الدكتور محمد جلوب الفرحان - عمر الطالب سقراط الحدباء

ميموار فلسفي

سيرة ذاتية تحكي محنة الفلسفة والفيلسوف



هناك تشابه بين الإثنين، فقد حاور سقراط السفسطائيين وكشف فساد بضاعتهم.. وطعنه مواطنيه فلفقوا له تهمة إفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهة المدينة.. ولم يتنكر لمدينته وواجه حكم الإعدام (شرب كأس السم على الطريقة اليونانية)..

وعمر حاور أتباع الأعور الدجال وفضح المضموم والمدفون في كتاباتهم، فطعنوه بخناجرهم ليل نهار، وأشاعوا عنه الباطل، وكان حكيماً يداري أمراضهم بصمت أو ضحكات تشبه ما قاله أحدهم ليحط من مكانة الطالب "سقسقة العصافير".. وكانت محنة القائل: إن ذلك خطأ إملائي.. إنه جهل بإسلوب الواقعية في الكتابة الروائية يا مؤرخ الزمان، إنه يا أكاديمي الزمن التعيس، ليس بخطأ إملائي كما تدعي وحالك كأنك مكتشف البنسلين، لا يا رجل إن الطالب في كتابته الروائية يدع أبطاله يتكلمون بلغتهم الشعبية اليومية، وكثير من الناس بدلاً من أن يقول (زقزقة العصافير) يقول (سقسقة العصافير)..

وتكابر الطالب العصامي على صغائر الأمور.. فكان سقراط الحدباء، الذي حمل آلامه لوحده، وواجه قدره في إحدى صالات المستشفى في مدينته الحدباء..

وهكذا مات الطالب سقراط الحدباء.. والتي طعنته مرات عديدة وبخناجر أبنائها.. إلا إنه ظل وفياً للحدباء وصادقاً لوعده لها، وهو إنه سيقول الصدق ولا يخاف لومة لائم.. وهكذا كان موت الطالب، هو (اليقين) الذي يطارد كل الأدعياء من أتباع (الأعور الدجال) أو (المسيح المحتال)..

قبل أكثر من ثلاثين عاماً نشر الدكتور محمد جلوب الفرحان، دراسة عميقة ذات طابع فلسفي عن كتاب زميله المرحوم الدكتور عمر الطالب والموسوم: أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية. وحينها كان الإثنان يعملان في كلية الأداب جامعة الموصل. كان الطالب يدرس الأدب العربي بمختلف مراحله في قسم اللغة العربية، وكان الفرحان يدرس علم المنطق وفلسفة التاريخ في قسم التاريخ، وفلسفة العلوم وتاريخ العلوم في أقسام علمية مختلفة، ومن ثم فلسفة التربية في قسم العلوم النفسية والتربوية. وكان عمر رئيساً لقسم اللغة العربية وعميدأ لكلية الآداب حيناً، وفي فترة لاحقة كان الفرحان رئيساً لقسم الفلسفة(*).

وكانت يومها مجلة الجامعة -إضافة إلى مجلة آداب الرافدين ومن ثم جريدة الحدباء- منبراً فكرياً رائعاً للجامعة ومدينة الموصل الحدباء، والتي وجد فيها الدكتور الفرحان، ومنذ بداية عمله الأكاديمي في شتاء عام 1977، طريقاً لنشر الفكر الفلسفي بطرفيه الأبستمولوجي والمنطقي بين الطلبة والجمهور الموصلي (والعراقي) العزيز على حد سواء. وكانت جامعة الموصل تعتبر (مجلة الجامعة) مجلة ثقافية، في حين إعتمدتها جامعة بغداد مجلة علمية للنشر والتعضيد. حقيقة إن جامعة الموصل كانت صارمة في تقاليدها العلمية، وهذا ما كنا نفتخر به.

وكان الدكتور الفرحان في الثامنة والعشرين من عمره عندما نشرت له مجلة الجامعة هذه الدراسة (وبالطبع قد سبقتها مقالات وبحوث أكاديمية عدة). كما وإن هذه الدراسة أكدت على جوهرية الخط الفلسفي الذي أختاره الدكتور الفرحان منهجاً فلسفياً ومساراً معرفياً عمل على تأصيله في الدار الثقافية العراقية المعاصرة.

