ميمون حرش. -. ريف الحسناء"


"أُوشْت أ ربي أُوشتْ"؟
كررت "ريف" العبارة بهمس مرة، وبجهر مرات حين عجزت عن فهم حقيقة الذي حصل لبلدتها الصغيرة التي حولتها الأمطار إلى مجرد دمار، وإلى مدينة غارقة في الوحل والماء، الأشغال التي راكمتها في الأشهر الأخيرة، وبسرعة فائقة، لم تكن سوى نَقْط عروس ليس إلا، استفاقت، بعدها، فإذا دنياها كما يعرفها أهلها. لا جديد تحت شمس الريف.
رنت إلى جسدها ورازته بعينين ناعستين.. جسد ناحل.. فارغ من الداخل كقصبة إلا من عاطفة جياشة تسع كل بلدتها.. أحست جسدها ينوء بحمل رأس يبدو أنه ليس لها.. تُرى كم من الكوارث - كالجبال- تجثم في هذا الرأس، كل واحدة تعصر القلب و تولد الهم.. الشيء الوحيد الذي تأكدته هو أن الإنسان، في كل بقعة من هذه الأرض، يعاني و يتألم، وما من شيء يثنيه عن الجزم بأن عذابه تحفة و إحدى براعته على الأرض..
فكرت:
" لو يخلص الإنسان للأمكنة، وللأشخاص لرحبت الأرض ولما حرنت، ولأنبتت قلوباً خضراءَ تتعرش في الصدور.. أحمقُ من يتحدث عن عجائب الدنيا، وأكثر حمقاً من يجمع التحف النادرة.. عبثا يفعل.. فلينظر إلى نفسه، هو التحفة، الإنسان تحفة في كبريائه، وغضبه، وحقده، وطيبته، هو بلا نظير.. والشر- تحفته النادرة -إحدى براعاته على الأرض". " أُوشْت أ ربي أُوشتْ".
في دنيا بلدتها ما عادت تسمع من الأنباء غير ما يجعل أيامها تأخذ ألواناً قاتمة ما دام تجريد الإنسان من اسمه، في عصر بدون اسم، بات عادياً في وقت صارت تمنح فيه للكلاب أسماء، و"الغش" ماركة مسجلة في الريف، أصبحت أرقام هواتفه مطلوبة، لا تكف عن الرنين حتى في مملكة الصمت، والجحود فيها،كما "أَمْزيوْ" بعدة وجوه، وبكل مراهم اللؤم ساهم أبناء بلدة "ريف" في تبذير اسمها..فلو يدرون ! مدى مبلغ ألم الإنسان حين يفقد اسمه.. إنه يفقد ذاته... " أُوشْت أ ربي أُوشتْ.
أفكار كانت تنثال على رأس تحمله - يبدو أنها لا تعرفه - كانثيال الأرانب في الغياض.. تحسست رأسها كمن يريد أن يتأكد بأنه لا يزال هناك.. مسحته بيد ترتجف و هي ترنو إلى الدمار الذي خلفته أمطار تشرين الأول الأخيرة من عام 2009، كأن السماء هبطت بكل ثقلها وغضبها على بلدتها المنسية "الناظور" فحولتها مدينة مهجورة و مخيفة..الكورنيش الذي تباهت به، في الصيف، والذي كان أخضر مثل عرق النعناع تحول، اليوم، بسبب الأمطار الفيضانية إلى مقبرة، إلى أرض غبراء، والناس، من حول "ريف"، يهيمون على وجوههم، يمرون بها، ولا يرونها، ما عاد يشغلهم غير الماء الطافح.. أما إذا تكلموا، همساً، فلإحصاء الدور التي تهدمت، بعضها على من فيها، والترحم على من جرفتهم الفيضانات، وقراءة اللطيف.. ومنهم من يجهد نفسه-عبثا- لإسماع صوت يضيع في الهواء و ينداح دوائر.. دوائر فوق أجساد تعيش غربتين: الأولى عن الوطن، والثانية عن ذواتها.
الوحيد الذي انتبه لها هو شاب في مقتبل العمر..كان ذلك يوم أحد أسود، لم يفلح المطر أن يغير جلده، حاول أن يلفت انتباهها في الأول حين ركن، إلى جانبها، بسيارته الفارهة والتي بدت في هذا الدمار نشازاً..مطر، وفيضانات، ووحل، وسيارة من نوع "كات كات" مركونة وسط الوحل تتبدى كنتوء حيوانات المشعوذين المحنطة ( إنها لوحة صادمة تثقب الذاكرة في هذا الزلزال السماوي)، بيد أن "ريف" بدت لا مبالية لا به، ولا بسيارته، ولا بصوت الرعد الذي غدا ينبئ بالأسوأ.. تجرأ واقترب منها بخطوات محسوبة كممثل مبتدئ.. ودون أن يحييها قال لها:
" إيه.. أتريْن.. الطبيعة فعلت بالبلدة هذا.."
ردت "ريف" دون أن تكلف نفسها النظر لمن يكلمها:
"بل هم فعلوا بها هذا. لا الطبيعة".
أضافت:
"المنجل لا يحصد، الأيدي هي التي تحصد يا ولدي".
استجمع قواه وقال ببراءة:
"و لكن من هم؟ !"
سخرت من رده ولكنها جارته وقالت بثقة:
" أزواجي فعلوا بها هذا"..
