أ.د. سيّار الجَميل - عُمَر الطالبْ : شخصّية غير عادية.. القسم الثاني

القسم الثاني


ذكرياتٌ شجيّة لن تموتْ !

مقدمة :
اعود في هذه الحلقة الثانية لأكتب ذكرياتي المرة والحلوة مع الاستاذ الراحل الدكتور عمر الطالب ، وهذه ” الحلقة ” مأخوذة مما كنت قد سجلته من ذكريات خصبة مع الرجل ، والتي ضممتها فصلة مطولة من كتابي ” زعماء ومثقفون : ذاكرة مؤرخ ” ، وقد كنت صريحا للغاية في ما حصل بيني وبين الرجل منذ قرابة اربعة عقود من الزمن . دعوني احكي لكم التفاصيل بأقصى انواع الوفاء ، وبأرق صفحات الشفافية .. فلقد كانت التجربة تلك ، معلما على الطريق عند بداياته المليئة بالتطلعات والآمال .. وها نحن عند النهايات المأساوية التي نحتاج فيها اليوم الى التماسك والسماحة والوفاء ومنتهى التلاقي والاجتماع على ارادة واحدة مع استذكار تاريخ رموزنا كلهم من اجل الدخول الى مستقبل لا نعرف كيف سيتحدد مصيرنا فيه ، ولا مصير اجيالنا القادمة ونحن على ابواب الرحيل .. ممن عاش في القرن العشرين.

في كلية ألاداب بجامعة الموصل
دخلت كلية الاداب عام 1970 ، وكان ذلك ضد ارادتي ، اذ كنت أنوي دراسة القانون بكلية الحقوق في جامعة بغداد ، واكمل في السوربون بفرنسا ، ولكن ظروفي اثر وفاة والدي ـ رحمه الله ـ في العام 1968 حالت دون ذلك ، اذ كنت اكبر اخوتي.. كانت تلك الدورة الاولى من خريجي الصف السادس الثانوي ، وكانت الاسماء رائعة من خريجي الثانوية الشرقية بالموصل من نخبة طلابية متنوعة وذكية ومتطلعة الى مستقبل وضيئ للبلاد ، وقد انتشرنا في كليات جامعة الموصل التي كانت حديثة عهد التأسيس . دخل علينا الدكتور عمر الطالب قاعة المحاضرة في اول يوم من السنة الدراسية 1970- 1971 ، وكنت رفقة بعض الزملاء نجلس في الصفوف الامامية ، فدهشت لروعة محاضرته وسحرها .. ولكنه فاتنا بعد ايام ، ليأتي استاذ آخر مكانه هو الصديق المرحوم الدكتور محمد قاسم مصطفى ، واحسسنا بالفارق بين الاثنين ، اولهما مختص بالادب وثانيهما مختص باللغة ناهيكم عن فارق الخبرة والتجربة . ولقد بقيت اردد طوال اكثر من اربعين سنة ، بأن عمرا الطالب يعد فنانا ماهرا في محاضراته ، واحلى ما لديه ان باستطاعته ان يجذب كل طلبته وطالباته الى افكاره بقوة تعابيره .. ولا يتوقع اي طالب او طالبة متى يفاجئه الاستاذ عمر بسؤال او تعليق او اثارة أو قدح .. وكثيرا ما تخشاه الطالبات ان يقعن فريسة تهكمه لهن امام الجميع !
ترددت على مكتبه بالكلية بعد ان عرف من اكون .. وقد ذكر لي انه كان هو يزور والدي قبل وفاته عام 1968 ـ رحمه الله ـ ليستعير منه بعض الادبيات العراقية المفقودة ، واذكر منها مسرحية ” فتح مصر ” ، وهي مسرحية نادرة مطبوعة منذ العشرينيات كتبها الاديب الموصلي يحي قاف العبد الواحد الذي يعتبر من اوائل الماركسيين الشيوعيين العراقيين بالموصل ( وقد لحقت به مديرا لمدرسة القحطانية بالموصل عندما كنت احد طلبتها عام 1959 ) ، وقد ذكر الدكتور عمر في كتابه عن تاريخ المسرح العراقي فضل والدي عليه .. كما انه كان صديقا صدوقا لثلاثة من اعمامي ، واذكر انه قال لي ان لكل واحد منهم ثقافة معينة تختلف تماما عن ثقافة الاخر .. فأنت يا سيار تغرف من ثقافات متنوعة!