وتمر الأيام ونفقد في كل يوم عزيزاً ورمزاٌ ثقافياً من عراقنا الرافض لكل محاولات التدجين لثقافة التتر والظلام.. واليوم موقع الفيلسوف يحتفل بزميله المرحوم الروائي والأستاذ الأكاديمي المتفرد (سقراط الموصل) ويحيل القارئ إلى موقع الطالب الذي نشر هذه الدراسة القديمة الجديدة، والتي حملت هماً ثقافياً، عاشه الدكتور عمر الطالب وعمل ومات من أجله. في حين تجاهله الآخرون يومذاك، بل وحاول بعض منهم أن يهشم صورته دون وجه حق، سوى الصعود على حساب مكانة الطالب الأكاديمية والثقافية.

إننا نحسب إن النقد بناء وحوار وهو مطلوب للتطوير والنمو والتجديد وفي طرف منه خدمة من الناقد للمنقود ولفت نظره إلى الضائع المنسي أو السباحة في شواطئ اللا اختصاص وإصدار أحكام يجانبها الصواب. في حين إن التجريح هدم مرفوض ومذموم.

كما وكان المفكر الطالب شاهداً حقيقياً، وباحثاً سقراطياً لا يعرف التخفي ولا يخاف لومة لائم. إن منهج الطالب مكشوف وواضح ينهض على قول الصدق والإعلان عن الحقيقة مهما كان الثمن غالياً. في حين كان الآخرون يدورون مع حركة النفوذ والقوة، يكذبون على أنفسهم ويلعنون الماضي ويعتمرون عمائماً ويطلقون لحى ويتوسلون في نمط انتهازي من الكتابات فيها تطبيل لرموز سخروا منها في كتابات الماضي القريب.

عجيب أمر هؤلاء الناس. بالأمس تطلعوا للسلطة والسلطان وفي مقاهي تلكيف لم يتردد واحد منهم من الإعلان بعد احتساء شراب تلكيف الخاص ذات النشوة التي تحرك المضموم من الأمور وترفع الكلفة عن الخفي المستور، وبعد تلذذه بأكل عصافير تلكيف المشوية، إن أباح للحضور هامساً بالسر المكين الذي يسكنه منذ أنخرط في العمل السياسي، وذلك إنه يتطلع إلى أن يكون وزيراً للتعليم العالي في العراق العظيم، جاء جواب المؤرخ الشاطر حين سأله صاحبي الجواهي عما يتطلع إليه في المستقبل القريب. وتدور عقارب الزمان الذي لا يعرف له أبداً آمان، فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فالحالم وشارب شراب تلكيف خابت آماله والسائل يفوز بمنصب وفرته حركة الكواكب والنجوم في ديار الديوان وصرائف الرفاق الكادحين الذين تخلوا عن قيادة فهد وسلام عادل وتحولوا إلى قطيع يسوقهم روزخون جاهل يكفر من يقول بأن المطر بخار. ويفتي بإن صلاة رئيس جامعة الديوان وراء الروزخون هو فرض عين.

وعلى كل حال فاليوم تراهم يجملوا وجوه المغول ويغازلوا أولي الأمر من سليل ناصر شاه.. ويكتبوا لهم تاريخاً حافلاً بالأمجاد.. أي أمجاد تكتب يا صاحب الأمس وأنت سيد العارفين بدورات التاريخ وفلسفات الصعود والنكوص، والداروينية ونظريات النشوء والإرتقاء، وسلامة موسى وشبلي شميل، ونادي المثنى وحركات التحرر وكرامشي وفرانز فانون، وإشبنجلر وتوينبي، والتروتسكية والماوية والماركوزية، وإنتفاضة الرفاق العسكر التي قادها العريف حسن سريع، وحركة الرفاق الأنصار في أهوار الجنوب.

هل يعقل الزمان إن كل هذا أنطمر بجرة قلم وبتفسير قارئة فنجان أمية أو كاتب أدعية لا يعرف العربية. وعلى خلافهم كان عمر يقف على الجرف المقابل، فقد كان عمر محباً للتدريس والبحث، لا يطمع في رئاسة قسم أو عمادة، وإنما كان الرجل عفيفاً مترفعاً، وكنت شاهداً على ذلك ألحظه بعيني وأحفظ في ذاكرتي صوراً حية لهذا الرمز الموصلي الأصيل، ففي حالات الأزمات من مثل وقوع خلل إداري أو فراغ العمادة، فتشوا عن عمر الطالب الشخص الكفوء المؤهل لملأ الفراغ الإداري. ولكن الإدارة الجامعية محكومة بسياسات عد وحساب كم وكيف، وحتى يعيدوا حساباتهم السياسية ويجدوا مرشحهم الجديد للعمادة أو القسم، فإن الطالب يعمل بكل جد على إنه العميد العتيد لا يفكر بشيء سوى روتين العمل الأكاديمي وديمومته بأحسن الأحوال.

