دعاء البطراوي - كان هنا.. قصة قصيرة

تـشاجرا كعادتهما، لكنه لم يتقوقع بحجرته غاضبا كـكل مرة، بل لملم ملابسه في حقيبة، ثم صفق الباب غاضبا.
مرت عدة أيام وهي لا تعلم عنه شيئا، اتصلت به مرارا، كان هاتفه لا يكف عن رسالته السخيفة ( هذا الرقم مغلق أوغير متاح )
ترنـحت بيـن أرجـاء المنـزل، بقـايـا عطـره تـعانق ذرات الهـواء، وتخـترق جسـدها دون توقـف، اقـتربت من صـورته المعـلقة في منتـصف الحائط، تحسـست مـلامحه الشامـخة، سـألته في لوم مـرير:
ــ ما الذي تغير بيننا يا حبيب العمر؟
رأت عتابا قاسيا بعينيه من خلال الصورة، أدركت على الفور ما يقصده، فأشاحت ببصرها بعيدا، تـكاثـف الحــزن بمقلتيها حـــين لمحت شرخا بالجــدار لم تره من قبل، ربتت عليه في حنان وقد صور لها نزقها أنها تضمد جراحه.. وجراحها!
علا رنين الهاتف، هتفت خلاياها طربا:
ــ إنه هو…
اعترتها خيبة الأمل، كان المتصل زميلها بالعمل يخبرها بترقيتها التي كانت تنشدها،
تنهدت، ابتسمت متهكمة.. لم يسعدها الخبر!

الآن .. تجلس في مطعمها المفضل، تنظر يائسة في الوجوه المتناثرة حولها لعلها تجده بينهم،
تتمنى أن تراه، أن تسمع صوته، أن تأخذها أنفاسه الدافئة بعيدا.. بعيدا جدا.

تتسع عيناها ذهولا حين تلمحه يدلف من باب المطعم، تتسارع نبضات قلبها، تصدح مشاعرها في صخب، تتابعه حتى يقترب منها، يقول مبتسما:

ــ كنت أعرف أنني سأجدك هنا حيث تقابلنا أول مرة ..
تحاول كبح مشاعرها التي كادت أن تفلت منها، ولكن نظراتها المتلهفة تفضحها،
يسحب الكرسي المقابل لها، يحتضن وجهها بعينيه، يهمس معتذرا:
ــ سامحيني … لن أتركك مرة أخرى …
لمعت العبرات بمقلتيها، هتفت:
ــ وأنا لن انشغل عنك أبدا …
أمـطرها بكلمات العشـق، رفع كفيـها، لثمهـما في رقـة، أرخـيت سـتائر أهـدابها في خجل، أشـرقت ملامـحها، تـلاقـت عيناها بعيـون بعـض السـيدات اللائي كن يتـابعن الموقف في شغف، كن يتهـامسـن ويتـغامزن وقـد بـدت على وجهـهن الدهشـة!
رفعـت رأسها فــي زهـو:
ــ يا لغيرة النساء !

جاء النادل، سألها:
ــ ماذا تطلبين سيدتي ..
قالت في حماس:
ــ الطبق الرئيسي للمطعم ..
سمعت زوجها يقول في حماس مماثل :
ــ و أنا أيضا .
سـجـل النـادل الطــلب وانـصرف،

اسـتأذنـته كي تصـلح زينتــها باسـتـراحة المطــعم، نهضـت تمشــي في خيلاء، وقــفت أمـام المـرآة والبـهجة تتـلألأ بمقـلتيها،
أفـرطت في زينتها،
مشـطت شعرها بعناية،
نثرت عطـرها الأخاذ،
ثم خرجـت إليه …
عقـدت حاجبيـها في استيـاء حيـن وجـدت مكانه خاويا، جلست تنتـظره في قـلق، اعترتها الحـيرة حـين اتصلت به ووجـدت هاتـفه مغلقـا!

اقتـرب النادل، وضع ما يحمله أمامها، سـألته مندهشـة:
ــ أين طعام زوجي ؟!
أجاب النادل في حيرة :
ــ زوجك ؟ّ! أنا لم أر زوجك اليوم .. سيدتي!
بحلقـت في وجـهه مذهولة، حاولت اسـتدعاء الكلمات، قـالت بصوت مرتعش:
ــ زوجي الذي كان يجلس أمامي … هو طلب الطبق الرئيسي للمطعم.. وأنت دونت طلبه..
فتح النادل دفتر الطلبات، تفحصه قائلا:
ــ لا يوجد سوى طلبك فقط … صدقيني …
ضربت المائدة بيديها، صاحت محتجة:
ــ زوجي كان هنا … كان هنا ..
هــز النادل رأسـه نـفيا وعينـاه تنـطقان بالرثـاء على حـالها، اصـطدمت مقـلتاها بعـلامات الاستـفهام في عيـون من حولها، رأت البعض يضرب كفـا على كف في شفـقه واضـحة، وآخـرون يكتمون ضحكات شريرة تنعتـها بالجنـون.
هزت رأسـها مسـتنكرة، شعرت بعجزها، هتـفت بنبره وانيـة:
ــ صدقوني.. كان هنا … جاء من أجلي ..
صكت أذنيـها تعليقـات لاذعـة وهمهـمات سخـيفة، انكمشـت في مكانـها، أخفـت وجهـها بين كفيـها، انخـرطت في بكاء حار، وظـلت تردد:
ــ كان هنا .. كان هنا …

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...