عباس علي عبود - فتاة البحــر

ينساب الزورق على صفحة المياه الرمادية، المتوهِّجة تحت أشعة الشمس المتعامدة. تشدُّها أنفاسها إلى الساحل الصخري المتصاعد. تابعتْ خطوط الظلال التي تتمحور، تتعرج ثم تمضي، والأفق عارٍ إلا من عناق السموات، ولا نهائية الرماد المتوهِّج. اتسقتْ مع ظلِّها المنساب على إيقاع المجاديف، يتململ بين مسامها هدير الطبول. تركتْ التجديف لبرهةٍ والتفتت إلى الوراء. شيءٌ ما ركض نحو الساحل، عانق النتوءات الصلدة، تقاطع معها. ارتعشتْ فانتظمت إيقاعاتها الحيوية في رزمٍ واحد. أبرقت عيناها ثم انطلقت من صدرها صرخاتٌ جارحة، تردَّدت أصداؤها.. وكأنَّ الحصى يهتزُّ بين التجاويف، والصخور الصلدة تسبح كسحابةٍ شفيفة..
شهقتْ
أبصرت حبيبها بين الوهم واليقين
عند ساحة الأعياد
مشنوقاً على حبلٍ متين
وحوله فوضى الجموع وتراتيلها
والشمس فوق رأسه المنكّس تماماً.
ينساب الزورق مع النسمات الهادئة. اشتعلت ذاكرتها كبريق الأحداق اللهفى على أفق الغريق، تناوش خاطرها الأطياف، تنداح دوائر الخوف، والسطح ساكنٌ أو يكاد..
في العام الماضي أشار إليها السلطان عند ذروة الاحتفالات، بينما حبيبها بقربها يرتل همساً أناشيد العشق والانتماء. ظلَّ حملة المباخر يطوفون حول الأجساد اللامعة، المتموِّجة بين الإيقاع والصدى. تترجرج أرداف الصبايا وأثداؤهن البكرة سابحةٌ في الغبار. اهتزَّت الرماح بأكفّ الفتيان، بينما اصطف فريقان متحاربان حول كلّ منهما دائرةٌ من الرجال والنساء، الصبايا والأطفال. عند الأصيل حضر السلطان في جلدٍ ناعم الصوف، عليه نقاطٌ سوداء، وفوق رأسه تاجٌ من الريش. يحيطه ثلاثة من أبنائه الفتيان، تعلو رؤوسهم قرون الغزلان، وخلفه حشدٌ من نسائه. اتسعت الدائرتان حتى التحمتا في دائرةٍ واسعة، تردّد إيقاعات الحرب المتواترة.. تلمع أجساد الفتيات تحت أضواء الشمس الغاربة. تقدم محاربٌ من كل فريق، قفز عالياً مصوباً رمحه إلى خصمه. التحم الفريقان وسط الزغاريد وهدير الطبول. انتهت المعركة الوهمية بسقوط عددٍ من القتلى والجرحى.
عامٌ كاملٌ وحياتها طقوس؛ ِلتُزفَّ اليوم إلى سلطان الديار والقبيلة. تستحم عند الغروب، يحيطها رهطٌ من الصبايا اللائي يخدمنها. وفي ليالي الصيف المقمرة، تنام عاريةً على حصيرٍ داخل حجرةٍ بلا سقف، مشيَّدة من جذوع الأشجار، تعاون في بنائها المحاربون المنتصرون في الاحتفال الماضي. وعندما يكتمل القمر بدراً، تتسلل إلى الساحل عند الشجرة المنغرسة في الصخر، شامخةً حزينة، تحتضن بين أوراقها براءة الطفولة، وأسرار الصبا. وتجد حبيبها كعادته راكعاً على ركبتيه، ممشوق الظهر، شاخصاً ببصره، يناجي الشعاع المنسكب على خضرة الأوراق الداكنة. تجلس بجانبه، تسند رأسها على كتفه ويستغرقان في الصمت والليل. وعند الهزيع الأخير من الليل تتسلّل عائدةً إلى مهجعها.
ليلة البارحة والقمر يكتمل بدراً، تمدَّدت على تضاريس الأمل. نهدان طامحان للنجوم، وذرات الرَّمل المرتوية من الشعاع المنسكب تداعب ظهرها. كان حبيبها مضطجعاً بجانبها حين همس في أذنها وهدير الموج يلوِّن بياض المساحات المترامية بصخبٍ عنيد: ((قريباً، سأرتحل مع الأنوار الفضية، إلى حيث لا غضب؛ ولا تمـنِّي))..
