حيدر عاشور - موت تاجر.. قصة قصيرة


لم يكن الحدث عاديا في ذلك اليوم الممطر بزخات خفيفة تجتمع الناس تحتها تنتظر خروج جثمان التاجر (صادق المحسن) الذي يغذي بتجارته مناطق العراق بأسرها والتي يستوردها من جميع مناطق العالم ، وبعد المتغيرات السياسية التي حصلت في العراق ورحيل أقسى رجل في العالم عرفه التاريخ العربي لأن العالم الغربي لهم طغاتهم ،ويذكرهم البعض ممن يسجلون تاريخ الرؤساء كالإبطال احتلوا العالم وقتلوا ورحلوا وبقيت أسماؤهم فقط.و(صادق المحسن )من اجله أغلقت جميع المحلات التجارية التي تتعامل معه ، ووضعت لافتات في كل مكان بلونها الأسود وبروز كلمة رحل الى دار حقه المحسن المرحوم صادق المحسن باللون الأصفر...تتكاثر المعارف والتجار الصغار وأصحاب المحلات البسيطة التي كانت تأخذ البضاعة منه بالتقسيط . خرج الجثمان من قصره والباكي الوحيد عليه ابنه الصغير وهو يصرخ بأعلى صوته وهو متمسك بجنازة والده : سيدفنونك دون تغسيل أو صلاة وستنزل الى قبرك دون تلقين .
ساد بين الحضور لغط بين رافض وقابل, احدهم يقول لنتخلص منه هو من افسد بضاعة العراق باتفاقاته المشبوهة مع مصانع العالم حين يطلب مواصفات رديئة لا تكلف نقلها (فلاسين) ويبيعها بآلاف الدنانير على كونها من مناشئ عالمية ، لكن طاغية العراق رغم قسوته كان لا يسمح لتاجر أن يستورد بضاعة إلا من مناشئ عالمية معروفة بالجودة ، رحمه الله (خرب) بضاعة العراق .
بعد أن تدخل من يخافون الله اقنعوا المعترضين على دفنه مباشرة أن يغتسل ويلقن ويكرم دفنه ولا يزكي الأنفس إلا باريها ... واتجهت السيارات نحو اقرب مغتسل وبدأت مراسيم تغسيل التاجر ، ومن ثم لف في كفن ووضع في جنازة المغتسل المكتوب عليها ( الفاتحة ) للمرحوم ووضعت صورته على مقدمة الجنازة وقبل حمله اخرج ابنه الكبير مبلغا ضخما من المال ليعطيه لمن قام بتغسيل والده ...قال :
- نحن نعمل لوجه الله سبحانه وتعالى لا نتقاضى أجرا على عملنا وإذا أردت أن تتبرع أعط مبلغك لمن لا يستطيعون شراء كفن لموتاهم .
- أين يقع بيته ؟
- في منطقة السدة .
وبعد تحديد المكان انطلقت السيارات الفارهة والمظللة وهي تحمل في داخلها نعش صادق المحسن كون البرد قارسا والسماء تبعث بين حين وحين وفرها برذاذ المطر البارد . وصلت السيارات الى المنطقة المشار اليها لتدخل بسرعة رغم ضيق فرعها وسوء حال شارعها الممتلئ بالأطيان والأوساخ ... أثارت السيارات علامات فرح على أهالي المنطقة وظنوا أنه مسؤول كبير في الدولة انتبه لسوء خدمات هذه البقعة المنسية من مناطق بغداد وستأتي الكهرباء وسيصنعون مجاري ويسحبون لكل بيت حنفيات من المياه الصالحة للشرب وأكيد سيبلطون الشارع ، ما فرق منطقتهم عن المناطق الأخرى إذا ما أمطرت السماء تختفي مياهها وكأن السماء لم تمطر ابدا , جاءت الفرصة لهم لتخرج هذه المنطقة من البؤس والحرمان الحقيقي الذي تعيشه في بلد لا تحصى خيراته .
وقفت السيارات على شكل موكب لشخص مهم جدا في الدولة ، وترجل شخص يرتدي بدلة سوداء أنيقة احتار أين يقف فالأرض مليئة بالطين ... ركض احد شباب المنطقة حاملا في يده (طابوقة ) ليقف عليها الرجل دون أن يتسخ حذاؤه ، وما ان استقر عليها حتى بادره بالسؤال:
