د. نادية هناوي - استنهاض المهمش والمهمل في شعر مظفر النواب

ليس من الغريب أن تقام خيم في سوح الاعتصام باسم الشاعر مظفر النواب، نظرا لما في قصيدته من سمات تعزز الحراك المنتفض

مذكية مشاعر الاحتجاج ومصعدة الوعي ومشيعة الثقة في نفوس الثائرين على الظلم المطالبين بالحقوق والناقمين على حكومة أضاعت البلاد وأهدرت الأموال وأشاعت النعرة الطائفية والمحاصصة السياسية.

وما كان لشعر مظفر النواب أن يكون حاضراً لولا تمتعه بشاعرية جعلته يتفرد عن سائر مجايليه وكذلك الذين آتوا من بعده. فعلى الرغم من أن أكثر مجايليه كانوا معنين بجمود القصيدة العمودية باحثين عن التجديد في الاوزان مهتدين إلى التحرر من القافية؛ فإنهم ظلوا في حدود توظيف الاوزان المستعملة مما تتضمنه بحور الشعر الستة عشر، وهو ما تجاوزه النواب متمرداً على الحاضنة الرسمية البطرياركية فنياً وثقافيا، مفيداً من إمكانيات الشعر العربي الايقاعية التي أهملها المتمسكون بالبحور المستعملة الذين حال ولاؤهم لهذه الحاضنة وخضوعهم لمقتضى مواضعاتها دون الاهتداء إلى توظيفها، وهكذا أنتج النواب قصيدة الشعر الشعبي الحر، لتكون جنبا إلى جنب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

وقد اعترفت المنظومة الرسمية بقصيدة التفعيلة لتمسكها بالمستعمل والمتداول من الاوزان وبقصيدة النثر للالتزامها بالفصحى، بينما أحجمت عن الاعتراف بقصيدة الشعر الشعبي الحر، فلم تُقرن منجزات الشعر الشعبي الفنية بالمنجزات الفنية للشعر الفصيح، وهكذا انحصرت الريادة في الحداثة الشعرية في الثلاثي الملائكة والسياب والبياتي وأُبعد النواب عنها.

وعلى الرغم من قلة دواوين النواب وتباعد أزمان نشرها؛ فإنها خُلدت وهي تتداول بين المثقفين وغير المثقفين وتستقطب الشباب وغير الشباب وتغنى ويستشهد بها في مختلف المحافل. ومرد خلود قصيدته عائد الى ما قام به من تخط لقواعد المنظومة الرسمية مرسخا ايقاعات مميزة قريبة من روح العامة مما كانت العرب تستعمله في كلامها قديما شعرا ونثر وسجعا، لكن تلك الاستعمالات لم تُعتمد رسميا ضمن دوائر العروض المعروفة مما أدى الى إهمالها ونسيانها.

والشعراء الشعبيون بحسهم الفطري وبعدهم عن الولاء للمنظومة الثقافية الرسمية اهتدوا إلى الايقاعات المهملة واستعملوها في قصائدهم. وكثير من تلك الايقاعات يقترب أو يشتق من بحور الشعر المعروفة باستثناء بحر المديد بسبب صعوبته.

وأكثر بحور الشعر التي منها يضع الشعراء الشعبيون أيديهم على المهمل من الأوزان هو بحر الرجز الذي يمثل المنطقة البينية بين الشعر والنثر، وقد يأنف بعض الشعراء من النظم بهذا البحر نظراً لسهولته، ولما فيه من المشطور والمجزوء والمنهوك، وما قد ينتج عن ذلك من اعتلالات وزنية وزحافات يخشاها شعراء الفصيح ولاسيما شعراء القصيدة الكلاسيكية. أما شعراء قصيدة التفعيلة الذين شبوا عن طوق المنظومة الرسمية فلا يترددون من توظيف الرجز في قصائدهم، فالسياب مثلا نظم على بحر الرجز قصيدته ذائعة الصيت انشودة المطر. والغالب أن شعراء التفعيلة ظلوا متحفظين من استعمال ايقاعات الرجز ذات التشكيلات الوزنية المهملة، بينما أفاد الشعراء الشعبيون من تنوع أضرب الرجز وعروضه، لكنهم لم ينظموا على حد علمي في كل أوزان الرجز؛ وإنما اقتصروا على أهمها ومنها وزن الميمر ووزن المجرشة الذي أيقظه ملا عبود الكرخي من رقاده وأزال عنه الإهمال.

ونظم النواب على هذا الوزن قصيدته زرازير البراري، ومنها قوله:( جفنك جنح فراشة غض وحجارة جفني وما غمض / يلتمشي بيه، ويه النبض روحي اعله روحك تنسحن/ حن بويه حن) ومما نظمه النواب على وزن الهزج من بحر الوافر قصيدته( مضايف هيل) وكتب على بحر الرمل قصيدته براءة ونظم على مجزوء بحر البسيط قصيدته( للريل وحمد)، منها قوله:( مرينا بيكم حمد واحنا بغطار الليل/ واسمعنه دك اكهوة وشمينه ريحة هيل)

وإلى جانب هذا التحديث الشعري المتفرد في الايقاع تميز مظفر النواب بتحديث شعري من نوع آخر هو ادخال القصيدة العربية إلى منطقة الهامش الذي تمثله الشعبوية، صانعاً بذلك متكأ رؤيوياً جديداً لمستقبل القصيدة العربية يخالف ما أرادته وتريده الحاضنة الرسمية التي ترى الهامش دونيا ومبتذلا.

