دخلت القطار وهي تداري نفسها من الهواء والمطر، وراحت تبحث عن مقعدٍ شاغر تجلس عليه بعدما أزالت قبعة معطفها المبللة عن رأسها. إنّها المرة الأولى التي تُسافر فيها وحدها، والمرة الأولى التي تُقرر الإتكال على ذكائها لاستخدام المواصلات في بلد غريب. ليست المرة الأولى التي تزور فيها اسطنبول، فزوجها قد لفّ بها العالم شرقًا وغربًا وجعلها تعيش رفاهية اكتشاف الأماكن برفقته. حسدها الجميع على الدلال الذي كانت تعيش فيه، لم تكن تقوم بأي عمل أو جهد أو حتى تُضطر للتفكير بحل لمشكلة قد تطرأ على حياتها، زوجها تكفّل بكل ما يعنيها ويخصّها.
من حظها أنّها جلست قرب النافذة لتشاهد الأماكن التي يمر بها القطار السريع قبل غروب الشمس. ومع تسارع المشاهد أمامها من مبانٍ وأشجار وسيارات، غرقت بعيدًا في ذكرياتها، وعادت بالزمن إلى لحظة أتى زوجها لخطبتها. كل ما تذكره أنّها كانت تلعب في غرفتها مع شقيقاتها واستدعتها والدتها لتُعرّفها على العريس، فتعرّفت عليه وعادت إلى غرفتها دون أي إحساس أو اهتمام. كان عمرها وقتها أربعة عشر عامًا، ولم تكن تكترث لفكرة الخطوبة والزواج، في الحقيقة هي لم تكن تكترث لشيء حتى لذهابها إلى المدرسة.
انسياقها مع الحياة لم يكن مُرتبطًا بهواجس وأحلام. اليوم هي تستغرب من سلبيتها هذه، اليوم فقط أدركت أنّها كانت تعيش سلبية جعلتها لا تُفكّر، ولا تُبدي رايًا في شيء، أدركت أنها قد غيّبت مشاعرها أمام حضور الآخرين وآرائهم ومشاعرهم. قد يعود الأمر لسلطة والديها عليها اللذين ربياها على السير وفق نظام مُعين ليس لها أي رأي فيه ولو حتى أي مجال للإعتراض. هي لا تنكر أنّ هذا الأمر أراحها، لأنّها كانت كسولة لتُتعِب نفسها بالتفكير والتحليل، اعتادت الرضا، ومن حسن حظ ذلك الرضا أنّه كان سلسًا لا مشاكل ولا اضطرابات فيه.
بعدما قابلت العريس في ذلك اليوم أخبرتها والدتها أنّه أصبح خطيبها، وهو من عائلة كبيرة ويعمل في الخارج لتكوين نفسه، وسيعود بعد مدة لعقد قرانه عليها. اكتفت بمعرفة هذه المعلومات عنه وابتسمت. انقضت الأيام والأشهر وتلتها سنة وسنتين، وأخبار العريس مُنقطعة لا أحد يعلم أي موعد لعودته. كانت الوالدة قلقة والوالد غاضب، وبدأ الأهل والجيران يثرثرون حول غياب العريس، أمّا هي فلم تكترث. أتاها خاطب آخر، لكن الوالدة رفضت لأنّها أعطت كلمتها لذلك العريس الغائب الذي تعرفه منذ طفولته وتعرف أسرته وأخلاقهم النبيلة. وعندما كانت تكثر الأحاديث حولها كانت لا تُبدي أي تفاعل تجاه الموضوع وكأنّه لا يعنيها. لم يكن لديها تفسير لبلادة العواطف تلك سوى أنها كانت سعيدة لأن زواجها قد تعطّل، لقد كانت مرتاحة في بيت والديها ولا تريد أن تُثقل نفسها بمسؤوليات الإرتباط. لم يكن وقتها الإتصال مُتاحًا لا سيما الخارجي، لكن العريس الغائب كان كل مدة يُصبرهم باتصال لا يتعدى الدقيقتين ليؤكد لهم التزامه.