كما وعلى العكس مما فعلوا ونهجوا فقد كان المرحوم الطالب مفكراً صادقاً وباحثاً جريئاً، يقول الحق ويعلن عن الحقيقة بوجوه الكذابين والأدعياء، لا يتردد أو يخاف في مخالفة القطيع كما يقول نيتشه، ومعارضة إرثهم وثقافتهم وإسلوب حياتهم. كانت روايات عمر الطالب ومجاميعه القصصية في التقويم الأخير أناشيداً تمجد الحياة وتنتصر للإنسان في نضاله اليومي وفي إعادة تشكيل الحياة الإنسانية الحرة الكريمة. في حين كان القطيع في واد غريب عن عالم عمر، فالقطيع يتعبد لصنم المسيح الدجال (أو الأعور الدجال) ويتطلع لعودته ليقيم العدالة في مجتمع مظلوم حتى النخاع.

هذا هو الخلاف بينهم وبين عمر؛ عمر أحتفل بتفاصيل الحياة اليومية وجمالياتها وروح الشباب، وهم عملوا بكل جهد إلى قتل الحياة وتسميرها في أشكال طقوس وأصنام وحرق بخور والاحتفال بشيوخ يدعون الحكمة العتيقة، وشطار ماهرون في فك الألغاز وكتابة الأدعية ووصف الحبة السوداء لعلاج الصداع المزمن ومرض السرطان(**).

وهكذا كان عمر سقراط المدينة التي ذبحته مئات المرات... ومع ذلك فإنه ظل مؤمناً بمدينته حاله حال سقراط عاشقاً لها، ومحباً لكل شيئاً فيها... وذلك لأن عمراً كان الابن الشرعي لهذه المدينة الحضارية الثرية وكان كاتباً عضوياً بلغة إسوالد شبنجلر هدفه الإمساك بناموس الحياة الحقيقية وليس الركض وراء القشور وجزر السراب.

عاش عمر الحياة بكل تفاصيلها، وتخرج من تحت يديه أفواج من الأكاديميين العراقيين والعرب.. إلا أن عمراً كابد المرض ومات وحيداً في إحدى مستشفيات مدينته الحدباء، حاله حال الرموز الكبيرة التي خلدت أسماءها، في حين عبرت الحياة جيوشاً وأفواجاً من أدعياء المبادئ والنصوص، لتستقر أكواماً من أكداس في ذمة التاريخ.

وأخيراً لقد قرأت ما كتبوا وكنت الخبير العلمي على كتاباتهم الأكاديمية، فعرفت نوع مؤلفاتهم والمناهج التي أتكؤوا عليها في التأليف. وكتبت متطوعاً صفحات مطولة لتقويم ما دونوه وصححت الكثير وطالبتهم بإعادة كتابة التأليف من جديد، وكنت متسامحاً معهم، فلم أرفض التأليف وإنما اشترطت من الكلية أن تنشره بعد عرضه من جديد. وبالمناسبة استدعاني زميلي العميد الأستاذ دوري رحمه الله وطيب ثراه، وأكبر في منهجي العلمي الموضوعي. كما أن صاحبي الجواهي كان شاهداً على ثورتهم اللا أكاديمية وتوعدهم بالثبور من كاتب زاهد في الحياة، فقد كان الجواهي مشاركاً في كتابة فصل من المؤلف المذكور، وهو حي يرزق ويعيش في العراق ويرئس جامعة الديوان.

وهكذا كنت قريباً منهم وخبيراً عليهم وعارفاً ببضاعتهم بموضوعية ودقة، إضافة إلى كوني زميلاً لهم وشاهداً على مظاهر حياتهم وسلوكهم الغريب. خصوصاً عندما باركوا فعل مؤرخ الزمان (أو سكتوا عن إبلاغ المفكر الإسلامي عما فعل حكواتي الزمان وذلك خوفاً من سيفه القاطع للأرزاق قبل الأعناق) وذلك عندما خلط البيرة مع خل السلاطة وقدمها للمفكر الإسلامي بعد عودته من الحمام، ليلتهمها بمتعة أدهشت الشهود، ومن ثم أعلن للملأ عن تقديره العال لفرنسيس صانع سلاطة النادي الثقافي الجامعي يومذاك(***).