خمسينات اضاعها ضباب الايام
مضت ثلاثة شهور على ما اذكر وانا في السنة الاولى بقسم التاريخ اداوم على مضض قبل ان يبدأ عشقي لعلم التاريخ وفلسفته ، وكنت ازور يوما احدى المكتبات ، فاذا بنظري يقع صدفة على اصدار جديد للاستاذ عمر الطالب يحمل عنوانا هو ” خمسينات أضاعها ضباب الايام ” ، فاقتنيته ، وعدت الى البيت ، لأقرأ مجموعة قصصية قدمها صاحبها بمقدمة يقول فيها انه جمع بعض تلك القصص التي كان يكتبها منذ الخمسينات ، وها هو اليوم ينشرها مجموعة قصصية .. كنت اقرأ واكتب ملاحظاتي على هامش تلك المجموعة ، ولما انتهيت من قراءة الكتاب في غضون ساعات ، عدت لاسجل ملاحظاتي النقدية ، فاذا بي اجد نفسي امام مقال ساخن في النقد الادبي ، وجاءت تلك التصويبات والافكار النقدية صارخة وقاسية جدا في اللغة والادب منّي ازاء استاذ قديم في اللغة العربية ، بل ويحتل رئاسة قسم اللغة وآدابها .. كنت أظن وانا في بدايات الشباب وفي السنة الاولى من الجامعة ، ان يكون الدكتور عمر مرنا يتّقبل النقد الادبي الذي طالما دّرسه في قاعات الدرس ، ومهر هو نفسه في نقد نصوص الاخرين ..
لقد كانت مقالتي تلك قد اسميتها : ” في النقد الادبي : دراسة في خمسينات اضاعها ضباب الايام ” وأرسلتها الى مجلة ” الجامعة ” التي كانت جامعة الموصل قد بدأت تصدرها، وهي مجلة شهرية ثقافية ، وعند مطلع الشهر نشر العدد الثاني من المجلة مقالتي النقدية ، فأحدثت ضجة كبيرة في الوسط الجامعي والثقافي بالموصل وقت ذاك ، وانهالت التساؤلات : كيف ان طالبا في السنة الاولى يتجرأ وينشر مقالة نقدية بحق استاذه في اللغة العربية وآدابها .. ؟؟ اذكر ان اللوم والتقريع قد صّب علّي من والدتي ـ رحمها الله ـ ومن العم العزيز الاستاذ طالب علي الجميل ، وهو صديق صدوق لعمر الطالب ومن آخرين وانا ادافع عن مبادئ النقد الادبي ، وعن احترام حرية الفكر .. اما زملائي الطلبة ، فمنهم من كان معي ومنهم من كان ضدي .. اما الاساتذة ، فكانوا معي عليه امامي ، ولكنني سمعت انهم كانوا ضدي ومعه امامه !!
وفي صباح اليوم الثاني ، دخلت باب صالة الكلية عبر حدائقها لأرى الدكتور عمر الطالب ـ رحمه الله ـ ينتظرني ودارت بيني وبينه مجادلة لم استطع ان اسبقه فيها اذ كان هو الاقوى ، تحمّلت فيها قسوته بابتسامة وعدم اكتراث امام تجمع الطلبة والطالبات .. كان عصبيا لأقصى درجة وقد انتفخت اوداجه .. كانت المجلة بيده ، وهو يلوح بها ذات اليمين وذات الشمال ، ويقول : تنتقدني يا سيار على الفينة المنفلوطية ؟ وعلى الخمسينيات بدل الخمسينات التي استخدمتها ؟ وعلى سقسقة العصافير بدل الزقزقة التي استخدمتها ؟ وانها وقعت بيدك صدفة ؟ انا استاذي عبد القادر القط ؟ هل تعرف من يكون القط ؟ اجبته باستخفاف : انه الهّر حسب علمي ، فكان يزداد ثورة وانفعالا ! كان يزمجر وكأن الدنيا قد انقلبت عاليها سافلها ، وكنت احاول تهدئة الرجل بطلبي منه ان يرد عّلي في صفحات المجلة ، فتزداد ثورته .. دون الاعتذار منه ولم اجد الا ان اترك ردهة الكلية مع هياجه الى الحديقة ليلحق بي العشرات من الطلبة والطالبات من زملاء واصدقاء لم اعرف بعضهم ابدا . لقد سمعت بعد ذلك انه دخل قاعة الدرس ، وبدأ بتحليل مقالتي على الطلبة والطالبات باسلوبه الساخر والمتهكم ، وكنت سعيدا جدا بما فعله ، انني لم أتّوقع مثل هكذا ردة فعل ، وان يوازي نفسه مع طالب مستجد ! وعليه ، فان النقاط التي كسبتها كبيرة ، اذ شعرت كم كانت قيمتي كبيرة وانا في الصف الاول من الكلية ، وغدوت على كل لسان .. قال لي الدكتور عمر بعد سنوات طوال : لقد كنت اريد كسر ارادتك منذ بدايتك الاولى ، ولكنك كنت اقوى من ذلك بكثير ! قلت له : لو أخذت الامر ببساطة من دون تلك الضجة الكبرى ، لما صنعت منّي خصما لم يكن يوازيك وقت ذاك ، وانا لم اكن الا احد الطلبة الجدد !