عاد العريس أخيرًا بعد ثلاث سنوات مُحملًا بالهدايا والمجوهرات التي عوّضت نوعًا ما غيابه، وعقد قرانه عليها وأقام لها زفافًا كبيرًا وسافر بها إلى حيث مقر عمله. عاشت معه خمسة وثلاثين عامًا، وأنجبت منه أربعة أبناء، ولم يخطر على بالها يومًا سؤاله لماذا غاب عنها بعد خطبتها. ربما لم تزعج نفسها بالسؤال لأنها أدركت أن غيابه لتوفير المال، هو يعتمد التوفير بالأمور العاطفية ليقتني أثمن الأشياء، فالسفر لرؤية الإنسانة التي أحبها تُعد بالنسبة له كلفة لا طائل منها يمكن توفير نفقاتها لشراء قطعة أثاث فخمة. وقد كان لا يعود بها إلى الوطن إلا بعد انقضاء سنوات، للسبب نفسه، فرؤية الأهل والأقرباء أمور ثانوية ومكلفة. الغريب أنها هي أيضًا لم تشعر باشتياق الغربة تجاه أهلها وكانت تكتفي باتصال هاتفي معهم كل أسبوع، أقنعتها فكرة التوفير، لأنهم أصبحوا يُسافرون إلى بلدان أخرى يستكشفونها وتُضيف لأسلوب حياة الرفاهية التي يعيشونها.
وبينما هي سارحة تستعرض مشهد حياتها استأذنتها سيدة مُسنّة للجلوس قربها، تحدثت معها بالتركية التي تعرفها جيدًا لأن جدتها كانت تركية وكانت تحدثهم بلغتها، أخبرتها أنها سائحة وتنزل في فندق في منطقة «تقسيم» حيث اعتادت أن تنزل مع زوجها، وأرادت التجول واكتشاف مناطق أخرى لم تزرها سابقًا في اسطنبول. ساد صمتً بينهما واستكملت استذكار رحلة حياتها. نعم لقد كانت محظوظة بتلك الحياة حيث لا رأي لها بشيء ولا قرار لديها لتتخذه. وانقضت السنوات وكبر الأولاد وتزوجوا، ومات الزوج بنوبة قلبية. وفجأة وجدت نفسها وحيدة، وحيدة ومتفردة باتخاذ القرارات التي تعنيها والثياب التي يجب أن ترتديها. وجدت نفسها مُجبرة على النزول إلى السوق واختيار ما تحتاجه من أثاث ولباس ومأكل ومشرب. ولأوّل مرة في حياتها انتابتها أحاسيس تجاه الأماكن والأشياء، لأوّل مرة في حياتها عرفت معنى التفكير والقلق والإنشغال بالأمور التافهة والبسيطة التي تخصها. لأول مرة في حياتها تشعر بفرحة الاستقلالية باتخاذ قراراتها، لأول مرة عرفت معنى «الشعور». وهاهي قد رغبت بزيارة اسطنبول في الشتاء فحجزت بنفسها الفندق والتذكرة. صحيح أنها لا تعرف كيفية التنقل بالقطار، لكن بعض القلق والضياع لن يضرّها وستكتسب مغامرة جديدة هي التي لا تعلم معنى المغامرات. توقف القطار، نكزتها السيدة المُسنة التي كانت بقربها وأخبرتها أنها المحطة الأخيرة والقطار سيعود من حيث أتى. فتسمرت مكانها ولم تعرف ماذا تقرر. سألتها السيدة المُسنة أين وجهتها؟ ففتحت هاتفها وجعلتها تقرأ العنوان الذي كتبته لها صديقتها حيث المطعم الفخم الذي يقدم عشاء مميزًا. فصرخت السيدة المسنة: «هذا المطعم في المقلب الآخر من اسطنبول، وقد وصلنا إليه ونحن في منطقة بعيدة جدًا عن الفندق الذي تنزلين فيه. الأفضل لك أن تعودي بالقطار لأنّ الوقت قد تأخّر».
لم تجبها، صمتت قليلا ثم وقفت وأقفلت أزرار معطفها ووضعت القبعة على رأسها وقالت للسيدة المسنة: «سأنزل هنا ولن أعود مع القطار».
فسألتها السيدة المُسنة: «هل لديك أقرباء تبقين عندهم في هذا الليل وهذا الطقس العاصف؟».
