مقتطف حيدر عاشور - الضلع الثالث.. قصة قصيرة

الى صديقي الراحل الشاعر( محمد درويش علي)...

طيلة حياتي ابحث عن الشهرة والعلو واصنع في رأسي الصغير أوهام المجد بتخيلات العظمة والقوة والسلطة والإنسانية والتمرد على الشر وقوانين الغابة السائدة في الشارع، الكل له سلطان وحكم بافتراءات وغيرها، حتى منظف الشارع يحكم ويسجن بسلطة المكنسة التي تزيح كل من لا يعجبه وأصبحت بلادي يحكمها الكثير بتنوع السلطة والقدرة على السجن أو القتل من اجل غاية الإزاحة والتفرد أو إطفاء جذوة الغيرة والعقدة المستديمة بالتفرد بالسلطة والقرار... فأجد نفسي هائما في بحور الوهم واتلون كالحرباء في خيالي، تارة محاميا وأخرى رجل دولة مهما، ومرة ذا نفوذ وسلطان ووو.... وما أكثر الواوات في راسي وأجملها حين اصطنع الحب والرومانسية بوعي الداخلي ليتسلط قلبي على سائر جسدي فاغرق في نوم عميق بعيدا عن الوهم وقريبا من ذاتي المتطفلة في كل شيء والحالمة بكل الأشياء، قد يعود ذلك لطفولتي ونحس ولادتي وتنقلي من مكان إلى آخر ومن يد لأخرى وتأخر شمولي بدخول التعليم... أتذكر كان عمري قد تجاوز الثماني سنوات حين سجلني صانع أبي بالمدرسة لشغفي بالتعلم وإصراري على التواصل مع ذلك (الملة) القاسي وهو يضرب طلبته بقسوة من اجل سورة (الحمدُ) وقراءتها دون أخطاء لفظية وكان ينالني كل يوم من الملة ضربة لا لكوني لم أحفظ سور القرآن بل لعدم تمكني من شراء قلم وكراس للكتابة، وحين شاهد أبي قسوة الملة أعطاني دفتر حسابات محله وقلم رصاص غير مبرور ورغم ذلك ضربني الملة لأن القلم ليس فيه نبلة للكتابة وأنا مصر للتواصل حتى طفح كيل أبي وأرسلني بيد صانعه للتسجيل في مدرسة نظامية كان اسمها (العدنانية) الابتدائية وبدأ مشواري كبيرا مع العلم والتعلم حتى ساعة تأملي هذه لم يكن لي صديق من عمري, كل أصدقائي أضعاف عمري ونخب في مجال عملهم... حتى صديقي الذي اقتديت أثره يحمل نفس اسمي البيتي(عباس)... عشت مع مفرداته زمنا ورسمت الخطط للتعارف عليه وفعلا، كان لقائي الأول معه غريبا جدا كأننا نعرف بعضنا منذ دهر لا لساعات بسيطة، او زمن جلوسي الى جانبه ونحن عائدون من ضيم الوظيفة، حيث جلسنا جنب السائق وتحاورنا ببعض كلمات التعارف البسيطة،لفسح فسحة من الحديث كزملاء نعمل في دائرة واحدة وبنفس الوقت حجة كي يتأخر قليلا عن دفع أجرة السيارة بادرت سريعا وتحملت الأجرة.. فوجدته انتعش وسألني:
- أين أنت ذاهب والوقت مبكر ؟
- لديّ مكتب أمارس فيه أعمالا تجارية بعد الدوام أو عند التهرب منه أحيانا مثل هذه اللحظة التي جمعتنا.
- جيد... قد احتاج مكتبك في بعض الأحيان ...
لم أجب عليه ولم افهم بادئ الأمر احتياجه للمكتب اهو للتجارة أم لقضايا أخرى، ولكنني قبلت على مضض هذا الطرح السريع له.. بسبب اختياري له كصديق مثقف يمتلك الإمكانات العالية في الأمور الكتابية خاصة المسرحية منها وهو اسم يوضع على الكثير من صالات العرض المسرحي فهو يجيد كتابة النص المسرحي بطلاقة ودراية معمقة وبعلمية واقعية تنعكس تأثيراتها على الواقع الاجتماعي ، النفسي والاقتصادي ... وصلت السيارة في مسار خطها اليومي وقبل أن نفترق قال:
- هل تحب إن ترافقني إلى صديق جميل يعمل مسؤولا للإعلام الرياضي بوزارة الشباب والرياضة وهو يعشق المسرح . قلت :
- بكل سرور.