- أين يقع بيت ( حسين زبد ) ، فأجابه الشاب نهاية المنطقة في غرفة صغيرة بابها من الحديد المشبك يغطيها قماش اخضر .
أكمل الموكب مسيره الى مكان حسين زبد وترجل الشخص نفسه ليرفع صوته ( عمي حسين ... أبو علي ) ...خرج حسين ولم يفاجأ بالموكب المهيب فكر أنهم يريدون كفنا والحمد الله لديه منه الكثير .
- أهلا وسهلا ،وصلتوا ( والي تريدونه ) موجود .
- لا يا عم نحن نريد أن نمنحك إكرامية.
- هل أنت حقا حسين زبد المتبرع بالأكفان للمغتسل .
- نعم تفضل ... لكن غرفتي صغيرة وليس فيها سوى أولادي الصغار وزوجتي وإلا لضيفتكم جميعا .
أجابه احدهم :خذ هذه الحقيبة ففيها مبلغ من المال ثمن للكفن الذي كفنا به والدنا المرحوم .قال له حسين زبد : أنا لا اخذ مالا إزاء تبرعي اذهبوا وادفنوا (ميتكم) واذكروا والدي بقراءة سورة الفاتحة واسمه على كفن أبيكم .
- نحن جئناك لنمنحك مالا لا أن تعطينا دروسا في الأخلاق .
- انتم فعلا تحتاجون إلى دروس في الأخلاق وليس درسا واحدا ... خذوا مالكم وارحلوا انتم غير شرفاء والذي يراكم بهذه الهالة يعتقد إنكم جئتم من اجل إنقاذ المنطقة وشبابها الذين يعمل اغلبهم عمالا يوما يكسبون وأياما يعيشون على بركة الخالق الجبار موزع الأرزاق لتكسبوا أجرا من اجل هؤلاء البؤساء من العاطلين عن العمل والساكنين بأتعس الأمكنة في بغداد التي يتصورها العالم ام الخيرات ولكنكم بغير شرف ومالكم غير نظيف ارحلوا قبل أن (الم ) عليكم أهالي المنطقة ليرجموكم بالحجارة حتى نهاية الشارع .
هنا نزل الابن الأصغر لصادق المحسن واتجه يقبل يد حسين زبد ان يذكر والده بخير .... أنت فقير جدا كيف تتبرع بالأكفان من اجل صدقة جارية لوالدك وأنت في هذا البؤس والعوز.
ضحك حسين زبد وامسك بيد الشاب الصغير المتألم الوحيد على والده التاجر وقال له سأشرح لك وتعلم كي يغفر الله لأبيك الراحل .... أنا عامل نجارة وأجرتي اليومية هي خمسة عشر دينارا أجزئها إلى ثلاثة أجزاء, أولا إيجار هذه الغرفة البائسة وثانيا ارجع ببعض البقالة لعائلتي من طعام يوميا ..اما الخمسة الأخيرة اجمعها في صندوق وفي نهاية كل عام اشتري أكفانا بما جمعت وأعطيها الى المغتسل كي تبقى صدقة جارية لوالدي ... ارحل وساعد من تساعد من الفقراء والمحتاجين ثوابا لأبيك وذكرهم بقراءة سورة الفاتحة على روحه ... رجع الموكب بسرعة جنونية كسا برجوعه الجنوني جدران ووجوه المطلين برؤوسهم لمعرفة ماذا يريد هذا المسؤول وجماعته من حسين زبد.
وفي منتصف ليلة زيارة المسؤول علا صراخ زوجة حسين زبد دون أن يخرج أبناء وكبار ونساء المنطقة ... وفي صباح قارس حمل حسين زبد على عربة يجرها حمار ملفوفا( ببطانية) ممزقة الى جانبه زوجته وأبناؤه :أخرجوهم أهالي المنطقة ظنا منهم بان حسين زبد ذلك الخير المتدين جاسوس (علاس) لقتل اغلب أبنائهم . ..وصلت جثته الى نفس المغتسل الذي اغتسل به صادق المحسن ليتفاجأ صاحب المغتسل بموت حسين زبد طعنا بسكاكين لا حدود لها ودفن بنفس المغتسل وعملت زوجته لتغسيل الموتى من النساء وأبناؤه الصغار يخدمون المغتسل.

*حيدرعاشور
* قصة قصيرة من مجموعة (زَهَايْمَرات)



التفاعلات: غنوة فضة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...