صلاح البشير - حِكايةٌ مِنْ دِيارِنَا

جلسوا ينظرون إليه مُقتعدين الأرض، وللغيظِ فِي قلبه نارٌ تتوهج وللغضبِ على نفسه سلطانٌ لا يكاد يهدئ مِنْ ثورته أو فورته، وهو يريد أنْ يرمي عنه بعض الهموم الثِقال والخواطر المحزنة التي كثيراً ما تعتري النفس بين الفينة والفينة. وللناس مذاهبهم المختلفة وطرقهم الخاصة فِي التخفف مِنْ الهموم والتخلص مِنْ الأحزان وما تضيق به الصدور، وهو لا يدري أي هذه المذاهب أو الطرق يسلك علّه ينسى نفسه ويفر مِنْ حياته الحاضرة وما تثقله به مِنْ الأعباء. ثم لا يزالُ هكذا دوار بين الغيظ والغضب، مسنداً يديه إلى شجرةٍ موتدة حتى جرت دموعه سخيةً سخينةً على خديه، وجعل يتمتم:
لا أجد إلى فهم ما نحن فِيْه سبيلاً، فإلى متى يجري الحكم فِي الناسِ بالحبِ والبغضِ، لا بالحق والعدل؟ إلى متى نورط أنفسنا فِي ألوانٍ مِنْ السخف لا تكاد تنقضي ونحسب أنَّ قدرتنا تبلغ كل شيء؟ ما لِي أرى البؤس وآثاره مِنْ جوعٍ وعُرِيٍّ وعللٍ وذلٍ وهوانٍ وكدٍ يُضنِي ولا يُغنِي قد ازدحمت وركب بعضها بعضاً كأنها ظلماتٌ متراكمة.
سمع صوتاً يناديه:
كفى يا بُني، إنك تقتل نفسك.
رفع عينيه صوب صاحب الصوتِ، فرآه فِي ثوبٍ ممزقٍ قد ظهر مِنْه صدره وانشق عنْ كتفيه فظهرتا مِنْه نابتتين، والثوب على ذلك رث قذر، يظهر مِنْ جسم صاحبه أكثر مما يخفي، كأنه أسمالٌ وصل بعضها ببعض وصلاً، وعُلقت على هذا الجسم الضئيل الناحل لتستر مِنْه ما تستطيع، كي يمشي بِه صاحبه لا متجرداً ولا عرياناً، وهو باسط يده كالخيال السارى لا يكاد يتبينه رائيه. ابتسم فِي وجه محدثه ابتسامة باهتة، ثم زمّ شفتيه وزفر زفرةً بدت كأنها زفرته الأخيرة، وقال:
إنهم يقترفون آثامهم فِي غير اكتراث، وهم يشترون سخط هذا الشعب بما يفعلون. وقد طال علينا إبطاؤهم فِي الحقِ والعدلِ، وغمَّ علينا إنْ كان هذا الإبطاء عنْ عجزٍ أو عنْ عمدٍ ومكر.
أجابه محدثه:
لو وقف الأمر عند هذا الحد لهانت المحنة وسهل احتمالها، ولكنهم اتخذوا مِنْ هذا الشعب عدواً، وجعلوا يكيدون له ويمكرون، ويذيقونه مِنْ العنت فنوناً وألواناً. ورغم كُل هذا يا بُني فإنَّ الشجاعة والصراحة وقول الحق خصالٌ لا تحسن فِي جميع المواطِن.
نظر إلى محدثه سائلاً وقد استبد به الأمر:
ماذا تقول يا عماه؟!!
جر الرجل إلى رئتيه نفساً عميقاً، كأنه يستعد لإجابة صاحبه، ثم زفره فِي بطءٍ، وقال وهو ينظر إلى السماء طالباً مِنْها العون والسند:
أنا لا أضع رأياً، إنَّما أسوق ملاحظةً .. وأضيف إلى ذلك أنْ هذه الخصال – على إكبارنا لها – تحتاج إلى اختيار الوقت المناسب لإبرازها، وإلا صارت نقمةً ومصيبةً تُطيح بِنا جميعاً.
