عامر الطيب

على حواف الأنهار أزولُ ماطّاً جسدي بقدميّ من أجل وردة . على طاولتي الخشبية أريد مكاناً للاختباء مثل محطة بنزين ، إشعال سيجارة وحيدة لها مخاطر إتلاف ما يتعذر نسيانه . على سطح ثلاثين عاماً من الحياة التي لم يلحظها أحد ، أبجّل ظلالكِ حتى مع حلول المساء منشغلاً بالقليل الذي أحبه عن الكثير الذي ينقضي...
آن الأوان لأسحب كتاباً مركوناً على الرف أفتح صفحته الأولى لأكتب لك إهداءً بلهجة قاتل نادم: إلى وطني الصغير كنهاية حياة امرأة لا بد لي أن أغادر وقد علمت أن الكلاب لن تسكت فجرا وحده الإنسان يصمت إزاء خسارة عتمته الوحيدة " أجدك تتلمسين الغلاف، تعتقدين أنه إهداء وطني و تعيدين الكتاب إلى الرف ! ♤...
هناك ما أودُّ قوله وما أود التمليحَ به فحسب كما تخبرنا العواصف أن الجبال من ذرات صغيرة. أعود من جديد دون ميلاد ، إذ يكون للمرء جسده الخاص وهو يحبّ، تكون له رقبة عصفور معلق بواسطة سماء مجهولة لا يمكنه أن يحملق بروية إلى الأسفل فقط! ♤ ألوف من البشر يمشون خلفي كما لو أنهم يدوسون خطواتي نفسها ،...
سيأوي إلى الفراش الليلة رجلٌ لا يشبهني ، ينام كأنه يستوطن كتاباً، يغيرُ ملابسه بطريقة من ينزع غشاءَ نبتة، حزين العينين يبكي مثل اليد التي تضيع معطفها ، و هو يتأمل سقف الغرفة القاتم كسماء بلا أذرع. سيأوي إلى الفراش الليلة رجلٌ لم يحبكِ طيلة النهار كما ينبغي، لم يتحسس صوتك كالحلمة ، و لم يرفع...
سيكون لحبكِ أثر وجه ملطخ بالدم على الطاولة، وجه تسرنا رؤيته وهو يمحى.. ستنامين في الطرقات و تحلمين برجل يرتقي إلى السماء كنَفَسٍ أخير. ستضعين يدك هنا و هنا كما لو أنك تنثرين القمح أما عند التلويح اذ يحين وداعنا ستصير السنابل عالية بما يكفي لأخفي يدي ! ♤ أحببتك في الصغر بدلاً من نزق الطفولة بدلاً...
أنت تذكرين ما كنا نفعله قبل أن تكون لنا بلاد و للآخرين بلاد نائية، لم تكن لنا غير الأرض التي نعبث بها، لم ننتبه إلى أننا نبني بيوتاً إلا عندما غابت الشمسُ فهدم كل واحد منا بيته بقدمه و مشينا وحيدين بطمأنينة الأزهار التي تتفتح عن طيب خاطر فقط . أنت تتذكرين ما سيحدث غداً أيضاً إنها فاجعة،...
خسرتُ الجَّميعَ واحداً تلو الآخر لكني استيقظتُ وأنا أدندن أغنيةً طفوليةً جاحدةً، ليستْ الشمس هي التي تسعدنا ليس الياس أو الضحك، عشتُ من أجل سعادة كبرى، أعرف إن الآخرين سيسخرون مما أقوله ، لكنني أبجلك يا سيدتي حيث ينهار عالمنا بسرعة كمرايا خالصة فأقول هاتي يدكِ إنني أقبّلُ بكثافةٍ لأنظفَ شَفَتي...
في الليلِ تكبرُ السماءُ بمقدار غيمة ، الحديقة بمقدار طير نائحٍ، يكبر أخوتي و تكبر الفجوة فيما بينهم تكبر بلادي أيضاً إلى أن تضيق كحدوةٍ على قدميّ، الأمر الذي يجعلني أرعى جسدي بطريقةٍ فاتنة و دنيئة . في الليل تهبُّ ريح جديدة و غاطسة في الوحل لكني أعايشها كشجرةٍ، لا ريب أن الأغصان التي تنكسر...