انها تجربة ثانية
في البيت كانت والدتي حزينة كوني تجاوزت الحدود الادبية والاعراف الاجتماعية ، وطلبت مني ان اكتب اعتذارا وانشره ليس خوفا على مستقبلي في الكلية ، بل كيف لي هذه الجسارة وانا اواجه المجتمع لأن الاعراف لا تقبل ان يشهر اي طالب في المدرسة او الكلية سيفه على احد اساتذته .. فرفضت رفضا باتا ، بل كنت احاجج المنافقين بأن الرجل قد علّمني النقد الادبي على حقيقته .. وانا اعلم انهم سينقلون كلامي اليه .. لم تكن تلك التجربة النقدية الاولى في مقتبل حياتي ، بل كنت قد خضت من قبلها تجربة نقدية ضد مجموعة قصصية نشرتها فجأة السيدة الموصلية صفية الدبوني ، وهي سيدة مجتمع مخملي ، ولم يكن المجتمع وقت ذاك يعرف بأنها كاتبة مبدعة او مثقفة متميزة ! وقمت بنشر المقال النقدي ضد قصصها التي كتب بعضها باللهجة المصرية ، ونشرت مقالتي في جريدة الهدف الموصلية لصاحبها ومحررها المرحوم عبد الباسط يونس مطلع عام 1968 ، وكانت تلك اول ضجة في حياتي وانا ابن الخامسة عشرة سنة ، وفيها عرفت وتعلمت اسلوب المواجهة .. كنت في تجربتي النقدية مع الدكتور عمر الطالب مهذبا ازاء شخصه الكريم ، ولكنني حللّت المحتوى ، واعلنت عن بعض الاخطاء في المضمون واللغة والاسلوب .. كنت ولم ازل اظن ان النقد الادبي او اي نقد آخر من تحليل وتفكيك ، او من تصويب واعتناء هو تثمين للنص وخدمة لصاحبه .. هو اعتناء وتكريم لمن ابدع النص او كتبه .. والنقد ، كما قرأته وانا غض غرير عند رتشاردز ، ليس طعنا او شتيمة او قلة ادب ! ولكنه اهتمام وعناية ودعاية ومضت الايام وانقطعت العلاقة بيني وبين الرجل اثر ذلك الحدث المرير قطيعة كاملة بحيث لم اكلمه ولم يكلمني ابدا .