ضرب كفاً بكف، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة ساخرة، وقال:
ما أكثر اختلاط أمور الناسِ على الناسِ، حتى صاروا لا يفرقون بين الخير والشر.
نفرت دمعةٌ سخينةٌ مِنْ عينِ الشيخ وهو يرى هذا الفتى المأمول يسخر مِنْ حديثه، وقال فِي حدة:
كنت أعلم أنك ستعاند، وستذهب فِي عنادك مذاهب مختلفة، ولكنا لنْ ندعك وما تشاء، إنك لتخطئ إنْ ظننت أنَّ الأمر يجري دائماً على هذا النحو المألوف مِنْ المنطق.
كظم غيظه محاولاً أنْ يسكت عنه الغضب، وأشاح بوجهه عنْ محدثه الشيخ قائلاً:
ألا تريدنا أيها الشيخ الجليل أنْ نفعل شيئاً؟ .. هلْ نقف مكتوفي الأيدي؟ .. أم تريدنا أنْ نزدري أنفسنا فلا نقيم لها وزناً ثم ننظر إلى جلادينا نظرة الحيوان البهيم إلى الإنسان الحكيم!!
اتسعت ابتسامة الشيخ وهو يرى هذا الشاب المأمول قد استعاد بعض نفسه، ربت على كتفيه، وقال:
لمْ أقل هذا يا بُني، يجب علينا أنْ نقاوم وقد أهملنا فِي ازدراء، ومرضنا فِي عنف، وجاعت بطوننا دون أنْ نحلم بالشبع ..
صمت برهةً ثم أردف فِي قوة:
سوف يخترق ضوء الحقيقة هذه الحجب الكثيفة مِنْ ظلام الأكاذيب قريباً إنْ شاء الله.
التفت إلى الشيخ وقد أسرف فِي الابتسام بعد أنْ سمع حديثه العذب القوي، وقال:
إنك تريد أنْ تقول شيئاً أيها الشيخ الوقور .. أليس كذلك؟
قال الشيخ فِي حزمٍ:
نعم .. نعم .. أريدك أنْ تختفي أيها المأمول إلى حين.
كأنَّما أصابه سهم قاتل. صاح وفِي صوته حشرجة واضحة:
ماذا تقول يا عماه؟ أختفي!! .. أنا!! .. أين؟! .. وكيف ذلك؟! .. إنْ الجميع ..
قاطعه الشيخ فِي قوةٍ وحزم:
يجب أنْ تختفي لبعض الوقت، هناك .. عند أهلنا بجانب النهر الغربي .. حتى تنكشف هذه الغمة.
كأنما أصابه مسٌ، وتملكه شيء مِنْ غضب، فارتعد جسمه واضطرب، وصارت يداه تذهبان وتجيئان فِي الهواء ما شاء الله لهما، وصوته يتردد فِي حشرجة بين جوفه وشفتيه، أجاب قائلاً:
أتريدني أنْ أهرب حقاً؟! .. ثم أدع هؤلاء يسعون إلى ظلمةٍ فيطيلون السعي، وتمتد بهم الطريق محوفة غير آمنة. أتريدني أنْ أهرب يا عماه؟! .. وأنْ أتكلف شيئا مِنْ الخوف يوصمني بالعار حياً وميتاً.
ضمّه الشيخ إلى أضلعه المتهالكة، وقال فِي وقار:
لا يا بُني، أريدك أنْ تهرب حتى لا نستقبل النهار بائسين بمقتلك كما استقبلنا الليل بائسين وهم يطلبونك حياً أو ميتاً.
دفعه عنه فِي رفق، وقال:
لا أحب أنْ أشق عليك أيها الشيخ الجليل، ولا أنْ أردك خائباً، ولكني أحب أنْ أزف إلى قبري على أنْ أزف إلى حياة الهروب. لقد تولت عنّي الدنيا كما تولت عنْ كثيرٍ مِنْ الناس، فإنْ كتب علىَّ أنْ أموت على أيديهم، فليكن موتي وقوداً تستقيم به الأمور فِي عهدٍ جديد، نصطنع فِيْه السلام، ونتكلف فِيْه الرقي، ونحافظ فِيْه على ما تبقى مِنْ عاداتنا وثقافاتنا ونطورها.
قال الشيخ وقد أيقن عزم صاحبه:
إنْ لك نفسًا طموحةً إلى الخير، نزاعةً إلى ما يستحب مِنْ الأمر، وإنِّي لأراك عازماً على أمرٍ شديد البأس، وتراني أتضاءل أمامك، وأصبح أكثر إذعاناً للعلة مع هذا الاعتداد.
سمعا صوتاً رقيقاً قد أقبل وراءهما تسوقه نسمة دافئة، كأنه آتٍ مِنْ منبع النهر، يبكي قائلاً:
وأنا .. كيف أعيش بعد موتك؟
.. وإذا هو صوت امرأةٍ تساقط دموعها غزاراً، وتنتحب وتدفع شهيقاً لا تريده أنْ يُسمع، وإذا كلماتها تقع على قلبه البائس وقع الجمر، وإذا هو يذهب فِي إغماءةٍ مسترخية، وإذا الأمر الذي عزم على تنفيذه حفياً به حريصاً عليه، يسقط إلى دركٍ سحيقٍ فِي غير انتظار. انطفأت عيناه وصار يتهته فِي صوتٍ خفيض يأتي مِنْ بعيد:
لا تخزيني يا حبيبتي .. لا تخزيني ..
ثم ينقطع صوته كأنه بين النوم واليقظة، وهي لا تزال واقفة مكانها، تنهل مِنْ عينين جوادتين، وتأخذها الرعدة بين الحين والحين. قالت بصوتٍ خفيض لا يكاد يسمع:
بعزمك الذي عزمت يا توأم الروح، ستسعى بشمس حياتي إلى مغاربها سريعاً، وستقبل ظلمة ليلي عجلى لتنشر بردتها السوداء على كل شيء، وستنفذ إلى نفسي فتحيلها إلى ظلامٍ مدلهمٍ ليس لها فِيه حظٌ مِنْ صفاءٍ.
انغمس فِي همه، وجعل يمضي ويجيء مصطنعاً الهدوء اصطناعاً، يحاول ألا يرفع رأسه إلى السماء، ولا أنْ يلتفت يمنةً أو يسرة، فتقع عيناه عليها فيزداد ضعفه ضعفاً. قال وهو يحاول أنْ يلملم إليه نفسه:
يا حبيبة القلب، ألا تعلمين حالنا؟ .. ألا تعلمين ماذا فعل بنا البؤس والشقاء وشظف العيش؟ .. إنْ الضرورات الملحة تدفع بنا إلى ما لا نحب ونرضى. انظري إلى هؤلاء الذين غشت وجوههم أغشية عظيمة مِنْ الكآبةِ والذِلةِ والحزنِ والغفلةِ والبؤسِ. كأنها صُنعت عليهم فِي مهلٍ وأناة، وسترين كم أنا محق فِي عزمي.
قالت بصوتٍ كأنه آتٍ بين انطلاق الفجر وإشراق الصباح، كنسيمٍ عليلٍ رقيق:
أعلم كل هذا وأكثر، ولكنك فينا كسقوط الندى وهمس الضوء، فلماذا تريد لموكب شمسك أنْ يُلم؟ فإنك بما عزمت عليه تنكر على أولئك وهؤلاء جميعاً حقهم فِيْك، وبدونك سنصبح جميعاً ترابًا يكال على تراب.
نظر إليها نظرةً جامدةً، وحاول أنْ يرسم ابتسامةً ما، لكنّ وجهه لا ينطق ولا يأخذ ما يأخذ مِنْ الأشكال. قال فِي برود:
أتريدينني أنْ أنفق ما أملك مِنْ حب هؤلاء وأولئك فِي خدمة جلادِهم، ثم أعود إليك بنفسٍ راضيةٍ فِي جنح الليل لأنفق الليل معك. ألا تسمعين صراخ البطون الخاوية وهي تجأر بالشكاة، ألا يروعك رؤية عصا الفقر وهي تلهب أجسادهم بضربٍ متصل.
التفت إليه الشيخ بعينٍ دامعة، ثم حول نظره إلى المرأة الباكية، وهو يحدثه سائلاً:
أترى أنْ ساعة اللقاء قد دنت؟
رد فِي قوةٍ وحزم:
نعم أيها الشيخ الجليل.
ثم أخذه الغضب فصاح يخاطب الجمع الذي ما زال ينظر إليه بعين الأمل مفترشاً الأرض:
أيها الناس، إنْ العصر الذي نعيش فِيْه هو عصر انتقال، وهو عصر تميز بكثيرٍ مِنْ اضطراب الرأي واختلاط الأمر وانحراف الفرد والجماعة عنْ المألوف مِنْ مناهج الحياة عامها وخاصها، وعلينا أنْ نحمل أنفسنا على العناية بإصلاح الفاسد وتقويم المعوج، والدلالة على الخير لنقصده وعلى الشر لنترك سبيله. وليس مِنْ شكٍ أنَّ حياتنا التي نحياها اليوم هي مرآة صادقة تصوِّر أحسن التصوير وأدقه وأعظمه البؤس والضنك وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. لذا فعلينا أنْ نحسن ابتغاء الوسيلة بين الناس وبين ما يقولون وما يفعلون فِي الجد والهُراء.
صمت برهة نظر فيها إلى مستمعيه ليرى ما يُحدِثه كلامه فِيْهم مِنْ أثر، ثم استطرد قائلاً:
واعلموا أنْ الحرية تُحمِّل الأحرار أعباءً ثقالاً، وأنني لا أطلب لكم حياةً ذليلةً، ولكنني أطلب لكم موتاً يسمو بأرواحكم إلى عنان السماء، ولا أطلب لكم قوتاً تمتلئ بها بطونكم، ولكننى أطلب عدلاً وحقاً، فلا يجزعنكم ما عزمت، فالموت لا يكون مُر المذاق فِي أفواه الشرفاء المؤمنين. إذنْ فما نريد إلا حريةً تسوقنا إلى حياةٍ حرةٍ مسئولةٍ يحياها أبناء الوطن الواحد.
صمت برهةً أخرى، نظر فِيْها إلى وجوه الناس، يتجه الشيخ ناحيته، ويربت على كتفيه قائلاً:
أتريدنا أنْ نلقاهم بهذا النفر القليل؟!
نظر إلى الشيخ وهو يرسم على شفتيه ابتسامةً آملةً، وقال:
أعلم أنْ بعضنا يقع فِي حيرة تشابه حيرة السفينة التائهة، قبل أنْ تهديها المنارة بأضوائها، وحتى أكفيكم شر الحيرة والقلق الذي يعتري النفوس، اعلموا جميعاً بأننا مجرد فصيل لا منّة له على الآخرين، وأنَّ هناك مَنْ يرابط منتظراً اللحظة السانحة، ولكن كل نفسٍ تضنُّ بسرها فتخفيه حتى على صاحبها، والمطلوب مِنَّا فقط أنْ نكون وقوداً يضيء لغيرنا – فِي عتمة الليل التي نعيشها – الطريق الذي يمشي عليه. ترىْ هل سنمشي معاً على هذا الطريق؟
صاح الجميع في نفسٍ واحد:
امض لما عزمت فجميعنا معك؟
استدار دون أنْ ينظر إلى الشيخ أو إلى المرأة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة المودع، ومضى إلى قصده والجمع مِنْ ورائه. والمرأة تُنكر ولا تصدق، ثم تقبل بعد تردد فِيْه الكثير مِنْ الأمل الذي يحيي النفوس والخوف الذي يميت القلوب. ربت الشيخ على كتفها، وضمها إلى صدره قائلاً:
حتماً سيعود يا بُنيتي، حتماً سيعود إلينا سالماً غانماً إنْ شاء الله.
الرياض – المملكة العربية السعودية (يناير 2000م)
التفاعلات: عدي المختار

تعليقات

ان في سردك بوح من الجمال ...
تكتب دون تكلف .. تسبح في فلك الاحداث دون تعقيد
تكتب لنا وللكل بصور لا تقبل البوح بها الا منك
مبارك لك هذا الجمال
 
سلام الله عليك أيها الرائع .. شكراً لك هذا المرور الباذخ وهذا الرُضَّاب المُشجع .. آمل أنْ أكون دائماً عند حُسن الظن .. تحياتي ودمت بخير
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...