وضحك حكواتي الزمان منتصراً ومعلناً بفخر بأنه ضيع على المفكر الإسلامي حلمه بالفوز بعوالي الجنان والزواج من الحور والتمتع بصحبة الولدان المخلدين. وفي الوقت ذاته كنت زميلاً للمرحوم عمر الطالب، قرأت له وكتبت عنه، كما وكتبنا ونشرنا معاً في مجلتي الجامعة وآداب الرافدين وجريدة الحدباء. حقيقة إن عمراً كان مدرسة فكرية في الأدب العربي والنقد، كما أنه واحداً من روائي العراق المرموقين. إضافة إلى كونه إنساناً شفافاً رقيقاً... فرحم الله عمراً وطيب ثراه.



الهوامش

(*) أن قلبي يتقطع ألماً على ما حل في قسم الفلسفة - كلية الآداب – جامعة الموصل. فقد لاحظت من بعيد بأن كل شئ حاضر في القسم ما عدا روح الأختصاص والمنهج الفلسفي. فمثلاً لاحظت إن رئيس القسم من الخدمة الإجتماعية. واليوم يرأس القسم شخصاً ليست له مواد تدريسية في القسم. كما أن من مهازل العصر، إن نشاطات القسم الثقافية هيمن عليها مؤرخان مختصان بالسيرة النبوية. الأول يعرف بضع عبارات يرددها عن أبن خلدون وتوينبي وأشبنجلر (وبالمناسبة فقد كنت القارئ العلمي للفصل الذي كتبه عن أبن خلدون، وطالبت بإعادة كتابته من جديد ووفق شروط وذلك عندما كنت الخبير العلمي على كتاب دراسات في فلسفة التاريخ الذي صدر عن كلية التربية – جامعة الموصل). والثاني كتب في التفسير الأسلامي للتاريخ، كانت فصوله الأول والثاني بإعترافه هي خلاصة لكتابين، الأول في التفسير المادي للتاريخ والثاني في التفسير المثالي للتاريخ. أما الفصل الخاص بالتفسير الأسلامي للتاريخ ففيه إشكال علمي ومنهجي كبيريين. الأول نلحظ فيه إستبطان منهجي مكشوف لكتابات مالك بن نبي مع عدم الأشارة إلى المفكر الإسلامي الأصيل. الثاني إشكال في لغة الفصل، فقد أستخدم الكاتب بشكل مكشوف المصطلح اللغوي الذي تداولته الكتابات الوجودية وخصوصاً كتابات كولن ويلسون (والذي لم يتردد من الإستشهاد بأقواله في المقابلات والكتابات) والذي يتقاطع إلى حد النخاع مع الجانب العقيدي الإسلامي الذي يدافع عنه المفكر الإسلامي. خافوا الله وأتركوا الفلسفة لأهلها، فهي مهنتهم ومهنتكم حكايات التاريخ. وأنتم خبراء بالقص والحكي التاريخي. ولكن مع الأسف إنكم وحكواتي الزمان (والذي لم يتردد من كتابته الصحفية عن إلإتجاهات الفلسفية العربية وإعتماده على مصدر يتيم كتب من قبل كاتب لم يحمل إجازة فلسفية لا في بكلوريوسه أو دكتوراه، ففي البكلوريوس تخرج من كلية اصول الدين المسائية في باب المعظم، ومن ثم كتب عن أبن الروندي وتحت إشراف عريف الإنضباط في الجيش البريطاني كما يصف ذلك المرحوم الدكتور ياسين خليل طيب الله ثراه. وشاءت المواقف السياسية أن تدفع بالباحث في إبن الروندي إلى قسم الفلسفة. والحقيقة إن الرجل لم يكتب بحثاً أصيلاً في الفلسفة. وكل ما كتبه تحقيق نصوص بعض منها حققت سابقاً)، غرباء عن مضمار الفلسفة ولا تتقنون شيئاً من ألفباءها. فأرحموا أنفسكم وأرحموا القراء والطلبة المساكين.



