ھدى حجاجي أحمد - مدينة الأصابع...

أضع يدي على جدار المدينة،
أشعر بكل خطوطه، كل نتوءه، كل أثر الزمن الذي مرّ عليه.
كأن أصابعي تستطيع قراءة تاريخ المكان،
كما لو أن كل حجر يحكي لي قصة لم تُحك بعد.
أمسك بالحائط، أتنقل بين النتوءات،
وأرى في كل لمسة لحظة لنا،
ضحكة في زاوية، نظرة في شارع، صمت في ركنٍ مهجور.
المدينة ليست مجرد خرائط أو مبانٍ،
بل جسدٌ يمتد تحت أصابعنا،
يحفظ كل ما عشناه، كل ما فقدناه،
كل حبٍ لم يُعطَ حقه.
أغلق عيني، أصغي،
أسمع صدى خطواتنا،
همسًا من الأزقة،
صوت قلبك الذي أصبح جزءًا من الطريق،
حتى لو لم تكن هنا بعد،
حتى لو بقيت ذكرى.
المدينة تتنفس تحت أصابعي،
كل زاوية تحمل نبضة حنين،
كل شارع يهمس باسمك،
وأدرك أخيرًا، أن الأماكن تصبح حية،
حين نعشقها، حين نضع أنفسنا فيها،
حين تصبح أصابعنا لغةً لفهم المدينة،
كما تصبح قلوبنا لغة لفهم الحب.

*******************

نافذة على الغائب
أجلس أمام النافذة،
أرى المدينة تتنفس، تتحرك،
لكن هناك فراغ في كل ما أرى…
فراغ يشبهك، يشبه غيابك الذي أصبح جزءًا من كل شيء.
المباني تصمت،
والأضواء تتلألأ بلا صوت،
والطرقات تمرّ بلا أي أثر لنا،
إلا في ذاكرتي،
حيث كل زاوية، كل شارع، كل نافذة،
تحمل صورة منك، حضورك الصامت.
أضع كفّي على الزجاج،
أحاول لمس الغائب،
لكن الهواء بيننا حائطٌ شفاف،
يُشعرني بالمسافة، بالبعد،
وبأن المدينة نفسها تعرف أنك غير هنا،
لكنها تحاول أن تخفي فراغك في كل الضوء والظل.
أدرك أن الغياب لا يعني النهاية،
وأن النوافذ ليست مجرد زجاج،
بل بوابات للحنين،
منافذ للذكريات،
طرقٌ سرية تصلنا بما لم نعد نراه،
وبما لم نعد نستطيع الإمساك به.
أنظر مرة أخرى،
أرى المدينة تتذكر،
تتذكر كل لحظة لك فيها،
كل ضحكة، كل كلمة، كل صمت،
وأدرك أن الغائب لا يختفي أبدًا،
بل يصبح جزءًا من المكان،
كما تصبح المدن جزءًا مننا،
حين نعشق بلا توقف.

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...