في هذا العمر، إلى التفكير بإنقاذها من هذا المصير المريع. ولكنه يلفت النظر، ولو بأبعاد رمزية، بل وغامضة، إلى القوة الغاشمة الكامنة في البشر وبأنها كالنار في الهشيم فلا أخلاق ولا شرائع تردعهم أو توقفهم عند إجرامهم فكلهم يقتل بعضهم بعضاَ، وهذا ما تأنفُ عن فعله الذئاب وبشهادة الشاعر العربي.

إنَّ الذئب يتركُ لحمَ الذئبِ ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا.

ففي الذئاب صفات ومزايا أنبل من الإنسان السَّفَّاكِ لدم أبناء جلدته...
أما "الشنفرى" فيخرج ثأئراً على العادات القبيحة لأهله، لا لاصطياد الحيوانات وهو لا يحمل سلاحاً، لا سيفاً ولا غيره. فسرى حراً طليقا ومن دون سفك للدماء لا أمامه ولا وراءه، مفضلا العيش في البراري ومعاشرة السباع على العيش مع البشر الظالمين من أهله وغيرهم.
أما "تأبَّطَ شَراّ "وهو من الشعراء الصعاليك مثل الشنفرى، فقد روى وفاخر وجاهر بأنه كان يهجعُ ويبيتُ في منازلها، ضيفا عليها، حتى شعرتْ بالإلفة منه ومعه، فهو "متوحشٌ" معها في مرابعها ومنازلها، فأنست به، وأحست بمودة فريدة ومدهشة نحوه. ولو كانت هذه الوحوش تصافح الناس لصافحته جميعها كما يحدث عن نفسه وإن بصيغة الغائب:

يبيتُ بمَغْنى (١) الوحشِ حتى ألِفْنَهُ ويصبحُ لا يحمي لها الدهرَ مَرْتَعا
رَأينَ فتىً، لا صيدَ وحشٍ يُهمُّهُ فلو صافحتْ إنساناً لصافحته مَعا

(١) المَغنى: المنزل
الذئب وامرؤ القيس
ووادٍ كجوف العير قفر قطعته به الذئب يعوي كالخليع المُعَيّل
فقلت له لما عوى: إن شأننا قليل الغنى، إن كنت لم تَمَوَّلِ
كلانا إذا ما نال شيئا أقاته ومن يحترث حرثي وحرثك يَهْزُلِ

وهي أبيات تبدأ من التشبيه الذي يدني بطرفيه إلى حال الاتحاد، فيقع كل منهما موقع الآحر ويتبادل معه الصفات فيغدو الذئب كالخليع المعيل، وهي صفة بشرية، ويغدو الإنسان كالذئب الذي يعوي في وادٍ كجوف العير، وهي صفة حيوانية.

المُرَقِّشُ الأكبر والذئب

وَلَمَّا أَضْأْنا النارَ عند شِوائنا عرانا عليها أطلسُ(۱) اللون بائسُ
نبذ تُ لهُ حَزَّةً من شوائنا حياءً وما فُحشي على من اجالسُ
فآض بها جَذلان، ينفضُ رأسه كما آب بالنِّهب الكَميُّ الفارسُ
(١) ذئب أغبر اللون

الذئب في العهد الاسلامي
الراعي والذئب

حدث أبو سعد الخدري (رض) قال: بَيْنا راعٍ يرعى بالجزيرة فإذ عرض الذئب لشاة من شياهه. فحال الراعي بين الذئب وبين الشاة. فأقعى الذئب على ذنبه وقال: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إليَّ؟
فقال الراعي: أعجب من ذئب يكلمني بكلام الإنسي!
فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب مني؟ رسول الله (ص) بيثرب يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم!
فَساقَ الراعي شياهه وأتى المدينة فغدا لرسول الله (ص)، فحدثه بما قال الذئب. فقال الرسول (ص): صدق الراعي، إن من أشراط الساعة، كلام السباع للإنس.
وفي رواية أن راعي الغنم كان يهودياً، وفي رواية أن الذئب.قال له: أنت أعجب مني واقفاً على غنمك وتركت نبياً، لم يبعث الله قط أعظم منه قدراً، وقد فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير في جنود الله تعالى. فقال الراعي: من لي بغنمي؟ فقال: أنا أرعاها حتى ترجع. فأسلم إليه غنمه، ومضى إلى رسول الله (ع) وأسلم. وقال له رسول الله (ع) : عُدْ إلى غنمك تجدها بوفرها. فوجدها كذلك. وذبح للذئب شاة منها.