(**) تقدم أحد الزملاء ببحث في تاريخ العلوم عند العرب (دراسة في الأعشاب الطبية)، وركز فيه على أهمية الحبة السوداء ودورها في شفاء أمراض عديدة، ولطيبة نية الدكتور الزميل الباحث، فأنه أقترح على العميد الممتحن في مرض زوجته المزمن، بتناول الحبة السوداء علاجاً شافياً لزوجته. وعدد فوائدها رابطاً كل ذلك بأقوال وأحاديث. فما كان من المؤرخ المعروف والعميد الطريف ورفاقه، إلا إن سخروا من الباحث ومن دعواه. فمزقت أوراق البحث ورميت في سلة المهملات. فكانت ظاهرة للتندر وصلت أخبارها في اليوم التالي إلى رئيس الجامعة الذي هدأ من جانبه كل الأطراف المشتركة في الموضوع. وتدور عقارب الزمان في العراق الممتحن، فيتحول واصف الحبة السوداء إلى عميد ومفكر تربوي إسلامي، يخطط للعملية الأكاديمية، لا في الموصل الحدباء بل يدعى للتخطيط والتأسيس في جامعة رفاق صرائف الديوان. إنه زمن مقلوب يا رفاق الديوان ويا واصف الحبة السوداء لمرضي الصداع والسرطان.



(***) تم نقل المفكر الإسلامي إلى متحف الموصل بسبب حسابات الجامعة السياسية، وكنت أنا وصاحبي الجواهي نتألم على خسارة القسم لزميل باحث أكاديمي نشط. ماذا حدث بعد ذلك، حدث أن كلفني القسم بتدريس مادة فلسفة التاريخ، ويبدو أن حواريه من الطلبة كانوا شهوداً له على ما جرى من تحولات بعد رحيله. ودارت عقارب الزمن، وتبدلت السياسة التعليمية، فأعيد المفكر الإسلامي الى جامعة الموصل، وفي ظهيرة شتاء 1995 وكنت رئيساً لقسم الفلسفة، وحينها كنت مع زميل لي نتمشى أمام العمادة، أقترب المفكر الإسلامي مني. وقال لي " أنا غضبان عليك محمد، فقلت له: لماذا سيدي؟ فقال: لا أتذكر، كيف أستاذ، أنا كنت من الممتعضين على طريقة نقلك إلى المتحف ". أستغربت من المفكر الإسلامي، الذي من المفروض به شرعاً أن يتحرى و يدقق في أي أمر، وأن يتردد كثيراً قبل قول شئ غير متأكد منه لأن جريرة الظلم في الحكم حرام . تركته بكلمات تؤكد على الأنتظار بتذكر سبب غضبه. حقيقة أنا أعرف السبب:

1 – أنا صاحب منهج فلسفي في دراسة التاريخ، وهو رجل ذو رؤية دينية سلفية هو يعترف بترويجها في مؤلفاته. كما أن فلسفة التاريخ هي مضمار فلسفي يندرج تحت ما نصطلح عليه بحقل " فلسفات العلوم " حاله حال فلسفة السياسة وفلسفة اللغة وفلسفة القانون …

2 – طلب القسم مني أن أختار كتاباً بديلاً لكتابه " التفسير الإسلامي للتاريخ " فخترت كتاباً مشهوراً وهو " فكرة التاريخ " لكولنكود وهو كتاب عالمي مشهود لمكانة مؤلفه الأكاديمية العالمية، وهوأستاذ إنكليزي وفيلسوف تاريخ. وهذا أمر مؤكد أزعج المفكر الإسلامي. وهو عارف بأن لا حول لي ولا قوة في عصر مؤرخ الزمان وصاحبيه الزيدي والعميد الذي يذبح الصديق قبل الغريب.

3 – كنت مواكباً على الكتابة في المنهج العربي لتدوين التأريخ في صفحات مجلة الجامعة، ومن ثم صدر كتابي " الفيلسوف والتأريخ " ومن ثم تلاه كتابي الواسع الإنتشار "القدر والإنسان" وهو قراءة أبستمولوجية للتاريخ. وربما منهجي الفلسفي العلماني أزعج المفكر الإسلامي. على كل لقد إختلط عليه الأوراق. إلا إن للرجل فضيلة لا ينكرها أحد عليه، وهي إنه كان صادقاً مع نفسه، يقول بوضوح ما يأتي على صفحات تفكيره من إمور..
أعلى