خلف علي الخلف - أنا حزين يا ابراهيم الجرادي

سيعرفك القليل من اصدقائي، وسيسألني آخرون من إبراهيم الجرادي الذي تشكو له حزنك... حينها لا اعرف ماذا سأقول يا ابراهيم غير هو " رجل يستحم بامرأة " كان هناك في الرقة التي على الفرات، على شاطئ قصي لاذ بالبردي او بالزلّ واستحم بها، استحم معه ابراهيم الخليل... الرقة تبتعد ياإبراهيم والفرات يجف والاحبة يموتون ونحن اكلت الدروب خطانا، وقد حَسبتْ الغربة أعمارنا فاكهة فاستلذت بها ..لن تعود الى الفرات يا ابراهيم ولن اعود كذلك بل صرت أكرهها فكلما ذهبت اليها احس نفسي كجندي انتهت اجازته وعاد الى قطعته العسكرية..لا ادري ماذا يعني هذا؟ ولا لمَ اكتبه لكني بدأت أبكي المكان. يبدو غائماً الآن وهذا قاس، أن يتبدد مكان الطفولة.. أن يصبح غائما وضبابيا، كيف سنكتب الشعر؟ ألم يقل أحدٌ ما في لحظة حنين لأيامه " الشعر ذاكرة " هل أسست ذاكرة في اليمن؟ هل لملمت اجزاءك المبعثرة هناك يا ابراهيم ام زادتها الاماكن بعثرة ...كنا صغارا وكنا نجد كتبكم في قرى الرقة النائية التي هي محافظة نائية، اهلها ميتون وخطاها لا تسير...أو كما يقول ابراهيم الخليل في فاتحة " الهُدس" على ما أذكر: " الى الرقة مشيّخة العفون ".. كنتم قلة اولئك الذين لهم كتب وكان الكتاب مقدساً ذلك الحين، ولا اذكر اني دخلت بيتا في قرانا فيه احد تجاوز (التاسع) الا وفيه كتابا على الاقل لعبد السلام العجيلي الذي وسم المدينة خارجها باسمه، وجئتم انتم فيما بعد، كنتُ مدهوشا بكولاج رجل يستحم بامرأة الذي استغرب طفل قرأ عنوانه في يدي وقال شلون يعني!! " رجل يتغسل بمرة ؟!!! " ، والتهمت " حارة البدو " وقال لنا من اهلنا ان بطل الرواية هو فلان ... فيما بعد قرأت " الدم ليس احمر " ولا اخفيك ان لدي نسخة غريبة قليلاً فقد وجدتها في الشام على مكتبة الرصيف التي تحت " جسر الرئيس " وعليها اهداء منك وبتوقيعك الى حنا مينا.. لا اذكر منها شيئا الآن، ما اذكره اني حزين يا ابراهيم وبي حنين ان اودع الرقة لمرة واحدة وان اجول على مطارح الصبا كما تقول الجملة الكلاسيكية، اصبح هذا متعثرا هل تصدق يا ابراهيم ؟ انت هنا قربي في اليمن افكر ان ازورك .. ربما اليمن اصبحت اقرب من الرقة.. اذكر اني دائما اتندر على جملتك التي كتبتها عن العجيلي الذي مات قبل قليل... " ... وهو يركب سيارته البويك ... " وكنت تكتب عن قصة له او مقال عنه.. نسيت، وكانت تلك سبة في عهد المد الثوري النضالي ( أي السيارة ) ورغم انك صححتها لي ورويتها كاملة ساخرا من نفسك الا اني رجعت نسيتها ولم احفظها الا كما حفظتها مغلوطة.إنهم يرحلون.. .تذكر في الروضة ومن ثم في المحاربين تحدثنا عن ابن خطاب وكان ذلك قبل قليل ..هاهو يرحل الان... لأقل رحل بشدة، لأقل رحل كهتاف اخيروكنت احبه يا ابراهيم ويخطرلي الان: هل حزن عليه الفرات؟.. هو الذي لم يفارقه مثلنا. إن لم يحزن على غرنوقه على من سيحزن؟هل سيحزن علينا؟ هوالذي: كان طفلاً بظلٍ أبيضكان يحرس الأيام كي لا تجتاحها الشراسةُ والذبحكان يركض أمام الموت بضحكة تشبه نيران البدو في ليل بهيمكان أميراً لصحراءٍ فقدت دهشتهاكان يؤاخي الموت في ترحاله ويمشط له شعرهكان نبيلاً كأرملة تخاف على طفلها الوحيدكان وادعاً مثل شجر الغيبوكان لحضوره رائحة الجنةكانت المقاهي تحبه، الطرقات، الشوراع، الغراسين، معاونو الباصات موظفو فارمكس، وسائق السيارة العتيقة، والأطفال الذي يلعبون كرة القدم خلف نافذته في الشارع كان ...يا إبراهيم سأترك روحي على سجيتها تسجد للغيب حينا وتتعلق به، فكلما اوغلت في الدروب تنسى خطاي.. أحيانا تشتعل الذاكرة فتمر الاماكن والصور مثل شريط يُعرض للمرة الاخيرة لكائن يودع الدنيا.. لا اخفيك انني منذ مات " الغرنوق " وانا اهجس بالموت، الموت ليس كفكرة بل بموتي انا، وهكذا اريد الحياة دفعة واحدة كجرعة ماء، والحياة ليست ماءا كما تعلم. أفكر باماكن طفولتي التي لن تعود افكر في ان روحي لن تستقر " من جنونها الفلكي " وهذا يدفعني الى المضي- كضربة يائس -في دروب دونما اتجاهات. هل من الممكن ان استلف حياتي من الكلمات والكلمات لا تصنع سوى الوهم .. الكلمات لا تصنع منا سوى اجزاء مبعثرة على ما تقول ياجرادي.الجرادي يريد العودة الى الشام فهل يستطيع؟ أستكون حياتي هكذا أيضاً؟ أفكر بما كتبه خالد المعالي لـ فاضل العزاوي عن الناصرة حين عاد لها فما وجدها فبكي شديدا.. ذهب الى الاماكن التي كانت حلما فما عادت هي. . لم يعرفه احد لا في الناصرة ولا في بغداد، سوى رجل مسن... أفكر هل سنمضي هكذا أيضاً ام ان حياتنا ستذهب بضربة خاطفة.. من سيارة عابرة مثلا؟ وانا الذي اخاف الدروب...... كنت حينما اركب الباص الى الرقة وانظر من شبّاكه الى الطريق، اشاهد الارض تسير في الاتجاه الآخر لسيرنا وكان يسكنني سؤال ولم اجد له اجابة : لمَ دائما تمضي الارض الى الوراء مبتعدة ؟وقد كنت اشعر ان تعبير " وكانت السيارة تنهب الارض" بليد، وغير حقيقي وفق مايراه البصر لان الارض هي التي تتراجع وهكذا تذهب اماكني بعيدا بعيدا ولا استطيع ان افعل شيئا. وأنا حزين يا إبراهيم..
مـو حـزن لـكن حـزين


* الحوار المتمدن-العدد: 2071 - 2007 / 10 / 17 - 11:30
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...