الفتى الشهم والذئب

وماءٍ كلونِ الغِسلِ قد عاد آجِناً مليلٌ به الأصوات في بلد مَحْلِ
وجدتُ علَيه الذئب يعوي كأنه خليعٌ خلا من كل مالِ ومن أهلِ
فقلت له: يا ذئب هل لك في فتى يؤاسي بلا منَّ عليكَ ولا بخلِ
فقال: هداك اللهُ للرشد إنما دعوتَ لما لم يأتِه سبُعٌ قبلي
فلستُ بآتيه ولا أستطيعُهُ ولاكِ (١) اسقني إن كانَ ماؤك ذا فضل
فقلتُ: عليك الحوض إني تركته وفي صغوه(۲) فضل القلوص(٣) من السَّجْلِ (٤)
فَطَرَّبَ يستدعي ذئاباً كثيرة وَعَدَّيتُ كلٌ من هواه على شُغلِ
النجاشي الحارثي
(١) ولاك: هنا مثل ولكن (٢) الصغو: الجانب (٣) القلوص: ناقة شابة فتية (٤) السجل: الدلو

الكُمَيت والذئب

أثناء سفر ليلاً مع جماعة رأى أحدهم شيئاً مقبلاً فنظر اليه، فقال هذا ذئب جاء يستطلعكم، فجاء الذئب فربض ناحية، فأطعموه يد جزور فأكلها، ثم أهووا له بإناء فيه ماء فشرب منه، وارتحلوا.
فجعل الذئب يعوي، فقال الكُميت: مالَهُ وَيْلَهْ؟ ألم نطعمه ونسقه.
وما أعرفني بما يريد: هو يعلمنا أنّا لسنا على الطريق. تيامنوا يا فتيان. فتيامنوا فسكن عُواؤه.

الفرزدق والدئب

أما حكاية الفرزدق مع الذئب فهي من ألطف القصص مع هذا الحيوان الشرس الجريء المفترس، فقد ذكر هذا الشاعر أنه خرج في آخر الليل من الكوفة مع نفر في قافلة، وكان على بعير لهم شاة مسلوخة مربوطة أسالت لعاب الذئب فحركها ليأكل منها فذعرت الإبل وانتبه الفرزدق فأبصر الذئب ينهشها، فقع رجل الشاة ورمى بها الى الذئب، فأخذها وتنحى، ثم عاد فقطع اليد ورمى بها إليه، فلما أصبح القوم أخبرهم بما كان وأنشأ شعراً هذا بعضه:
وأطلسَ عسّالُ وما كان صاحباً دعوتُ لنارى مَوهِناً فأتاني
فلما دنا قلتُ: ادنُ دونَك، إننى وإياك في زادي لمشتركان
فبتُ أُسوي الزاد بيني وبينه على ضوء نار مرة ودخان
فقلتُ له لما تكشر ضاحكاً وقائم سيفي من يدي بمكان
تَعش فإن واثقتنى لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وكل رفيقي كل رحلٍ، وإن هما تعاطى القنا قوماهُما أخوانِ
أطلس: ذئب أغبر اللون، موهنا: مضطرب في مشيه من شدة الجوعً.
فنحن نرى هؤلاء الشعراء كيف أنهم اختاروا هذا الحيوان الوحشي والمخيف المفترس وأمثاله، فأولعوا وشغفوا به وصادقوه وأطعموه الطعام من زادهم وعبثوا به ولاعبوه وصادقوه مع يقينهم بشراسته وعدواته وغدره مقدرين بأسه مع الاحتراس منه، ثم إنهم اتخذوه ضيفاً وأخاً لشجاعته ومقاسمينه الزاد ساعة مبيته على الطوى.
والملاحظ أن الشاعر الفرنسي أعرض عن ذكر أي وصف للذئب بل ذكره باسمه فقط وهذا شعر مبتور ومن دون حيوية.