وقد انتابني الفرح وأنا أعمق صلتي به ... والتقينا الصديق الإعلامي وتعرفت عليه ليكون اسما جديدا في مفكرتي التي تحمل ذكرياتي اليومية ومن ذلك اللقاء تعشقت صداقتنا وأصبح يومنا واحدا, في الصباح نلتقي في الدائرة وفي المساء يضمنا المسرح أو مكان للسمر أو التقاء بشخص جديد، وهكذا زاد هذا الصديق من سعة تخيلي وجعلني احلم بأوهام اكبر من أوهامي السابقة فانا قريب من المجد والشهرة طالما إنا إلى جانب هذا المخلوق الذي اخترته بإرادتي بعد إن قرأت له قصة ومقالا ورواية وتابعت أخباره فوجدته يميل إلى النساء الناضجات ويستميلهن بطرق شتى ويقتنصهن كاقتناصه للكتاب من رف المكتبة .. عرفته عن كثب ودرسته عن بعد كنت أحيانا أضع له رسالة باسم فتاة باستعلامات الدائرة أو عن طريق البريد وأتابع تحركاته واهتماماته وشكه في كل فتاة تنظر إليه معتقدا انها هي التي تراسله وتعرف أسراره وأين يذهب وبمن التقى ومع من تشابك بمعركة أدبية أثناء محاضرة او جلسة لتعقيب مسرحية... كنت أتلذذ بهذه المشاكسة وانا احفز فيه روح البحث عن فتاة تراه ولا يراها... ومرة انتظرته بمحطة الباص وكان الازدحام في ذلك الصباح مثيرا للغاية بسبب حملة اتخذتها الحكومة لنقل الجماهير عنوة إلى ساحة كبرى لتمجيد رئيسها والاحتفال بذكرى عيد ميلاده... كنت قد تسابقت مع الآخرين وحجزت مقعدين ونظرت إليه من نافذة الباص وقلت له صائحا:
- أستاذ قد حجزت لك مقعدا فهم بالصعود قبل انطلاق الباص.
وفعلا صعد الأستاذ وكنت في غاية السعادة وهو يقول لي:
- شكرا قد كلفتك كثيرا..
- بالعكس أستاذ ,أنت شخص يستحق إن يحجز لك مكان في القلب لا في الباص.
ابتسم ورمقني بنظرة تفحص واستذكار فلم يصل إلى نتيجة فقال:
- حضرتك تعرفني
- نعم أعرفك أنت مؤلف مسرحي وصديقي يعمل بنفس موقع عملك.
- من هو
- الذي أجرى معك لقاءً صحفيا
- البغدادي
- نعم هو بعينه
- ولكن هذا صحفي من الدرجة الخامسة ولم يكن موفقا معي بالحديث فهو لا يفقه من حديث المسرح شيئا.. المسرح عالم خاص وله مختصون ذوو قيمة علمية عالية
- انه يجيد قراءة المقام العراقي الأصيل
- من ؟البغدادي ... يجيد المقام العراقي!!، مع احترامي لك هذا افشل من الفشل نفسه الذي يتنوع في عطائه كأنه يمسك بيد واحده عددا من التفاحات وهذا مستحيل.. مع كل ذلك من يعرفه ؟.. هل هو صحفي .. صحفي فاشل.. هل هو شاعر ... شاعر فاشل.. هل هو ممثل ... ممثل فاشل .. يا أخي الفشل يحيط بهذا الكائن بكل جوانبه هو عالة على الجريدة التي يعمل فيها.
حين وجدته يتكلم عن البغدادي بعصبية ومزاج معكر بقيت استمع إليه حتى وصلت السيارة إلى محطة الدائرة فقال لي:
- شكرا على حجز المكان وأرجو إن يكون هذا الحديث بيننا لان البغدادي صديقي وزميلي في نفس الدائرة ولا أريد إن اخسره ولكن هذا رأيي مع السلامة...
