عبد المجيد برزاني - خالتي الحاجبة...

كانت جارتنا ، لم نكن نعلم لها إسما ، ولا رأينا لها سحنة قط. هي فقط زوجة عمي قدور ذي الأنف الطويل، الرجل النحيف ذو الطول الفارع الذي يؤوب لبيته كل يوم بعد صلاة العشاء، دون أن نعرف بالتدقيق متى يغادره .. كنا صغار الحي نجري ونرتع، ندخل كل بيوت الزقاق إلا بيته .. لم يسبق لأحدنا ان رأى زوجة عمي قدور ، أو خالتي الحاجبة كما كان يلقبها " المعايطي " . و المعايطي هذا كان طفلا في عمر أغلبنا لا نعرف له أهلا ولا من أين يأتي إلى زقاقنا .. رث الثياب ، أشعث الشعر، يتسمر وجه النهار جنب باب بيت عمي قدور مثل علامة مرور لا يبرحه إلا لقضاء بعض أغراض خالته " الحاجبة " .. يدخل رأسه وراء الباب لبعض ثوان، يتسلم قفة وبعض النقود ويطير كالسهم نحو مأربه. عندما يعود ، ينقر الباب نقرات خفيفة تكاد لا تسمع ، يدخل رأسه من الفجوة الصغيرة التي تتيحها خالته الحاجبة ، يسلمها الحاجة ثم يعود لوقفته مثل صنم . لم يسبق أن شاركنا اللعب أو الحديث ..
في ذلك اليوم المشهود من أيام العطلة الصيفية ، بين صلاتي المغرب والعشاء، كنا نلعب الورق (:الكارطة) تحت عمود النور جنب دار عمي قدور . كان المعيطي عائدا من أحد مشاويره المعتادة عندما تعثر برجل أحمد بن الجزار الذي انتصب غاضبا :
ــ تا مال امك ما كتشوفش ؟؟
ــ ونتا مالك ناشر رجليك ، سير حدا داركم ..
ــ نمشي حدا دارنا ؟؟ آجي نوري لامك شكون اللي خاصو يمشي حدا دارهم ..
ارتمى "ولد الگزار" على قميص المعايطي وجره من أمام الباب ،، تمسك المعيطي بالقفة والأغراض بيد ، وباليد الأخرى حاول الخلاص من قبضة غريمه الذي أصر على جره بعيدا عن عتبة البيت ، يُفتح البابُ ، المرأة تنادي المعايطي ،، المعايطي يبعد بمترين أو مترين ونصف بين شد ونثر ، ودفع وجر ،، تخرج المرأة رأسها ... لأول مرة نرى سحنتها ،، ترتدي " دفينة" مزركشة ، عارية الرأس : " وا المعايطي وا المعايطي واتا مد ليا ع السخرة " .. لكن المعايطي دخل في عراك بالأيدي والأرجل ،،، أصبح يبعد بثلاثة أو أربعة أمتار ، يصارع وهو متمسكا بالقفة .. تبعته زوجة عمي قدور حافية القدمين ، عارية الرأس .. ألقت الزنقة بعمي قدور ، عندما باغتها .. رفعت أسفل ثيابها من الخلف لتغطي رأسها .. قفلت مهرولة نحو بابها وهي تردد : " ياهيا سيحة المعايطي جيت ع نطل خرجت " ،،، كان عمي قدور وراءها يزبد ويرغي : " هبطي دفينتك هبطي دفينتك آ الفضيحة "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى