علي لفتة سعيد - سقـــــــوط.. قصة قصيرة

لم يكن الصباح قد أشرق بعد.. لكنه استيقظ مبكّرًا على صوت التلفاز الذي يبقيه في كلّ ليلةٍ مشغولًا على قناة الأفلام الأجنبية.. كان التلفاز ينقل له صوت اطلاق عياراتٍ نارية كثيفة وصراخ وسقوط أشياء كبيرة كأنها ارتطام المجرّات.. فتح عينيه وشاغله رعبٌ خفي لم يتعوّده من قبل.. كان يرى الأشياء تأتيه على شكل نارٍ من نافذةٍ تركها مفتوحة، ومن شاشة التلفاز التي أخذ ضوؤها ينطلق باتجاهاتٍ مختلفةٍ على شكل حروفٍ وصورٍ متقطّعة تسقط منها نيران سريعة الحركة، أشياءٌ صغيرةٌ تشبه حشراتٍ دائريةٍ لها رؤوسٌ مدبّبة تحمل ألسنة نارٍ هائجة.. أشياء مفترسة لها فم تفتحه فيسع الغرفة كلّها.. تمرّ من أمامه فتحيله الى إنسانٍ مختنقٍ يبحث عن هواءٍ ليتنفّس.. لم يكن أمامه إلّا أن يسارع الى إغلاق التلفاز والنافذة، لكنه كان يرى أشياء غريبة تسقط منه.. لم يكن يعي إنها كانت في داخله.. كانت تخرج من جوفه كأنها أصوات مخنوقة .. كان يسمع صراخًا رهيبًا يخرج من أعماقه.. شتائم، دسائس ، غضب، غرق، نار ، إيمالن، كفر، عصبية، لا أبالية، ريح عاتية ، صور تستعرض أمامه شريطًا محتشدا بالأفعال.. حاول التمرّد على اختناقه ليحصل على لحظة تنفّسٍ واحدة.. لكنه وجد نفسه يرتفع الى السقف. ثم يسقط مرتطمًا بالأرض.. كلّ شيء خامل في جسده إلّا عينيه، والنافذة ظلّت مفتوحةً وثمة ريحٌ هادئةٌ تمرّ على جسده الذي اكتشف أنه صار عاريًا تمامًا، كأنه ولد من جديد، ولكن بعمر فاق الأربعين عاما.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...