لم انزل من السيارة إلا في المحطة التالية ورجعت إلى دائرتي متأخرا ورغم كل ذلك لم يتذكرني ولا يتذكر الأحداث واكتشفت انه يعاني الضعف البصري بعينيه وأجرى عدة عمليات جراحية على أثرها ... واحتفظت بهذه الأسرار في مفكرتي وأنا أعيد قراءتها بين فترة وأخرى.. رغم إن صداقتي به توسعت وأخذت مداها وصداها ,وأغلبية الوسط الثقافي والفني ربطني به حتى جاء يوم اللقاء الغريب بذلك الشخص الذي حاول بشتى الطرق ان لا أتعرف عليه رغم انه يحدثني عنه في كل لقاء بيننا.. ففي ذلك الصباح السبتي الجميل قد التقينا قرب مكتبات لبيع أصناف الكتب فقال لي بعد تردد:
- اليوم هناك شخص لطيف وشفاف وصديق ومقرب إلي مثلك يريد أن يتكلف بجلسة اليوم في مكتبك
وبدون تردد قلت له:
- المكان مكانك والتصرف تصرفك.. فمن المؤكد صديق صديقي، صديقي وكما يقول أبو المثل ( الطيور على أشكالها تقع)...
ضحك بارتياح عميق ولم يتكلم أي كلمة وهو يتلون بين الأبيض والأحمر وكأنه ندم على التعارف، وفعلا كان صديقنا موجودا داخل إحدى المكتبات التي نحوم حولها ونقرأ بشغف عناوينها اتجه نحونا بمجرد وقوع النظر وألقى التحية وأردف قائلا:
- تأخرتم كثيرا ألم يكن موعدنا قبل نصف ساعة من الآن!!؟.
تكلم معنا بلهجة الجمع وكأنه يعرفني ولا توجد أي دواعٍ للتعارف فبادر صديقي المسرحي وقدم احدنا للأخر وضحكنا وسرنا لنعقد تلك الجلسة الغرائبية التي حضرت فيها كل الأشياء المتاحة وتكررت الجلسات وأصبحت لصديقنا الثالث بشكل يومي حتى أعطيته مفتاح مكتبي ولكن لا تسير السفن دائما على هوى ربانها.. وخلق صديقي المسرحي مشكلة بيني بين صديقنا الثالث لاستغلاله للمكان دون الرجوع الينا فقررت طرده من المكتب وفعلا تم ذلك وافترقنا فترة طويلة والغريب تواصل مع كلينا دون ان يشاهد احدنا الاخر هو حلقة وصل ... وانا لا اعير أهمية لما يفكر فيه، اهتمامي مصبوب باتجاه هوسي بمعرفيته الموسوعية وسارت بنا مراكبنا من شاطئ الى آخر ومن مكان جميل الى أجمل مصحوبة بعلاقات لا حصر لها... ووقعت الواقعة وزلزلت الارض زلزالها وابتلعت قوى الظلم ابتلاعا ساحقا لا رجعة فيه واختفى كل من كان اسما لامعا مع هذه القوة التي طحنت الشعب اكثر من اربعين سنة بشتى الضغوطات فانتشرت الفاقة والعوز وامتلأت بسطوتها السجون ودخلت من بوابة بلدي المفتوحة على مصراعيها موجات متلاطمة من الدخلاء والمرتزقة ومن له ثار... فاشتعلت بلادي بظلم أقبح من ظالمها الأوحد وأصبح الموت على الهوية والمعتقد واللهجة بدلا من غياهب السجون الكل يبحث عن فريسته حتى تمكن فيروس الموت المجاني من إحكام سيطرته وبث سمومه العقائدية بآلات الدمار الجماعي للفتك المفاجئ اينما تذهب تسمع او تنجُ من انفجار اخذ الكثير من ابناء بلدي بلا جريرة او ذنب وهكذا كان الانتقام من ارض بلادي وشعبها بل تخصص لأول مرة في التاريخ الموت على المهنة بحجة التحريم... فموجة اقتلعت الحلاقين وأخرى من يبيعون الطماطم مخلوطة بالخيار وتطور الاقتلاع ليشمل العلماء والأطباء والفنانين والمثقفين ومحبي بلادي وحتى بناة البلاد من الشباب لم يسلموا من هذا الفيروس القاتل الذي زرع على ارض بلادي للتهديم والتخريب مما جعل الأسماء اللامعة ان تختفي او ترحل باتجاه الغربة بانتظار مضاد يقتلع الفيروس ... كنت أفكر بصديقي المسرحي اين صفا به الوقت؟ وقمت ابحث عنه وحصلت على هاتفه وكلمته وخرجنا بعد الاحداث نتلفت حولنا استعدادا للدفاع عن النفس من اي مجهول فكان يوم الجمعة محطة لكبار الادباء والمفكرين والمثقفين في شارع المتنبي وكان هذا خروجنا الثاني للتحدي باستمرارية الحياة وقبل دخول الشارع اردف قائلا :
- صديقنا الثالث يود مصالحتك وأتمنى ان لا تقول له انني سبب المشكلة القديمة واجعلها سرا بيننا .