مقاربة متناقضة

إن موت الذئب للشاعر الفرنسي و"لامية العرب" للشاعر العربي تُبْني أن كل واحد منهما سرى في ليلة مقمرة، والشاعر الفرنسي وصحبه ساروا بهدوء وسكينة ومن أدنى حركه مثيرة لاصطياد الذئاب الى أن انتهت المعركة بموت الذئب والكلب فالصورة باهتة وفاترة وبقى الشاعر صياداً ولم يكن ليسعى لتغيير أي شيء...
فلا هو يثور، ولا رغبة جدية لديه للدفاع عن هذه الحيوانات وقد لا يلام لأنه بقى ابن بيئته ومجتمعه، وقصيدته الرومانسية الرمزية ليست بأكثر من منسية بل أضحت "رَمْسَّية"
الشَّنْفَرى والذئب: هو من الشعراء الصعاليك، وصاحب "لامية العرب" التي أَوْصَى النبي (ص) بتعليمها للأطفال: "علموهم لامية العرب، ولا تعلموهم "مقاطعة غسان" لقول الشاعر الغساني:
"لا تقتل الأفعى وتتركها إن كنتَ شهما فأتبع رأسها الذَّنبا"
وكان الشنفرى قد انذر عشيرته التخلي عنهم ذاهبا للقاءِ أهلٍ أكرم وألطف وأفضل منهم:
فقد حُمَّت الحاجاتً، والليل مُقمرٌ وشُدَّتْ لِطيَّاتٍ، مَطايا وأَرْحُلُ (۱)
وفي الأرض منأى، للكريم عَنِ الأذى وفيها، لمن خاف القِلي، مُتَعَزَّلُ (٢)
لَعَمركَ، ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئ سَرى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ (٣)
وَلي، دُونَكُم، أَهْلونَ: سِيدٌ عَمَلَّسٌ وأَرْقَطُ زُهًلولٌ، وعَرْفاءَ جَيْأَلُ (٤)
هُمُ الأَهلُ لا مُستَودعُ السِّرِ ذائع لَديهمُ، ولا الجاني، بما جَرَّ يُخْذَلُ (٥)
(١) حُمتْ: قُدَّرَتْ وتهيَّيأَت، وطيات: ما تَنطوى عليه النفسُ من حاجات وميول، أي نضجت في نفسه الحاجة للسفر مع عدته وفي ليل مقمر كاشف للطريق.
(٢) يأمل الشاعر المفجوع بأهله، بالعثور على ملجأ بعيد عنهم، يأوي إليه مُنعزلاً ناجيا بكرامته متخلصاً من كراهيتهم له.
(٣) يقسم أن الدنيا تتسع لكل مرتحل في الليالي، للعاقل أوصاحب رغبة أو رهبة، واثقا بذاته وقدرته على التفرد.
(٤) السِّيد هو الذئب والعَملَّس: القوى على السَّيْر والركض. أرقَط زهلُول: نَمِرٌ أَمْلَس. عَرفاء: أي ذا عُرف. وجيأل من أسماء الضَّبع، هؤلاءهم أهله الجدد، عوضا عن أهله الذين هجرهم.
(٥) جَرَّ: ارتكب جريرة أو إثما، يستأنف الشاعر حديثه ويكرر ماذكره سابقاً ويجدد زعمه بأن هذه الوحوش البرية هم الأهل الحقيقيون مشيداً بمزاياهم: فلا غيبة ولا سخرية تخطر ببالها فلا هي تخذل ولا تغدر من لجأ إليها، لأن طباعها فطرية سليمة، وهي تتحمل كل ما يصدر عن غيرها أخطأ أم أساء ...وإن نزوعه باللجوء إلى الصحراء ورمالها وماتحويه ليس ليسرح ويمرح أنى شاء وكيف شاء، وكفى، لذلك سعى لمصادقة حيوانها التي لها دم يجري في أجسادها ولها أرواح طاهرة وقلوب رحيمة وعقول رشيدة. وها قد حظي بما أراد وأنس بها، قبل أن يصل إليها، فهو يحمل مَودة تجاهها. وهل أحلى وألطف من سهرة لوقتٍ يَجِنُّ عليه الليل حتى يقبع معها في وهدة ناعمة من وهادها أو ربوة حيث تتشعب الأحاديث، ويحلو السمر وتكثر الهمهمة والغمغمة منها إلى أن يقرب وقت السكون والخلود إلى النوم الهنيْ مع الدفء بالقرب منها ومعها. أما هي فقد احتفت به في عرينها، في هذا الفضاء الواسع، واعتبرته أنه صاحب هذه المنازل وأنها ضيف عليه ومشاركته في كل شيئ وربما تذكره هذه الحال بالحيوانات الأليفة التي كان يصاحبها أيام طفولته وشبابه وينام بالقرب منها.

إن من يقرأ للبحتري (شاعر عباسي توفى سنة ٢٨٤ه) حكاية لقائه للذئب الجائع المرتجف من البرد ودنو أجله الوشيك وهلاكه المحتم وبخاصة من نَهشِه لنبات يزيد ألمه فيضاعف عواءه، لَشَعَرَ هذا القارىء وأحسَّ من البداية لدقة الوصف وأدرك عمق كلماته، بل وكل حرف فيها وانسجامها في نغمة لفظية رائعة متناسقة. وكأن المشهد حاضر أمامه بكل تفصيلاته.
يُقَضقِضُ عُصْلاً في أَسِّرَّتِها الرَّدى كقضقضة المقرور أرعده البردُ
فاجتماع حرفي القاف والضاد تمثل صدى واضحا لاصطكاك الأنياب من شدة البرد وأن الكثير من الراءات تؤدي معنى عن ارتعاد الذئب المقرور المرتجف، كما أن الرَّويَّ الدالي المسبوق بالسكون يحمل كل نغمة، وكل معنى تجذب إليه وبأسلوب سهل وفطري وسَلِسٍ وسريع مترابط ومن دون تكلف. ومن مطلع البيت الثاني يقرع السمع بعواء الذئب المتألم من الجوع وحركة قعوده على قفاه وإثارة الشاعر له وملاعبته واستجابة الذئب الفورية بعَدْوِهِ نحوه تُبَيِّنُ كم فيه من الطرافة والروعة وإيراد التشبهات اللطيفة المتلاحقة.
عَوى، فأقْعَى فارتجزت مهنجته فأقبل مثل البرد يتبعه الرعدُ
فظهر من كل هذا أن كل لفظة لها معناها، بلا حشو أو زيادة لا حاجة لها، وهذا ما لم يدركه صاحب قصيدة "موت الذئب"
 
أعلى