عبدالله البقالي - متاعب السيد " جزمان"

إلى كل الغشاشين في مختلف الامتحانات بمن فيهم ممثل الأمة.


لا يخاطب ساه. فالكلمات مشحونة بطاقة، و الطاقة لا يجب أن تصرف فيما لا نفع وراءه. و لكي يتأكد من أنه لا يهدرها ، يفاجئ محدثه دوما بسؤال غير متوقع، ويترك له ما يكفي من الوقت كي يرد وهو ينظر إليه حيث لا تستطيع النظارة الطبية السميكة إخفاء البريق الذي يشع من عينيه.
ليست مهمة التدريس وحدها ما كاتت وراء تلك الخبرة. بل إن عوامل ذاتية صرفة هي التي جعلته صاحب فلسفة ترى أن مشاكل الكون برمته متفرعة عن قضية وحيدة مختصرة في رؤى الرعاع و رؤى النبلاء للأشياء.
الرعاع مختصرون في الكلمة التي تخصهم و هي الكلمة التي يرددها مرارا ضاغطا أكثر على حرف العين ليبرز الخشونة و النفور و الغلظة الكامنة فيها. و الانقباض الذي تحدثه في النفس. ثم يستعرض كلمة " نبلاء" مستشعرا محدثه نعومة الحروف و السلاسة و الرقة الكامنة فيها.
لا شىء اجتهد فيه السيد جزمان أكثر من اجتهاده في تصخيم سمك الجدار الفاصل بين ما اعتبره تجليا لثقافة الرعاع و مظاهر النبل الذي كان يوحي بالانتماء إليه من خلال مظهر أنيق و محترم. و خطوات متزنة محسوبة بدقة.، مع نظرات خاصة تلقى على هذه الجهة أو تلك بشلك مدروس و ملامح معبرة يحرص ان تبرز البون الحاصل بين ما كان يفترض فيه أن يكون، و بين ماهوكائن بالفعل.
السيد جزمان يضيف لكل هذا ترسانة من عناوين الصحف التي يتأبطها باستمرار، و أحيانا كتب يحتضنها بالكثير من الرقة و المودة وهو في طريقه إلى المقهى الذي يهرع النادل لدى رؤيته لتنظيف الطاولة و المقعد الذي سيجلس عليه. و قبل جلسه يتفحص بدقة الطاولة و الكرسي ليتأكد من أن النادل قام بالواجب على أكمل وجه. و قد لا يتردد في مطالبته بأن ينظف بعض الزوايا . و قد يتطرف أكثر أحيانا و لا يحس بأي حرج وهو يسرع لغسل يديه على مرأى من مصافح له وهو لا يزال يتحدث معه.
متاعب السيد جزمان تفاقمت أكثر مع الزمن عوض أن تتقلص. و يرجع المقربون منه ذلك لون انفتاح مراكز العالم على هوامشها أتى بنتيجة عكسية حين توسع مطاق الرعاع ليصبح النبل مجرد صور تذكارية لمخلوقات انقرضت. لكن هذا ليس هو عنصر التأزيم الوحيد إذ هناك قضايا كثيرة جعلت معارك تحضيره للعالم تتنتكس و تتراجع خطوات إلى الوراء. و يفيد العارفون أن السيد جزمان كان يستطيع تفهم رعاعية الهامشيين و سذاجتهم. وهو كان احيانا يحس بالإشفاق عليهم ، لكنه لم يكن مستعدا مطلقا لرؤية الرعاعية تستقطب من ينتسبون للمعاهد و أصحاب الشهادات.
مشكلة السيد جزمان الحادة ابتدأت من داخل مجال وظيفته حين استدعي لاجتياز مباراة نجاحه فيها يمكنه من تحسين وضعيته المادية. وهو انتظر طويلا هذه اللحظة من أجل الخروج من ضيقه الذي عمر لسنوات طوال. هذا التحسن كان يراه من باب تحصيل حاصل. فهو معروف بستواه العلمي الرفيع، و الاطلاع و المواكبة الجيدة لما يستجد في مجال الفكر. و يضيف لهذا خبرة ميدانية كانت تجعله أكثر رقيا من مؤطريه أنفسهم حسب اعتقاده.
في المرة الأولى التي حضر فيها لاجتياز الامتحان، لم يجد مسلكا الى تركيزه. إذ لم يستطع أن يتجاهل زملاء له مدججين بالقصاصات التي كانوا يخرجونها من كل اطراف أجسامهم.
لم يصدق في بادىء الأمر. لكنه حين تأكد ، لم يعرف ما الذي يجب القيام به. نادى أحد الحراس و طلب منه أن يصفعه. الحارس سأله مندهشا عن السبب. فأوضح له أنه يرغب في أن يتأكد أنه في لحظة صحو، و أنه ليس تحت تأثيىر كابوس.
أومأ الحارس برأسه بالآيجاب، فاشتعل السيد جزمان غضبا و أسرع إلى حيث يخبىء أحد الأساتذة بعض القصاصات . سحبها بقوة ورمى بها في وجه المراقب و قال منفجرا: كيف تزعم أني في لحظة صحو و قد عهدت هذا السلوك من تصرفات التلاميذ الرعاع في الأزمنة السحيقة ؟ ماذا سنقول غدا و بعد غد للعالم ؟ هل انتهى كل شيء؟
تجددت ثورات السيد جزمان في دورات كثيرة . و مزق في آخرها كل أوراقه بما في ذلك بطاقة تعريفه الشخصية . و اختفى لزمن عن الأنظار. غير أنه تردد أخيرا أنه شوهد وهو يدخل إحدى قاعات الامتحان و هو يحمل عددا كبيرا من الكتب و المراجع.



* Zum Anzeigen anmelden oder registrieren

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...