قصة آداب الرافدين
في السنة الثانية وانا في الصف الثاني من قسم التاريخ بكلية الاداب للعام الدراسي 1971- 1972 ، صدرت عن الكلية مجلتها الاكاديمية الفصلية ( آداب الرافدين ) ، وتضمن العدد بحوث بعض اساتذة الكلية ، ومنهم الدكتور عمر الطالب وقد نشر بحثا عن ” محمد امين العمري : حياته وشعره ” ، وقد اقتنيت آداب الرافدين من مطبعة الجامعة كونها لا تباع في السوق ، وعدت مسرعا اقرأ موضوعاتها ، وقد هالني ما نشره الدكتور عمر ، ويبدو ـ رحمه الله ـ انه كان قد تّسرع جدا في كتابته ، فضاعت عليه وخلط بين اسماء العديد من الادباء العمريين المواصلة وثلاثتهم او اربعتهم باسم : محمد امين ، فنسب قصيدة هذا في القرن 18 لذاك في القرن 19 ، فضلا عن اشياء اخرى لا يمكن السكوت عليها ابدا ، بل ينبغي تصويبها من خلال المصادر المحلية القديمة التي كانت مرصوفة في مكتبة عائلتنا القديمة .. فشرعت بكتابة مقال نقدي اصوب فيه تلك المغالطات ، وارجعت كل معلومة الى اصلها ، وفضحت تلك الانتحالات بين هذا وذاك .. وقمت بارسالها أول الامر في رسالة مهذبة بالبريد الى الدكتور عمر مطالبا اياه بنشر تصويب او تصحيح لما فعله .. ولكنه ردّ عّلي مشافهة واعلمني من خلال الدكتور محمد قاسم مصطفى بأنه لن يخطئ ابدا ، فقمت بكتابة عنوان ” ادعاءات في مهب الريح !! ” على المقالة ، وارسلتها بالبريد الى مجلة ( آداب الرافدين ) بالكلية التي انا طالب فيها ، والدكتور عمر عضو في هيئة تحريرها .. ومذ وصلت الرسالة ، عرف بها الدكتور عمر .. وكنت والله اتمنى عليه ان ينشر ملحقا او مقالا يصّوب فيها ما وقع به من اخطاء .. ولكنه لم يفعل وأبى ان يتنازل ..
وقد اعلمني بعد سنوات ـ رحمه الله ـ عندما التقيت به في المغرب انه كان يعيش ازمة صراع بين موضوعه وبين ذاته اذ كان قد سمع ان هجوما عاتيا سيحدث ضده ببغداد .. وقد اعلمته بأنني عندما كتبت ذاك المقال الثاني ضده لم اكن ادري انه كان يتعّرض لهجوم كاسح من قبل زميله بجامعة بغداد المرحوم الدكتور عبد الاله أحمد في مجلة ( الاديب المعاصر ) الفصلية متهما اياه ، اي الدكتور عمر ، بتهم شديدة تخص اطروحة الدكتوراه في تاريخ القصة العراقية ، اذ اتهم الدكتور عمر الطالب باخذ نصوص كاملة من رسالة ماجستير عبد الاله احمد وضمنها اطروحته .. ولكنني علمت بذلك بعد شهر تقريبا ، ولكنه عّد اي تراجع منه أمامي هو تثبيت لما يقوله خصمه ببغداد ، ولكن قناعتي انه حتى من دون تلك الازمة المثارة ضده ببغداد ، لم يكن من السهولة عليه ان ينشر بيانا او مقالا يصحح فيه الاخطاء التي ارتكبت في مقاله عن محمد امين العمري ! بل ويتراجع امام خصمه في الموصل ، وخصمه طالب وهو استاذ .. وهما في كلية واحدة .