كنتُ سأكتبُ لكِ الآن كلمة أصيلة كالعطاس في المزرعة، كنتُ سأخبرك بالحقيقة لكني فكرتُ بمصير الأمطار التي كنا نتبادلها، المدن التي حلمنا بإبادتها، الزوارق التي صنعنا منها موتاً، الشوارع التي قطعناها وحيدين في الصقيع الماضي. كنت سأحبك ثانية و أحلم كوحش متكئ على شرفة إلا أن روحي الحبيسة هي...
لن أقولَ أحبُّ و لا أحبُّ، عوضاً عن ذلك سأقول أريد أن أبصر و أريد أن أصاب بالعمى . لعلها مقارنة عتيقة لكنها رحبة أنني أهزأ من اللغة الجديدة التي تصور لنا المرء عالماً بوجود كل شيء، قادراً على أن ينجو أو يموت ببسالة بطل روحانيٍ. أنا مزيج من قلة الحيلة و الهوان ورعشة اليدين أعيش كما تعيش...
لأجل شيءٍ ما مشيتُ الى الخلف ، بدأت أتذكر فيما كان الناس يحبون ، أرى فيما كانوا يحثون الخطى . أنادي فيما كانوا يسترقون السمع . لأجل شيء ما لم أتوقف، لم أقل هذه نهايتي، لم أكشف عما خسرت أو ربحت، لكن و على غفلةٍ حدث لي ما حدث لكم جميعاً: لأجل شيء ما أحببتُُ بمعنى إنني هبطتُ كما لم تهبطْ نجمة أبداً...
هكذا فكرتُ و أنا أتحسس أنفك في الألبوم ،كان ناعماً و متفتحاً كسعادة مدنسة . لقد أحببتكِ في الدقيقة التي لم يعد لي فيها مكان في البيت، في الحياة التي لم تكتب لي، في المدينة الصامتة كسجين مجهول، "الأمس لم يجيء بعد" قلتُ ذلك دون أن أشعر بحرارة الساعة على يدي : " إنه الغد الذي مضى" ! ♤ أريد أن أطير...
بقميص أزرق و حذاء أبيض كأكوام من الأقمار، ببنطلون و ساعة هائجة تدقُّ بسرعة كأنك ستكبرين أياماً. بكل ما تخفينه أو تدعينه واضحاً إنني أحبكِ كما أكشطُ عتبة نافذتي بأظافري ، كما أضع يدي على عينيك ثم أسأل إن كنت تعرفيني أو لا؟ لا شك أنني أمحو تلويحاتكِ القديمة كلها بتصرفي هذا : على الأغلب أننا نعرف...
تجرحني روحي الشفيفةُ التي نحتُّها من الحجر عندما تسقط متكومةً على الطريق و لا تصبح جدراناً. يجرحني أي ضوء لا أتبينه الآن وأنا أعبر هذا الليل بمهرة خرساء وأنا أقول وداعاً دون أن أطلق صوتاً كمتسكع بائس. تحت سماء غير سوية مثل الأشجار التي كنا نرسمها للتسلية أبكي كمن يلمّع بشرته . فمي غابةٌ و...
جعلني حبكِ جديراً بلقب الرجل المرير في العالم ،دنستُ حياتي مراراً و دافعتُ عن نفسي خشية أن أبدو مهرجاً. تظاهرتُ الآن بأن صحتي جيدة، أهلي يحبونني كأساتذة غرباء ، صحبي أوفياء و بلادي هادئة ككرسي أسود قرب النافذة. تظاهرتُ بأنني لا أبكي، لا أشتري ساعات يد ولا أعيش بدافع الهلع . أخيراً و ليس آخراً...

هذا الملف

نصوص
84
آخر تحديث
أعلى