ينساب الزورق المدوزن مع السكون على سطحٍ يختزن الفوران. نسمةٌ باردةٌ لاطفت وجنتيها ودبيب الخطر يداعب شفتيها. تحرَّك اللسان قليلاً ثم سكن، فتلاشت الحروف قبيل أن تلامس الهواء. تمدَّد إحساس الخطر إلى رئتيها، سرى مع الشهيق والزفير، وطفحت حبيبات العرق على جبينها.. اندسـتْ بجوف الزورق تشعُّ عيناها بريقاً خافتاً. ناوشت بصرها الأطياف، تراقصت، تآلفت؛ كوَّنت وجهاً غائراً في الانبهار. دنا منها، مسَّ بشفتيه خصلات شعرها فانتظمت أنفاسها ودقات قلبها. قبَّل جبينها فاتسقت إيقاعاتها الحيوية..
كانت أشعة الشمس تتلألأ على زرقة البحر الفاقعة. تنداح مع الأمواج الهادئة، المتكسرة على الآلة العملاقة الجاثمة فوق السطح. على شاشاتٍ إلكترونية بحجرة التحكُّم تتابعت معلوماتٌ وصور:
جذعُ شجرةٍ منحوت
على بعد 7733 متراً من السفينة، 2267 متراً من أقرب نقطةٍ على الساحل
بالزورق فتاةٌ عاريةٌ إلا من إزارٍ حول وسطها، نائمةٌ أو مغمى عليها
موجاتٌ من القوى المجهولة تنطلق من هناك!
لثلاثين ثانية عمَّ الظلام السفينة. تعطلت لحظياًّ الأدمغة الآلية المتحكمة في عمل المحركات، ومختبرات أبحاث الأعماق بواسطة المجالات الكهرومغناطيسية، وخلايا تجميع وتخزين طاقة الشمس، التي تسيِّر كافة الأجهزة والمعدات. وبعد تسعين ثانية وصلت رسالةٌ إلكترونية إلى مركز أبحاث الأعماق في الميناء البعيد:
فتاةٌ قادمةٌ من المجهول!
على جذعٍ منحوت
عاريةٌ إلا من إزار
الوصول: 19.00
الميناء الجوي العائم
من خلف الأسوار المطوقة بالصحفيين، والمصورين، عرضت إحدى القنوات التلفزيونية صورةً لفتاة البحر، والتقرير الأوَّلي الصادر من المستشفى:
سليمة الجسم
كاملة الأسنان
عذراء
خاليةٌ من فيروس العوز المناعي
الطول 162 سنتيمتر
الوزن 55 كيلوجرام.
عبر وسائل الاتصال المتعددة انتشرت أخبارها إلى جميع أركان المعمورة. توالت المسيرات، الاجتماعات، الخطب، المقالات الصحفية، نداءات المنظمات الشعبية، والدولية. وتواترت الدعوات من جميع الجهات: كهنة الديانات السماوية والأرضية، طلائع عصر النشوء الذاتي، شبيبة المراقص ومشجعي كرة القدم، سيدات الصالونات الأنيقة وفتيات الأرصفة.. في الصحارى والسهول ومدن الضباب. اختلط رنين الأجراس مع ابتهالات الصلوات. تناغمت أصواتهم جميعاً في ترنيمةٍ واحدة: ((أطلقوا سراح فتاة البحر، أطلقوا سراحها، أطلقوها)).. وبينما الحيرة تلف الجميع، تواترت الأسئلة والاحتمالات:
من أين أتوا بها؟!
إلى أىِّ المناخات تنتمي؟
لماذا احتجزوها في المستشفى؟
هل صحيحٌ أنَّ تجارب تُجْرَى عليها؟!
لا أحد يدري؛ الغموض سيِّدُ الموقف. تحوَّلت الساحة أمام المستشفى إلى ما يشبه المزار المقدس أيام الأعياد. طوال ساعات الليل والنهار لا تنقطع السيول البشرية المتدفقة عليها. خيامٌ صغيرةٌ نُصِبَتْ، دراجاتٌ بخاريةٌ يدور بها مراهقون حول الجموع، ترفرف فوق رؤوسهم بيارق ملونة، طُبِعَتْ على قمصانهم صورة فتاة البحر وعبارة أطلقوا سراحها بلغاتٍ متعددة. دوائر من الراقصين والعازفين.. تتردّد عبارة فتاة البحر بلغاتٍ ولكناتٍ متعدّدة. أستاذ الباراسيكولجي بالجامعة التابع لها المستشفى أعلن إضراباً عن الطعام، افترش الرصيف وسط الجموع معتصماً بالصمت أمام الصحفيين. وبينما الظهيرةُ جاثيةٌ تحت الأقدام الصاخبة، دخل رجلٌ كث اللحية، مسترسل الشعر، وسط إحدى الحلقات الراقصة. أخرج مسدساً من جيب سترته، صوّبه إلى صدغه، دار دورةً كاملة حول نفسه؛ دوى طلقٌ ناريٌ خرَّ على أثره صريعاً.
