مقتطف عذري مازغ - العفة أو الصدمة

أحيانا أنشر نصوصا لي من مشروع روايتي "دائرة المشردين" قصد الإطلاع على بعض الأراء التي ربما تغنيني في إكمالها، أروم فقط إلى تصحيح منهجي في الرواية التي أعتمد فيها مقاطع عن شخصيات مختلفة، لكل فيها عالمه، لكن في الاخير تتوحد في وضع اجتماعي خاص هو ما يمثل وحدة موضوع الرواية وهو الإنسان المشرد سواء بسبب المجاعة، الحرب أو الأوضاع الاجتماعية بشكل عام أو الهجرة سواء كانت داخلية أم خارجية وغير ذلك، الرواية مستقاة من تجربة شخصية بالمهجر وشخصياتها غالبا واقعية وأعرفهم معرفة خاصة وملم حتى يتقافتهم برغم الاختلاف بيني وبينهم..


كان يستعد للخروج ففتش جيبه ليرى هل يملك ثمن علبة سجائر، سقط سنتين من يده فانحنى لأخذه لكن النقد تدحرج إلى تحت سريره، فكر مليا: اللعنة! ثم عدل عن اخذ القطعة عجزا منه في رفع السرير، التفت إلى صديقته ماريا التي كانت تتفحصه بعينيها تعجبا من عجزه: "هل تريد أن أعيدها لك فأنا حية لم أصل بعد درجة الموت التي وصلتها أنت؟"

ــ دعيها ربما تأتي بحظ كما كانت إكس زوجتي تقول!

تذكر فجأة زوجته الأوكرانية التي برغم أنها من الحقبة الشيوعية كانت تؤمن بالحظ والنحس وقلب الحذاء، وكانت مرات ترمي النقود تحت سريرها وفي الزوايا السلبية لبيتها املا ان تأتي بحظ، أما هو فكان ينتظر خروجها ليلتقط تلك القطع ويشتري زجاجة فودكا بلدية يستعين بها على طقس أوكرانيا البارد، وكان يسرق فقط تلك النقود التي تقع تحت السرير حتى لا تكتشفه " لوبا"، لأنه سابقا حدثت بينهما خصومات حول أخذ نقود حظها، وكان حينها يدافع بشراسة ويعتبر النقود التي ترميها في جنبات بيتها هي أيضا حظ له وهو كرجل حظ لها، كانت لوبا تتقبل هذه المزحة وترى فيها عربون حب، لكن عندما هاجر إلى أوربا وبعد سنتين من تجمعهما بالمهجر أصبحت لا تطيقه واصبحت لا تطيق حتى رائحة الفودكا أيضا لأن العمل في الحقول البلاستيكية الساخنة تقتل شارب الفودكا بشكل أصبح ميخائيل شخصا لا يطاق وأصبحت خرافته الجميلة كونه حظ لها لا تدخل مخها. وكان أن ضبطته ذات يوم يحتسي الجعة مع صديقات أخريات، اخذت له صورة معهن حيث هو لا يدري وانتظرته في المنزل، وعندما دخل في ليلة مقمرة عليها فجرت الصورة في وجهه وحدثته أنها تزوجته وهي عفيفة لم يلمسها رجل قبله وانها على الرغم من انه شخص لا يطاق لا زالت تحت قسم الزوجية المسيحي، لكن الذي رأته وصورته هو أمر لا يطاق بالنسبة لها، اما هو فرد الشتم بالشتيمة، أخبرها بأنها عفيفة لأن لا أحد كان يهتم بها : "لو كنت جميلة كما تعتقدين لاهتم بك اكثر من بائس مثلي"

كانت الإهانة قوية عليها فطردته وأقسمت أن لا تراه كما أقسمت أنه عدم بالنسبة لها.. بعد مرور وقت طويل، هاتفها ذات يوم ملتمسا العفو، لكنها حاورته بجدية، قالت له بأنها نسيته وانها ارتبطت بغيره، وأن أبناءهما بأوكرانيا نضجوا وتزوجوا ولا هم لهم بعلاقتهما الزوجية، وهم فوق كل ذلك يدعمون استقلاليتها لأنها هي من تحملت العبء الأكبر في تربيتهم وان ابنتها الأكبر ناتاشا لا تطيقه كأب حتى، وهو الشيء الذي لم يصدقه حيث توجه إلى شقتها بعد المكالمة ليجد انوطونيو نائما بالفعل في السرير نفسه الذي كان ينام فيه معها: "اللعنة لإسبانيا ذات القيم الليبيرالية!"

