عامر الطيب - أنكم تعرفون أنني لم أجرح أحداً منكم

أنكم تعرفون أنني لم أجرح أحداً منكم
بظل أو بكلمة مشدوهة
أو بأفول مفاجئ.
لقد أحببتكم جميعاً
و وددتُ أن أرثكم جميعاً
و أفتح جسدي المعتم
لألعب معكم .
لقد آن الأوان لأخبركم
إن الحقيقة لا يمكنها أن تصبح عبئاً
على المرء
أنني أحب الشمس
من أجل الزهرة التي تتفتح
و أبجل العتمة
من أجل المجد الذي سيزول !
♤
أبيع مصائبي بأسعار مخفضة
ثمة دموع و حكم و أضواء
لا يصح اعتبار
حياتي مسرحاً للتصفيق و النوح.
ها أنا أستثمر
قصصي البدائية
مع نسوة مجهولات،
دكان في المدينة
و دكان في الريف
أبيع مصائبي بمزاج خائب
و زبائني سعداء !
♤
تحولت ملامحي إلى أشخاص
فصارت يدي عدواً
و أنفي هدهداً غريباً
و شفتاي رفيقتَي سفري الدائم،
أما عيناي
فصارت إحداهما عابراً
يدلني على طريق للإسترخاء
و الأخرى
لعنة عظيمة لأحسبه وطناً !
♤
ثمة عاهرة طيبة و عاهرة شريرة
بنفسي عشتُ ذلك
في ليل بغداد الموتر
كانت هناك امرأة تدفع جسدها
دفعاً للتخلص
من أي وهج يمكن أن يحسب حباً صالحاً،
و الأخرى
تطلب مني أن أكون رجلاً عابراً
لأظل وفياً
للأسرار !
♤
لماذا أنا عاجز عن إبقاء
قصائدي مرحة و هانئة ؟
لماذا لا أرتبها
كما أرتب حبيباتي الآن
القصائد المتلهفة
ثم المريرة
ثم القصائد التي يمكنني الإستغناء عنها ؟
أو كما أرتب أصدقائي مثلاً
أصدقائي الذين
أتحقق من ألعابهم مرة واحدة
ثمّ الغرباء ؟!
♤
لا أستطيع أن أحب ثانية
دفنتُ رسائلي للتو و عانقت أمي بتلهف نادر
جالست إخوتي
و أحببت أصدقائي
قلت لهم أنكم قريبون
يجب أن اصلي من أجلكم
لقد انتهى حبي أخيراً
و صار علي أن أرعى حياتي
و أواسيها،
لا أستطيع أن أحب ثانية
لا أود أن يحدث
لي ما حدث
لبوذا و جيفارا و يسوع
لا يصح
أن يصبح قلبي فزاعةً خالدةً
و روحي حقلاً !
♤
أيتها الآنسة المبجلة،
أيتها اللعنة الحنونة و البرق البطيء
أضع لك هذه الرسالة
بعد أن سافر الكلام
كما يسافر ضيف عابر فجراً
حمل حقيبته قبل أن يبرد الموقد
و ودعناه.
أيتها الآنسة المبجلة
أن حبي لا يمكنه أن يصبح
سياجاً أو كتفاً
سنداً أو فانوساً
طريقاً أو كوخاً
أنك تبكين و أنا أبكي
و حياتنا طفلة متنكرة للعائلة
و ممتنة
للأشباح !
♤
هذا كتاب عن حياتي
ثمة كتب كأنهار و أخرى كأذرع
مفتوحة ليمر الهواء بأثر حزين فقط.
كتاب عن حياتي
ثمة كتب كالنيران
و أخرى كالأولاد الصغار الذين يلعبون
بالكلمات فجأة
فيحلون اللغز .
أما كتابي
فهو خلطٌ عابر
لكنّ كل كلمة هنا هبة غامضة.
لا أعرف كيف قررت
أن اؤلف كتاباً
للتحدث مع غرباء عن حزني و ضلالي
عن خراب مدني و ضحاياي
عن جدتي و خالاتي و صلواتي السائبة أيضاً.
هذا كتاب صغير
لأنني أردت أن أبكي
مع أن ذلك ليس عملاً مربحاً :-
نسخ تباع
و قراء لا يبكون!
♤
يجب أن تحبي القلوب و الأكواب
كل شيء سينكسر في أوانه،
كل عداوة ستحصل على لفتات إلهية
لتصبح حباً،
كل جسد لرجل أو لإمرأة
كان في السابق مدينة بقناطر
و طواحين و أنهار.
لكنْ لم يبق من ذلك سوى عزاء صغير فقط.
يجب أن تحبي القلوب
و الأقفال
القلوب و الكتب
القلوب و البيوت
القلوب و الحرائق أيضاً
إن حاجتنا إلى الدفء
طهّرتْ حاجتنا إلى النور !
♤
يا إلهي يا إلهي
لقد وجدتُ نفسي ملكاً مبجلاً
و حزيناً في الحلم
ضاعت مدائني بينما
كنت أبحث عن بيتي
ضاع بيتي بينما كنت أبحث
عن الطمأنينة و النوم
عائلة عريقة تتوسل رحمتي
و تقيم بإسمي المذابح و الأعراس.
يا إلهي يا إلهي
لقد وجدتُ نفسي إلهاً حزيناً
في الحلم
لكن لمَ يستمر ذلك كله؟
يجب أن أحافظ على الضغينة و اللوم،
أن أكون سخياً
كما لم يحدث لإله سابق
يجب أن أدع الأرض تفسد
لئلا أخسر محبة أعدائي!
♤
أضعُ قدمي على ركبتكِ فتنفلت
كهرٍّ صغير،
كنا نشاهد التلفزيون
عندما سقطت بغداد
بعد أن قرأ المذيع الخبر بكى،
قلتِ أنه تمثيل
فأجبت:
لا بد أن تكون بغداد هبة للكثيرين .
أضع قدمي الآن
على الكرسي
في وظيفتي أو في نبوتي أو في بيتي الخائب
لا أحد ينصف إرثي الآن،
بغداد مدينة تستحق أن نندبها
أما حبكِ
فركبة مقهورة ،
جلد ثقيل و ملتحم
لكني أبذل جهدي لأجعله ثوباً !
♤
لماذا تحبني في مثل هذا الساعة ؟
أحاكي نفسي كغريق
متوهماً أن كلماتي العميقة
ستبرز على السطح.
لدي كل ما هو بشري و متعفن و زائل
لكني أردتك
بالجزء الكلي:
حريتي المجيدة و صفاء روحي
لعنتي و هذياني و إنتمائي للعالم
برغبة الزنازين
صدري الرحب و قلبي المتبرم،
حياتي الزائفة
و حياتي التي أردتَ تقويمها .
لماذا تحبني
في مثل هذه الساعة
الأمر برمته
قربان ضخم لإله لا يعلمُ الغيب !

عامر الطيب



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...