الردود بعدم النشر على مقالتي
بعد اسبوعين ، وردني رد بالبريد ايضا من مجلة ( آداب الرافدين ) موقّع من قبل الدكتور يوئيل يوسف عزيز سكرتير التحرير ، يقول فيه ، لما كانت مجلة ( آداب الرافدين ) مجلة اكاديمية تعنى ببحوث الاساتذة فقط ، فان التعليمات تنصّ على ان لا ينشر فيها الطلبة ابدا ، وعليه نعتذر عن نشر الرد كونك احد طلبتنا في قسم التاريخ بالكلية .. لقد اضحكتني تلك الرسالة كثيرا ، وبدأت اسخر جدا من تلك ” المجلة ” التي لم انشر فيها قط طوال حياتي الاكاديمية ، حتى عندما غدوت احد اساتذة الكلية بجامعة الموصل لاحقا .. وقت ذاك وجدت ان اللعبة خاسرة مع الكلية بمسألة النشر ، فقمت بارسال المقال الى مجلة ( الجامعة ) ، وهي مجلة ثقافية شهرية وكنت قد نشرت فيها اكثر من مقال ، وبعد قرابة اسبوعين من الزمن ، وردتني رسالة من رئيس تحرير مجلة الجامعة يعتذر فيها عن نشر المقال ، قائلا بأن الاصوب ان ينشر المقال في ( آداب الرافدين ) نفسها كونها صاحبة الشأن .. فقمت بارسال المقال الى الاستاذ عبد الحميد العلوجي رئيس تحرير مجلة ( المورد ) ببغداد ، لنشره على صفحاتها ، فوردني بعد زمن اعتذاره عن نشر المقال اذ قال لي بالحرف : حسب قانون المطبوعات لابدّ ان ينشر اي رد في نفس المجلة او الصحيفة التي نشرت الاصل ، اي بمعنى لابد من نشر الرد في ( آداب الرافدين ) .. ولقد حاول البعض الاصطياد في الماء العكر ، وطلب مني ارسال نسخة من المقال الى الوزارة او رئيس الجامعة ، ولكنني لم افعلها ابدا ، اذ بدأت اراقب الرجل وهو يعيش ازمة حقيقية اكاديمية واجتماعية اثر هجوم الاستاذ عبد الاله احمد عليه ، فتركت موضوع نشر المقال للزمن ، ولكنني قمت بتصوير المقال ، بنسخ عديدة ، وارسلته الى ابرز المثقفين في الموصل من اجل الحقيقة العلمية لتاريخ الموصل الثقافي ، وكان منهم الاساتذة الراحلين : المؤرخ الراحل سعيد الديوه جي والدكتور محمد صديق الجليلي والدكتور محمود الجليلي والاستاذ عبد الباسط يونس وغيرهم . وكان الدكتور عمر وقت ذاك يصادق زميله الاستاذ المصري في الكلية الدكتور محمد احمد بسيوني الذي تعاطف معه ووقف معه في الرد على عبد الاله احمد .. وبالرغم من نشر الدكتور عمر ردّه في ( الاديب المعاصر ) على عبد الاله احمد ، الا ان لجنة تحقيقية علمية قد تشكّلت ضد الدكتور عمر بجامعة الموصل ، واصدرت قراراتها بحقه ، وعاش احباطا كبيرا رحمه الله ، ولكنه بقي ثابتا وقويا .. وقد زاده ذلك امام طلبته قدرة وعطاء .

اللقاءات الاخيرة
كنت قد غادرت العراق عام 1976 للدراسة العليا في بريطانيا .. ومضت سنوات طوال حتى العام 1982 اذ نلت الدكتوراه ، وبدأت اعمل في دول المغرب العربي .. وفي احدى زياراتي للمغرب استاذا زائرا لجامعة الحسن الثاني بكازابلانكا ، كنت بالمصادفة وجها لوجه امام عمر الطالب ـ رحمه الله ـ .. كان لقاء رائعا في الغربة البعيدة التي جمعتنا بعد ان افترقنا في مدينة واحدة .. كان لقاء حارا ، وعدت لاكتشف هذا الرجل من جديد .. وجدته وقد تواضع كثيرا معي ، ليس لأنه كان متكبرا ، بل لأنني اصبحت زميلا له بعد ان كنت طالبا .. وجدته لا يريد ذكر الماضي بينه وبيني ، ويأبى ان يعترف امامي ، اذ انني واثق تمام الثقة انه قد عاد الى المصادر ودققّ فيها ووجد جملة الانتحالات بين هذا الاسم وذاك .. نسينا الماضي وعدنا نتحدث عن بريخت والمسرح الالماني ، وواقعية القص والروي في العراق .. تحدثنا عن المغرب وطلبته الذين يعشقون القراءة الى حد النخاع .. ووجدته مرتاح البال والاسارير وكأنه وجد فرصة ذهبية وهو يعيش في مجتمع غير مجتمعه .. وبالاخص مجتمع كازبلانكا المنفتح ، اخذته بسيارتي في نزهة على ساحل الاطلسي عبر ضاحية عين الذئاب وسهرنا هناك ، وافترقنا على موعد وعدنا والتقينا .. سافرت الى وهران بالجزائر ومنها الى المعهد الاعلى للتوثيق بتونس وكلية الاداب بمنوبة وعدت الى الرباط هذه المرة ، فالتقيت مع عمر الطالب لقاء عابرا لم يدم طويلا كوني على سفر ..

