اشتد علي الضنك منذ أقنعت إحداهُن هذه الخرقاءٓ أن كثرة لمس الخبز بالأيادي يمكنه أن ينقل العدوى، فأحجمتْ عن أكله وعن تقديمه للأولاد. كنتُ، كدأب باقي الخبازين، أستبقي للبيت ما يفيض من الخبز عن طلبات الزبائن بغية تقليص مصاريف طلباتها التي لا تنتهي. استدعى الأمر، كي تذعن، تدخل أهلها، وتدخل جارنا إمام...
الحمد لله.. أخيرا وجدت سقفا أحتمي به من قسوة الشارع وهمجيته. احتوتني "الحاجّة عايشة" ولم يعد يستبيحني كل من انتصب أيره ومضى ينشد فريسة تحت جنح ليل المدينة وتحت قناطرها، أو بين أزقتها وظلمة شوارعها ومقابرها. لعلم ساكنة هذه المدينة فـــ"الحاجة عايشة" هي "عايشة بروبر" سابقا، إييه !!... نعم يا سيدي...
كانت جارتنا ، لم نكن نعلم لها إسما ، ولا رأينا لها سحنة قط. هي فقط زوجة عمي قدور ذي الأنف الطويل، الرجل النحيف ذو الطول الفارع الذي يؤوب لبيته كل يوم بعد صلاة العشاء، دون أن نعرف بالتدقيق متى يغادره .. كنا صغار الحي نجري ونرتع، ندخل كل بيوت الزقاق إلا بيته .. لم يسبق لأحدنا ان رأى زوجة عمي قدور...