ــ اللعنة لأوكرانيا ذات القيم العفيفة، ردت عليه، لم اتذوق طعم الجنس إلا مع رجل آخر غيرك، حتى الرعشة الجنسية لم أكن اعرف وجودها إلا مع رجل آخر، كنت مخدوعا فيك طوال كل هذا الوقت، لم تسألني يوما هل استمتع معك ام لا، كنت مغرورا بعفتي، وكان عفتي عندك هي عجزي عن نسج علاقات أخرى

كانت امرأة عفيفة لأنها بالفعل كانت مسيحية حقيقية وتنتمي إلى أسرة محافظة، اما هو فكانت الفودكا قد مسحت كل شيء فيه يحيل إلى المبدأ سواء كان شيوعيا او فوضويا أو رأسماليا أو حتى مسيحيا، كان عبارة عن خزان يملأ بالفودكا، اما ماريا الإسبانية المأخوذة بسحنته الشقراء فهي الأخرى بدأت تضجر من عشرته، لقد راعها عجزه على أخذ قطعة نقد صغيرة.

تعرف ميكائيل على ماريا في ملجأ ب"باراكالدو" وهي بلدية بإقليم بلباو الباسكي، كان قد هاجر إليها بعيدا عن إكس زوجته "لوبا"، لأنه لم يعد يطيق الإهانة بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي طعنت فيه عفة سريره، لقد أكتشف فجاة انه مجرد برميل فودكا وأراد أن يحدث قفزة، لكن سنوات العمر الطويلة، كونه قد هرم أفقده قوة انطلاقة جديدة لينتهي الأمر به في ملجأ

تعليقات

نص سردي جذاب بلغة شفيفة واسلوب رائق ، ضمنته حوارا راقيا في اسلوبيته بين ثلاث ذوات ، عمل فيه التشويق والمباغثة أثرا ساعد على تكثيف الحبكة الدرامية والتوغل في اعماق المجتمع المهجري ، واستقصاء نفسية المهاجر وبسط معاناته ومكابداته مع الغربة وطمر أوصابه و همومه في الكحول والجنس..
 
اعتز كثيرا بقراءتك الجميلة التي تكشف لي أشياء لم اكن واعيا بها، زارني في إسبانيا صديق ملم بالأدب، عندما تكلمنا كثيرا، نصحني بان أكتب لأن سردي الشفهي ممتع بحسبه ، في الحقيقة، هو من دفعني للكتابة ، لك كل تحياتي الأستاذ نقوس المهدي
 


تحية اخي الاديب عذري مازغ
المتحدث اللبق يكتسب بالضرورة المخيال الوارف وفضاء الحكي الواسع والرحب.. تبقى اللغة الوعاء الضروري لاحتواء الحكي .. والعبارات مطروحة على قارعة الطريق كما يقول تقريبا جدنا الموسوعي أبو عثمان عمرو بن بحر، وأنا حينما أدليت برأيي المتواضع بخصوص نصك المائز احتكمت الى ذائقتي الادبية ، وأشاطر صديقك الرأي ، واشجعك على استكمال الحكي ، فالرواية تتيح حرية أوسع في البوح والتذكر والتخيل
قرأت نصوصك الحقوقية والسردية الاخرى وأثارني مواقفك الشجاعة وحدتها ومضامينها، وجرأتك في تناول المواضيع السوسيولوجية والقضايا الاثنية والدفاع عن وجهة نظرك باستماتة ونكران الذات..
كامل التوفيق

محبات
 
بكل صدق، لا اعرف كيف اشكرك، انت والصديق المغربي الذي زارني في إسبانيا وناقد سوداني عرف ادب لغتي ، لكم جميعا كل محبتي
 
أنا شخصيا من الفلسفة ولست من الادب وتخصصي هو بالتحديد الفلسفة النظرية



نعم اخي ، ليس هناك تعارض بين الفلسفة والادب ، برغم من ان افلاطون له رأي مغاير تماما .. بل نجد بان الفلاسفة والاطباء والمهندسين وعلماء النفس كتبوا روايات عظيمة مبنية على الافكار والمعادلات والتخرصات والتنبؤات والخيالات العلمية

كل التوفيق
 
إلى أخي عذري مازغ،
لقد راق لي حقا مقتطف رواياتك. سلاسة السرد و اعتماده على المخيلة البصرية يحث القارئ على تتبع الحبكة الدرامية إلى آخرها.
أعجبني بناء النص الذي يذكر بمنطلق المشهد: "لقد راعها عجزه على أخذ قطعة نقد صغيرة." كأن السرير و قطعة النقد رمزان إلى حال تيهان المهاجر في بحثه عن الرزق.
اتمنى لك استرسالاً ممتعاً في الكتابة و لقرائك مثله بعد حين !
السلام عليكم.
 
جزيل الشكر أستاذي ياسين الخرساني على ذوقك وقراءتك المشجعة لي شخصيا في متابعة سرد هذه الرواية
لك كل تحياتي
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...