العودة من جديد : لكل زمان ثقافة ورجال !
دارت الايام دورتها ، فعدت زميلا للدكتور عمر الطالب بجامعة الموصل ، فتوثقت العلاقة بيننا كثيرا ، بل وبدا ينفتح بذاكرته علّي ّ ، وهو يحادثني حديث المثقف عن تاريخ المسرح بالموصل ، وتوصلت معه الى اول من كتب القصة في الموصل من ادباء الموصل ومثقفيها .. وكانت اول قصة نشرت هي بعنوان ( بين الزمهرير والسعير ) قد نشرت بجريدة المصباح التي كان يحررها السيد عبد الحسين الازري .. كان يعشق السينما ، وهو ضليع بالافلام والروايات العالمية .. كنت اتعمد الذهاب الى بعض محاضراته وبعض مناقشاته رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه لاتمتع بجاذبية كلامه .. كان البعض يستغرب عندما يرانا معا ، وكيف انقلبت تلك الخصومة القديمة الى صداقة رائعة .. كان احد الاصدقاء وهو استاذ معروف ومؤرخ وزميل مهنة معنا ومن اقربائه يوخز من وراء ستار ان لا يحدث بيننا كالذي حدث قبل ازمان وان لا اكتب ضده ابدا.. فاضحك واقول له معلقا : لكل زمان ثقافة ورجال !
كنا نستعيد الذاكرة عن المغرب وايامها ، وكانت القاهرة بالنسبة له قبلة الثقافة العربية ، اذ كان يجعلها بعد الموصل وبغداد .. كان وفيا لاستاذه الدكتور عبد القادر القط ، اذ دوما يذكره بطيب الذكر .. اما ذكرياته ببغداد ، فكان يعشقها ، وخصوصا ، ابان مطلع الخمسينيات اذ كانت قد وصلت الى ذروة عطائها الثقافي وفضاءاتها الحرة .. كان يراها الصدر الرحب له ، اذ وجد فيها ما لم يجده في الموصل بكل انغلاقاتها وسطوة المحافظين فيها .. لذا كانت له صداقات ببغداد اكثر مما كان له في الموصل ..

النهايات بعيدة عني
كتب الاخ الاستاذ فارس سعد الدين السردار قبل ايام مقالا بجريدة الزمان ينعي فيه الدكتور عمر الطالب ، ودعوني اسجل ما اثير مؤخرا قبل رحيل الرجل : ” رحل الطالب تاركا وراءه زوبعة من الحوارات وتبادل الاتهامات واللوم والعتب والانفعال علي ما احتواه كتابه الأخير الذي صدر عن مركز دراسات الموصل بعنوان(موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين) الذي أثار حفيظة الكثيرين ممن أغفلهم كأعلام، بينما كان قبل وفاته قد ذكر ان الكتاب لم ينجز كما أراد ولقد تعرضت بعض صفحاته للحذف بسبب الجو السياسي المتلبد الذي رافق صدوره. ومما أثير حول الكتاب ان الجامعة بوصفها مؤسسة أكاديمية كان من الواجب ان لا تترك منجزا كهذا يمر دون ان تخضعه للجنة أكاديمية، تعيد النظر في منهجيته، وتدقق بعض المعلومات التي جاءت متلبكة، وان تقف أمام أصحاب المنجزات الحقيقية، لان بعض الأسماء التي وردت فيه كانت مقتضبة، لم تتجاوز السطر عن العلم، عاش الطالب حياته بالطول والعرض وخدم المدينة دون أدني شك، ولئن كان قد اخطأ فله اجر، وان أصاب فله أجران ” ( الزمان اللندنية ، 13 / 6/ 2008 ). هنا علّي القول ،بأن المسؤولية لا يتحملها المؤلف عن كتابه ، وما دام كتابه قد طبع من قبل احدى مؤسسات الجامعة ، فان الجامعة تتحمّل مسؤوليتها ايضا عن اي مادة علمية تنشر من خلالها ، كما هو معروف في كل المؤسسات العلمية . كنت أتمنى ان اجد هذه ” الموسوعة ” أمامي لأرى ما الذي كتبه الدكتور عمر الطالب عن اعلام الموصل في القرن العشرين .

