أحمد الوارث - شفاه الحلم.. قصة قصيرة

حينما كان النجاح في قسم الشهادة الابتدائية حلما عظيما، نقلت الخبر لأمي التي ضمتني إلى صدرها، وقالت أغمض عينيك وسم الله.. ولا تفرح كثيرا بتحقق أحلامك. لم أعر الأمر اهتماما كبيرا، ولم أكن أعرف يومئذ غير الأحلام المألوفة، التي غالبا ما كانت تتحول إلى كوابيس.
عندما بلغت الحلم، سكن في قلبي همّ الإفلاح في الدراسة أكثر من أي شيء أخر، حتى الإحساس بالحب هب على فؤادي فجاة، من دون استئذان. فتاة، سمراء مليحة، شفتها السفلى متدلية في لوحة ملائكية رائعة، تدفع بصدرها في ممشاها فترى العيون لها تهفو. من شغفي بها، حلمت بها ليلة. ورغم أني صحوت قبل النهاية، وباتت القصة مبتورة، رأيت أنه من العدل أن أسلم نصف الحلم لصاحبته. قلت لها: حلمت بك ذات ليلة. كانت متعة البوح من دون حدود. فقالت لي: وماذا حلمت؟ قلت لها: أننا تزوجنا. قالت لي: لا تفرح كثيرا، الأحلام في حياتنا تموت قبل أن تشيخ.
بعد الباكلوريا، تركتها ورائي، وانغمست مع الأقران في عالم جديد، لم يكن يلج بابه يومئذ سوى قلة، ابتليت فيه بأفكار وشعارات، وانخرطت في نضالات، ومشيت مع القواعد في مسيرات، ننادي بتحرير جنوب إفريقيا من العنصرية، وفلسطين من الصهيونية، وعالمنا العربي من الأنظمة الرجعية، نردد أغاني مارسيل وأشعار درويش وأغاني ثورية، حتى إذا أشرفت السنوات الجامعية الأربع على الانتهاء، بدأنا نسمع عن البطالة والعطالة، وتأكد بالملموس أن شهادة الإجازة لم تعد صالحة لتحقيق الأحلام الوردية.
انحرفت البوصلة بدرجات كثيرة، بينما كان القريب يترقب المردود، والبعيد يتجسس ويتشفى مني، وأنا في قلب المعمعة أبحث عن دواء لجراحي، أحاول الخروج من الوضع المربك. لا الساق الأولى تدرك الثانية ولو جريا، ولا الثانية تنتظر أختها، فكنت أرضى برمق الحياة، وأعرض عما يكسر الكرامة، لا أطْلع على همومي أحدا. وكم مرة تعثرتُ، حينما كنت أسمع عن أسماء زعماء الفصائل في النضال، وقد تربعوا على الكراسي.
يظنني من يخالطني في حياتي الجديدة على خشونة ذاتي وجسارة أعضائي أني معتاد على الضنك، ومن يراني أفْرِط في الضحك يعتقد أني غير مبال بما يجري حولي، لا أحد يدري أني في أمس الحاجة إلى يد تربت على كتفي، أو كلمة تداويني أو مجرد ابتسامة. ولا أحد يعلم أني صرت أحس أني أموت من الداخل ببطء، حتى نفسي انطوت على حالها، واتسعت الهوة كثيرا بينها وبين أحلام الماضي، ولم أعد أحلم حتى في النوم، أو ربما أحلم وأنسى، ثم بماذا سأحلم؟ هكذا أقول حين أسائل حالي.
لكن، على غير المعتاد، رأيت بغتةً، في ليلة ظلماء، عاصفة، رؤية، لم تغب عني تفاصيلها، ربما للرعب الذي أصابني خلالها. من البداية، وأنا أحاول أن أنفض ما تراكم علي من ركام في بيت مهجور لكي لا أختنق. وبلغ بي الأمر أني كنت أصرخ عسى أن يسمعني أحد فيهب لنجدتي، من دون جدوى، فاستسلمت للاحتضار... حتى أتخلص من المأزق.. أَوَ لسنا نموت قيد الحياة وقيد الحلم ، قبل الموت؟
في الصبح، كان علي أن أواصل العيش، كأن شيئا لم يحدث، ولو من دون حياة ، لكني هذه المرة صرت أعلم أني لم أكن أبدا وحدي، وأنّ الذي يشاركني في تدوين سيرتي لا يحسن كتابة ما هو مسؤول عنه، وربما أكون أنا المسؤول.

أحمد الوارث

- جريدة بيان اليوم ليوم الجمعة 25-09-2020م .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...