وما كان للنواب أن يكون مضاداً للمنظومة الرسمية ويدخل عالم الهامش لولا تمرده الشعري الذي جسدته قصيدته المقتحمة لموضوعات غير تقليدية منزوعة بجرأة من صميم واقع المهمشين والمقموعين، والمؤثرة في النفوس بصورها المبتكرة والاصيلة وروحها الشعرية المتجددة وما فيها من بلاغة المعنى والايجاز المكتنز الوافي.

وصارت القصيدة النوابية خلطة إبداعية تتصدر صفوف الثائرين والمنتفضين. وواحدة من سمات اقتحام الهامش هو قصدية جعل المؤنث مهيمنا وهو ما لا نجده في قصائد النواب الفصيحة ومنها قصيدة( بحار البحارين) التي فيها الصوت الذكوري الغاضب هو المهيمن بنقد لاذع للاستعمار وأذنابه المستجدين والمتخاذلين.

ولا نخالف الصواب إذا قلنا إن أغلب قصائد النواب فيها المرأة المشارك الفعلي والحاضر القوي، وعلى الرغم من وضوح صوت المرأة في قصائد النواب؛ فإن من الانصاف أن نقول إنه لم يكن أول من أعلى الصوت النسوي وجعل الهامش الأنثوي مهيمنا في القصيدة الشعبية كما أخطأ بعض المهتمين بالشعر الشعبي، بل سبقه إلى ذلك الشاعر ملا عبود الكرخي الذي به تأثر النواب موظفا صوت المرأة ليكون أكثر هيمنة وهو يلهب الاسماع معليا المشاعر الوجدانية، وقد يشاركه الهيمنة الصوت الذكوري بمساحة شعورية يمتزج فيها السرد بالشعر مع إجادة الحبك والتصعيد، مصورا الرجل فارسا له صولات مع الموت( هذوله احنه/ سرجنه الدم/ عله اظهور الشكر / يسعود/ تتجادح عيون الخيل وعيون الزلم بارود) و ( سعد يسعود يمصنكر على الحومة غضب اركط/ صيحاتك تهز الموت كل صيحة بالف امعط) وينطبق هذا الملمح على الجزء الأعظم من نتاج النواب الشعري حتى لا تكاد نجد له قصيدة تخلو من نفس قصصي مشوب بالملحمي والبطولي.

ومن أهم القصائد التي تحفل بالصور الشعرية الأنثوية الصادحة بالتمرد والثورة والمنذرة بالانتقام والاقتحام قصيدة (مضايف هيل) التي نظمها عام 1959 وهي تسرد بصوت زوجة الشهيد صويحب الذي قتله أحد الاقطاعيين، وقد أضفى أساها ولوعتها وهي تصور نفسها سكة هجرها القطار (عكبك سجة يصويحب هجرني الريل) سيرورة رثائية ودوامية حماسية حتى أن القصيدة تنتهي وروح الانتقام ما تزال في قوتها دالة على الوفاء للعهد( هاي آنه اللحظنك لا تلم روحك/ أضمك بالكصايب/ عين لتلوحك)

والمرأة في القصيدة النوابية ليست مجرد ذات هامشية؛ وإنما هي رمز لكل ما هو مغلوب ومقهور لا بد له من الانتفاض والثورة والوثبة. والمرأة هي القدحة التي منها يشتعل أوار النضال والكفاح والتحرير. وعادة ما يسود صور النواب الانثوية النفس الحماسي والصدى الغنائي باستعمال التناص والتكرار والتدوير، كما أنه دائم التوظيف للازمة في قصائده مثل (صويحب من يموت المنجل يداعي) وقد عكست شكيمة المرأة التي لا تضام وعزيمتها التي لا تقهر. وتبدو اللازمة في قصيدة للريل وحمد رمزية ( هودر هواهم ولك حدر السنابل كطه) بينما هي في قصيدة سفن غيلان ازيرج واقعية ( زلمنه تخوض مي تشرين حدر البردي تنتطر/ زلمنه الما تهاب الذبح تضحك ساعة المنحر) واللازمة في قصيدة عشاير سعود افتخارية( يا سعود احنه عيب نهاب يا بيرغ الشرجية)

وقد جرّب مظفر النواب كتابة القصيدة الممسرحة والقصيدة الملحمية في قصائد ديوانيه( للريل وحمد) و( حجام البريس) الذي هو قصيدة واحدة مطولة تحفل بروح المقاومة للسلطة التي لا تعترف بقيمة الانسان ولا تحترم كرامته. وعلى الرغم من أن القصيدة تتغنى ببطل هو حجام الذي قتل في الانتفاضة الثورية المسلحة في الاهوار عام 1968 إلا إن الصوت النسوي فيها مدو وهادر وبالشكل الذي يجعل للشعر روحا وثابة فيها المرأة هي الثائرة والبطلة ( ويكولولك أحنه نموت / هاي الدنيه ما يبنيها غير أهلك/ وميتنه ارد اكلك/ من تشيله الناس/ يدير العين للديره/ بمحبة/ وهو بالتابوت ويكولولك العفنين أحنه نموت)

اجمالا؛ فإن للتجديد الشكلي والمضموني انعكاسا واضحا في قصائد النواب، به أصبحت خالدة، وبما يدلل على أن للشاعر دراية ووعيا عاليين بالتمرد وما فيه من ضروب الاقتحام والجرأة، الأمر الذي يجعل قصائده عذبة الاداء حين يكون موضوعها وجدانيا، وهادرة ومنتفضة حين يكون موضوعها وطنياً.



جريدة المدى
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...