صدر التقرير الثالث من المستشفى بينما النداءات والأناشيد تهزُّ الجدران العالية: أنجز الدماغ الآلي عمليات رصد، وتدوين، وتحليل الصور الذهنية لفتاة البحر في حالتي الحلم واليقظة. عشرون منها في حالة اليقظة:
٭ سبع صورٍ لرأسٍ بلا ملامح معلق على حبلٍ يمتد إلى أعلى، توزعت كالآتي:
ثلاث صور: الرأس شاخصٌ لأعلى
ثلاث صور: الرأس منكسٌ إلى أسفل
صورة واحدة: الرأس منحن على الكتف الأيسر
٭ ثلاث عشرة صورة لفتى وفتاةٍ في مراحل مختلفة من العمر. مرةً على أغصان شجرةٍ، ومرةً على الرمال تحت الضياء.
٭ عشرون صورةً من الأحلام، كلها عن حشودٍ راقصةٍ حول مغارةٍ عند سفح جبل، ووجه امرأةٍ يتألق وسط اللهيب.
جمعية أصدقاء الموتى أقامت حلقة حوارٍ في طرف الساحة المكتظّة. اعتلى خطيبهم مقعداً خشبياً، حيَّا المتحلقين بصوتٍ هامس، ثم تلا نص الرسالة الأخيرة، من الزوج إلى زوجته، التي سطرها قبل انتحاره بساعةٍ واحدة:
((أعرف أنَّ الظلال تمتدُّ بيننا. ذات ليلةٍ كثيفة الإيقاع التقينا على مشارف الروح.. ولكن! ما مصير الملايين المندحرين تحت وطأة الآيديولوجيا، أو أنظمة القمع المتدثرة بالوقار؟ ليس ثمَّة حاجةٌ لانحطاطٍ أكثر. ثمَّة معنىً ما، قوةٌ تمتلك الحكمة والجبروت، إلا أنَّ كل ذلك لا يدفع بالضرورة للاستسلام. الشجيرات الباكية على تخوم الصحاري تضاجع السراب، وتدمع شوكاً. أسائرةٌ هي على دروب الضرورة، أم على دروب الحرية؟! ليس باستطاعة أحدٍ الانفلات من شهوة الاحتضار، ومؤسسة المجتمع، هي المحرقة الرهيبة، التي تدمغ الأفراد بوشم القطيع. من حقي أن لا أكلم أحداً، وأن لا يكلمني أحد. لسنا في حاجةٍ إلى دموعٍ جديدة، ولا وعد بابتسامةٍ على ثغر الصباح، أو على ثغرك يا عزيزتي..
عند الظهيرةِ
سأدركُ حريتي كاملةً
خارج التابوت
نعم
خارج التاريخ المثخن بالأكذوبة!))..
بعد صمتٍ قصير، تواترت الهمهمات.. ثم ارتفع صوت امرأةٍ تقول:
- مالنا والآخرين، إنَّه اختار طريقه، ولكن هناك رهينةً خلف الأسوار العالية.. تلك هي قضيتنا. نعم أيها السادة، إنَّ قضيتنا واحدة: أطلقوا سراح فتاة البحر، أطلقوا سراحها، أط..
تنحنح الخطيب مشيراً بسبابته إلى المرأة:
- اهدئي قليلاً أيتها السيدة، لدينا ما نقوله.
صوتٌ من وسط الحلقة الكثيفة يعترض:
- بل هي قضيتنا أيها السادة. إنَّ فتاة البحر هربت من بلادها، فدفع عشيقها الثمن، كما تقول التكهنات، استناداً على آخر التقارير. وبالأمس ضحى أحدهم بنفسه، طائعاً، مختاراً؛ فداءً لها.
صوتٌ ثالث يقول:
- إنَّ فتاة البحر لم تهرب، لكنَّها اقتُلِعَتْ قسراً من بيئتها ومحيطها..
تسربت كلماتهم حائرةً إلى مفاصل المدينة. افترشت الحصى، مع النائمين على حواف طرق المرور السريع. تمددَّت مع سواعد التسول، عند مراكز اللاهوت، والجمعيات الخيرية. تشابكت مع كلمات اللقاء الصحفي، التي ردّدتها الأجهزة طوال النهار، ونشرتها صحف العالم بلغاتٍ عدة:
- لماذا انتحر زوجك؟
- ..
- هل كنتما سعيدين؟
- كان مشغولاً بالرسم وكنتُ أكمل أبحاثي في التحليل النفسي بواسطة الأدمغة الإلكترونية.
- بعد انتحار زوجك أقدمتِ على الاستقالة من العمل بذات المستشفى التي تحتجز فتاة البحر!
- ..
- يقال إنَّك شريكٌ في التجارب التي تُجْرَى عليها؟!
- ليس صحيحاً.
في بداية الأسبوع الرابع صدر التقرير الختامي من المستشفى: تمَّ إعداد فتاة البحر لتمارس حياتها الطبيعية بيننا، ولكن داهمتها أخيراً موجاتٌ هستيريةٌ فَنُقِلَتْ إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية..
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...