ساعة الرحيل : ومضى وحيدا
بقي الدكتور عمر يداوم ، ولم يغادر الجامعة ، او يرحل عنها ، او يتقاعد منها .. فهي التي تجعله يتصل بمجتمعه وعالمه وتاريخه .. ويبدو انه لم يجد من يعالجه من ازمته القلبية لا في بيته ولا في المستشفى التي امضى فيها اتعس ايامه الاخيرة .. وقد رحل بعد عناء من جلطة قلبية قضت على حياته فرحل من دون وداع .. واسمحوا لي ان اقول لمناسبة هذا الرحيل المحزن ، بأنني اذ اكتب هذه ” الفصلة ” من الذكريات ، اقف اجلالا واحتراما امام الصديق والاستاذ والمعلم والناقد الدكتور عمر الطالب ، وستبقى ذكراه سارية على المدى ، وسيبقى جهده وأثره بكل اتساعه في مدينة احبها واحزنته ، وجامعة خدمها وخذلته .. متمنيا من كل ابناء الموصل البررة الاعتناء بمثقفيهم مهما اختلفوا معهم ، فلا حياة لمجتمعنا من دون التسامح والمحبة والتماسك .. وان تتفاخر الاجيال الجديدة برموز الموصل القديمة بالرغم من كل ما يحمله جميع الاطراف من مواقف لا ترحم ..
وأخيرا : ما الذي يعلمنا هذا الدرس اياه ؟
ان هذا ” الدرس ” يعلمنا جميعا كم هي عظيمة نسبية الاشياء ، وكم نحن بحاجة ماسة الى المرونة وكم نحن بحاجة ماسة الى ان نتعامل بالحسنى مع بعضنا الاخر من دون اية حساسيات مفرطة ، ومن دون اية منطلقات سايكلوجية ومواقف مسبقة .. علينا ان نغير ما بانفسنا وان نسامح بعضنا بعضا .. ان كانت هناك تجارب صعبة وخصومات سياسية او فكرية او ايديولوجية قد حدثت في الماضي ، فما الضير ان نقلب الصفحات ونفتح طريقا جديدا لنا في الحياة .. لقد علمتني الحياة العراقية كثيرا بأن لا يصّح في نهاية المطاف الا الصحيح ، وان الانسان لا يمكن ان يمتلك الحقيقة لوحده فقط .. وان كانت هناك ثمة ملاحظات او اختلافات فيمكن ان تعالج موضوعيا بمنتهى الشفافية بعيدا عن اية شخصنة للامور ، ومن دون النيل من ذات الاخر ، ومن دون فرض الامر بالقوة او المقاطعة او التهميش .. وعلينا ان نفتح صفحة جديدة في دراسة تواريخ رجالاتنا ونسوتنا ، وخصوصا المثقفين والمبدعين والتعامل مع كل من كانت له بصمات حقيقية في تاريخ مدينتنا او بلادنا .. علينا ان نستذكرهم جميعا وقد رحلوا رحلة ابدية بكل ما قدمّوه من عطاء ونتاج .. انني اذ اكتب عن استاذنا وصديقنا وزميلنا الدكتور عمر الطالب ، لا يمكنني الا ان اقف كي اقدم له تحيتي الاخيرة مودعا له وناقلا الامانة التي حملها على امتداد حياته الى الاجيال الجديدة .. رحم الله عمر الطالب رحمة كبيرة ، فلقد حفزنا رحيله المحزن لمثل هذه الكتابة وهذه الذكريات وهذا التفكير وهّز كلّ هذه الاجراس التي نحن بأمس الحاجة اليها اكثر من اي وقت مضى .

فصلة من كتاب الدكتور سيّار الجميل ، زعماء ومثقفون : ذاكرة مؤرخ
أعلى