وفعلا كنت في شوق له وفرحتي كانت هي وجوده على قيد الحياة في شوارع الموت والدمار ووقعت عيني عليه وهو ينظر الي من حافة عينه اليسرى واليمنى تدعي قرأت عناوين الكتب فبادرته بالتحية واحتضنني متأسفا خسارته كصديق لي وبكينا بكاء الأصدقاء وصديقنا المسرحي يتوسط حزننا ويبكي لبكائنا وسرنا مرة أخرى ثلاثتنا نتفحص العناوين الجديدة للكتب وأخرى كانت محرمة قراءتها سابقا إبان التسلط على المعرفة والانفتاح على العالم بكل التقنيات والمستجدات المعرفية والعلمية ..الذي كان يحارب الكلمة خوفا منها وهو يحشو لكاتبها آلاف الرصاصات بنفس الوقت فكان مصير من يكتب توجها أو فكرا أو يدافع عن معتقد او ينتقد عملا حكوميا أن تزرع في جسده تسع وتسعون رصاصة يدفع ثمنها الأهل ويبقوا في دائرة المراقبة الحكومية فمصيرهم إما الفرار خارج البلاد او يسكنون الجدران والسراديب المظلمة المعدة لهم .... فكان حديثنا عن الكتب ممنوعة التداول سابقا ورواجها حاليا حتى انتهى يومنا الجميل والمثمر فكريا وثقافيا وتجددت لقاءاتنا وتعمقت صداقتنا ،ونحن ثلاثة أخوة مخلصين لبعضنا، أواصرنا واحدة من حيث الفرح والحزن حتى جاءت ساعة محزنة لا يمكن إيقافها ولا بأموال العالم ,إرادة ربانية اختارت صديقنا الثالث ليرحل الى الأبدية بصمت غريب ووداع غريب للغريب وسط أهله وأحبائه وأصدقائه لم تنهل عليه الدموع كما كان يطلقها بحرقة من عينيه حين يفقد محبا او صديقا ... ذهب الى الأبدية تارك اسما لشاعر تمكنت منه الإنسانية فجعلته يعطي فقط لكل من حوله ولا يفكر أن يأخذ من احد ... ونحن نلقي النظرة الأخيرة على نعشه وهو يعتلي سيارة المشيعين من مكان عشقه وزاده ومعبده الروحي ...ختم صديقي المسرحي وهو يحمل بيديه نظارته لتجمع الدموع في حدقتي عينيه وهو يمسحها بألم ووجع بقوله : الان تهاوى نهائيا ضلع مثلثنا ولا بديل لهذا الضلع لما يمتلك من قيمة إنسانية لا توصف ... وتوارت عن الانظار السيارة ونعشها وساد الصمت بكبرياء الوجود... وهذه المرة ليس تخيلا او اصطناعا لحلم بل حقيقة جدلية في الحياة والموت وما الانسان مهما كان هو الوسيط الوحيد بينهما ان كبر او صغر كان ثريا او فقيرا مشهورا او مجهولا ..تأبطت صديقي المسرحي وسرنا باتجاه الحياة بلا توقف لنبقى قدر المستطاع الضلعين القائمين ........
* حيدر عاشور
* قصة قصيرة من مجموعة (زَهَايْمَرات)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...