فأجابتها: «لا سأبحث عن فندق أبيت فيه هذه الليلة ولن أعود مع القطار».
فأكدت عليها السيدة المُسنة: «لكننا أصبحنا في المقلب الآخر من اسطنبول».
فأجابتها: «لن أعود مع القطار، أريد البقاء في المقلب الآخر من اسطنبول».
9-1-2025
من حظها أنّها جلست قرب النافذة لتشاهد الأماكن التي يمر بها القطار السريع قبل غروب الشمس. ومع تسارع المشاهد أمامها من مبانٍ وأشجار وسيارات، غرقت بعيدًا في ذكرياتها، وعادت بالزمن إلى لحظة أتى زوجها لخطبتها. كل ما تذكره أنّها كانت تلعب في غرفتها مع شقيقاتها واستدعتها والدتها لتُعرّفها على العريس، فتعرّفت عليه وعادت إلى غرفتها دون أي إحساس أو اهتمام. كان عمرها وقتها أربعة عشر عامًا، ولم تكن تكترث لفكرة الخطوبة والزواج، في الحقيقة هي لم تكن تكترث لشيء حتى لذهابها إلى المدرسة.
انسياقها مع الحياة لم يكن مُرتبطًا بهواجس وأحلام. اليوم هي تستغرب من سلبيتها هذه، اليوم فقط أدركت أنّها كانت تعيش سلبية جعلتها لا تُفكّر، ولا تُبدي رايًا في شيء، أدركت أنها قد غيّبت مشاعرها أمام حضور الآخرين وآرائهم ومشاعرهم. قد يعود الأمر لسلطة والديها عليها اللذين ربياها على السير وفق نظام مُعين ليس لها أي رأي فيه ولو حتى أي مجال للإعتراض. هي لا تنكر أنّ هذا الأمر أراحها، لأنّها كانت كسولة لتُتعِب نفسها بالتفكير والتحليل، اعتادت الرضا، ومن حسن حظ ذلك الرضا أنّه كان سلسًا لا مشاكل ولا اضطرابات فيه.
بعدما قابلت العريس في ذلك اليوم أخبرتها والدتها أنّه أصبح خطيبها، وهو من عائلة كبيرة ويعمل في الخارج لتكوين نفسه، وسيعود بعد مدة لعقد قرانه عليها. اكتفت بمعرفة هذه المعلومات عنه وابتسمت. انقضت الأيام والأشهر وتلتها سنة وسنتين، وأخبار العريس مُنقطعة لا أحد يعلم أي موعد لعودته. كانت الوالدة قلقة والوالد غاضب، وبدأ الأهل والجيران يثرثرون حول غياب العريس، أمّا هي فلم تكترث. أتاها خاطب آخر، لكن الوالدة رفضت لأنّها أعطت كلمتها لذلك العريس الغائب الذي تعرفه منذ طفولته وتعرف أسرته وأخلاقهم النبيلة. وعندما كانت تكثر الأحاديث حولها كانت لا تُبدي أي تفاعل تجاه الموضوع وكأنّه لا يعنيها. لم يكن لديها تفسير لبلادة العواطف تلك سوى أنها كانت سعيدة لأن زواجها قد تعطّل، لقد كانت مرتاحة في بيت والديها ولا تريد أن تُثقل نفسها بمسؤوليات الإرتباط. لم يكن وقتها الإتصال مُتاحًا لا سيما الخارجي، لكن العريس الغائب كان كل مدة يُصبرهم باتصال لا يتعدى الدقيقتين ليؤكد لهم التزامه.