ثم شبكت يديها إلى الوراء، وأدارت له ظهرها- كحنظلة ناجي العلي تماماً- وتأملت البحر المتلاطمة أمواجه فيما يشبه الصلاة، رفعت رأسها إلى السماء بينما رجلاها تغوصان في الوحل ثم ناجت نفسها:
" الأولاد،و الحمام والبحر.. ملاذي الوحيد.. بل هو ملاذ كل من كان في رقتي وحساسيتي."
وحين هم أن يقترح عليها لو تقبل أن تركب معه، حتى ينقلها معه في طريقه في مثل هذا الجو المجنون مدت هي يدها الناعمة، المبللة ثم فتحت باب سيارته بهدوء، واندلقت داخلها كما الأفعى لا في فحيحها، بل في جمالها وانسيابها، بدت له داخل السيارة ضئيلة،لكن رشيقة، استغرب تصرفها قبل أن يقول، لكنه ابتسم في وجهها، وغمغم بكلمات غير مفهومة أوضحها كانت قوله: (ن َ.عَ .مْ).
أحس بها إلى جانبه باردة، لكن شامخة، رائحتها نفاذة غزت قلبه، وملأت نفسه بأساً، وأمدته بطاقة أحس معها بألفة غريبة تجاهها، انطلق بسيارته كقذيفة رغم الوحل، كان يقود متطلعاً إلى ملامح وجه مألوف لكن لا يعرف أين سبق له أن رآه، ما أكثر الوجوه في مدينته !.. تحملها أجساد، فوقها هامات بلا ملامح، هي مجرد رؤوس "أقلام" لا تترك أثراً، أما هذه التي يحملها معه فقد طغت ملامحها، وجهها مخملي، ريفي جميل بتقاسيم أهل "ثسغناس"، هي مثل العنقاء، كل ما فيها يكبر أن يُطال، ولا أحد يطيق لها عناداً.
صمت ثقيل ران داخل السيارة، لم يخرقه غير أنفاسهما، وصوت انسياب السيارة وهي تطوي الطرقات المحفرة مترنحة كامرأة مكتنزة لحماً وشحماً، ومخافة منه أن تخونه الشُّقة القصيرة المتبقية دون أن يعرف عنها شيئا، تجرأ وسأل عن اسمها وحكايتها.
صمتت برهة ثم حكت كل شيء ليس لتجيب عن سؤال طُرح، إنما لأن رغبة قوية استثارت داخلها ولدت لديها طاقة الأزمان جميعها للكلام، والبوح.
وحكت له (وربما لها) حكايتها،حكاية امرأة قيل لها: "من لم تتزوج أكثر من رجل واحد لم تذق حلاوة الحياة"، وكذلك كان.. "ريف" حفظت الوصية وتزوجت بمن تحب وبمن لم تحبَّ، وما من زوج منهم أخلص لها.. الجميع هجرها جحوداً، أغلبهم، كعرقوب كانوا، نهبوا كنز الربيع فيها ثم راحوا.. طلقوها لتعيش بجوار البحر، مع الحمام وصحبة بنيها، وبناتها..
كانت تحكي بنبرة حزن غريب، لكن دون صراخ، ولا بكاء، الشاب كان يصيخ السمع كطفل يسمع حكاية جدته حول "ثامزا" التي تأكل الأطفال الأشقياء، الذين لا يسمعون الكلام، قالت ما لديها بلغة الريف المخملية دون حركات، ودون أن تلتفت إليه حتى، كمن يحدث نفسه كنوع من الروتين اليومي.. لقد بدت له وهي تروي له قصتها أصغر من سنها بكثير، ثم إنها لا تتحدث عندما تشعر بالألفة إلا لتقول أموراً ذكية و ممتعة...
فجأة أشارت بأصبعها ولأول مرة تنظر إليه، وترى وجهه، وقالت:
" هو ذا بيتنا".. هل تسمح.
تبدى له البيت من مرآة سيارته كبيراً جداً، أبوابه شتى، حارَ في عدها وفي تفسير كثرتها. انتبهت لحيرته، وقالت له ليتعلم:
"الأبواب كلها موصدة.. بحوزتي مفتاح واحد يتيم لا يصلح سوى لفتح باب واحد فقط ،يفضي إلى الغرفة حيث نعيش."
بادرها بالسؤال:
"وبقية المفاتيح ؟"
ردت بثقة:
"واحد، حتماً، معك، وبقية المفاتيح لمن يسأل عنها أو يطلبها".
قالت ذلك وهي تنزل من سيارته،سارت بعض الخطوات، توقفت كمن نسي شيئاً ثميناً، التفتت وألفته ينظر إليها،صامتاً في هيئة أبي الهول،اقتربت منه أكثر، لم تقل له "شكراً" لأنه تكرم وأوصلها، إنما واتتها النكتة، وقالت له:
" تعرف ! لن أضرب عن الزواج، و أَفْضَل أزواجي من سأُزف إليه غداً"
أضافت:
" لك أن تشيع هذا الخبر بين أترابك، وأقرانك".
ثم أسرعت الخطى واختفت.
في طريق عودته فكر فيها و في قصتها وفي بيتها، وفي زوجها المنتظر، وفي المفتاح الذي معه.. كان يقود أحلامه لا سيارته.. أيقظه صوت فيروز عبر أثير » كاب راديو «وهي تغني:
" أحلى التاريخ كان غداً"..





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...