عاد العريس أخيرًا بعد ثلاث سنوات مُحملًا بالهدايا والمجوهرات التي عوّضت نوعًا ما غيابه، وعقد قرانه عليها وأقام لها زفافًا كبيرًا وسافر بها إلى حيث مقر عمله. عاشت معه خمسة وثلاثين عامًا، وأنجبت منه أربعة أبناء، ولم يخطر على بالها يومًا سؤاله لماذا غاب عنها بعد خطبتها. ربما لم تزعج نفسها بالسؤال لأنها أدركت أن غيابه لتوفير المال، هو يعتمد التوفير بالأمور العاطفية ليقتني أثمن الأشياء، فالسفر لرؤية الإنسانة التي أحبها تُعد بالنسبة له كلفة لا طائل منها يمكن توفير نفقاتها لشراء قطعة أثاث فخمة. وقد كان لا يعود بها إلى الوطن إلا بعد انقضاء سنوات، للسبب نفسه، فرؤية الأهل والأقرباء أمور ثانوية ومكلفة. الغريب أنها هي أيضًا لم تشعر باشتياق الغربة تجاه أهلها وكانت تكتفي باتصال هاتفي معهم كل أسبوع، أقنعتها فكرة التوفير، لأنهم أصبحوا يُسافرون إلى بلدان أخرى يستكشفونها وتُضيف لأسلوب حياة الرفاهية التي يعيشونها.
وبينما هي سارحة تستعرض مشهد حياتها استأذنتها سيدة مُسنّة للجلوس قربها، تحدثت معها بالتركية التي تعرفها جيدًا لأن جدتها كانت تركية وكانت تحدثهم بلغتها، أخبرتها أنها سائحة وتنزل في فندق في منطقة «تقسيم» حيث اعتادت أن تنزل مع زوجها، وأرادت التجول واكتشاف مناطق أخرى لم تزرها سابقًا في اسطنبول. ساد صمتً بينهما واستكملت استذكار رحلة حياتها. نعم لقد كانت محظوظة بتلك الحياة حيث لا رأي لها بشيء ولا قرار لديها لتتخذه. وانقضت السنوات وكبر الأولاد وتزوجوا، ومات الزوج بنوبة قلبية. وفجأة وجدت نفسها وحيدة، وحيدة ومتفردة باتخاذ القرارات التي تعنيها والثياب التي يجب أن ترتديها. وجدت نفسها مُجبرة على النزول إلى السوق واختيار ما تحتاجه من أثاث ولباس ومأكل ومشرب. ولأوّل مرة في حياتها انتابتها أحاسيس تجاه الأماكن والأشياء، لأوّل مرة في حياتها عرفت معنى التفكير والقلق والإنشغال بالأمور التافهة والبسيطة التي تخصها. لأول مرة في حياتها تشعر بفرحة الاستقلالية باتخاذ قراراتها، لأول مرة عرفت معنى «الشعور». وهاهي قد رغبت بزيارة اسطنبول في الشتاء فحجزت بنفسها الفندق والتذكرة. صحيح أنها لا تعرف كيفية التنقل بالقطار، لكن بعض القلق والضياع لن يضرّها وستكتسب مغامرة جديدة هي التي لا تعلم معنى المغامرات. توقف القطار، نكزتها السيدة المُسنة التي كانت بقربها وأخبرتها أنها المحطة الأخيرة والقطار سيعود من حيث أتى. فتسمرت مكانها ولم تعرف ماذا تقرر. سألتها السيدة المُسنة أين وجهتها؟ ففتحت هاتفها وجعلتها تقرأ العنوان الذي كتبته لها صديقتها حيث المطعم الفخم الذي يقدم عشاء مميزًا. فصرخت السيدة المسنة: «هذا المطعم في المقلب الآخر من اسطنبول، وقد وصلنا إليه ونحن في منطقة بعيدة جدًا عن الفندق الذي تنزلين فيه. الأفضل لك أن تعودي بالقطار لأنّ الوقت قد تأخّر».
لم تجبها، صمتت قليلا ثم وقفت وأقفلت أزرار معطفها ووضعت القبعة على رأسها وقالت للسيدة المسنة: «سأنزل هنا ولن أعود مع القطار».
فسألتها السيدة المُسنة: «هل لديك أقرباء تبقين عندهم في هذا الليل وهذا الطقس العاصف؟».
فأجابتها: «لا سأبحث عن فندق أبيت فيه هذه الليلة ولن أعود مع القطار».
فأكدت عليها السيدة المُسنة: «لكننا أصبحنا في المقلب الآخر من اسطنبول».
فأجابتها: «لن أعود مع القطار، أريد البقاء في المقلب الآخر من اسطنبول».
9-1-2025