زكريا محمد - عودة القومندان..

مرة واحدة فقط جالست، وبالمصادفة، المصور السويسري الشهير René Burri رينيه بوري (1933-2014) وحين جالسته قبل ما يقرب من ثلاثة عقود لم أكن، لغفلتي، أعرف عنه ولا عن شهرته شيئا. ولم يكن هو أيضا مهتما بأن يشرح لي من هو. لكن ما حصل أن سيرة غيفارا فتحت ونحن نتغدى في المطعم. لا أدري من فتحها، لكنها فتحت. فأخذ الرجل يتحدث بهدوء عن غيفارا. قال إن الحنين إلى الماضي دفعه إلى العودة إلى المنطقة التي عاش فيها كمصور مع غيفارا في بوليفيا. فقد رغب في أن يستعيد الماضي على أرض الماضي ذاتها، وأن يعرف ما حمله الزمن هناك من تغيرات.
ذهب إلى هناك. وفي البيت الذي قُتل فيه جيفارا الثائر نام ليلة، فوجد أن المنزل ما زال يعلق بوسترات جيفارا على جدرانه.
وفي الصباح الباكر، وقبل أن يصحو، تناهت إلى سمعه ضجة خارج المنزل. أصغى السمع جيدا، فسمع أصواتا تهتف: "قومندانو، قومندانو".
ظن أنه يحلم، إذ لا يمكن أن يكون القومندان غيفارا ما زال حيّاً. فقد قتل بالنار قبل عقود، وشاهد بعينيه جثته. لكن الأصوات التي كانت تضرب أذنيه بدت له كما لو انها قادمة من عالم الحقيقة، لا من عالم الحلم.
نهض لكي يتأكد مما إذا كان ما يجري حلما أم حقيقة. فتح الباب. وبعينيه اللتين أثار الضوء اضطرابهما قليلا رأى جمعا ما يدور حول شخص ما. كان الشخص يرتدي طاقية (بيريه) مثل طاقية تشي غيفارا، ويضع عليها النجمة الحمراء المعروفة تماما، نجمة القومندان.
ازداد ارتباك المصور. قال لنفسه: "أنا أحلم بالتأكيد. لكن لماذا لا أصحو من حلمي، رغم أنني أعلم أنه حلم؟". فرك عينيه، ثم تقدم نحو الجمع الذي كان يلتف حول الشخص الذي يرتدي طاقية غيفارا، ويصيح: "قومندانو... قومندانو"، أيها القائد... أيها القائد.
كان المشهد حقيقياً تماماً، ولم يكن حلماً. مئات من الفلاحين يطوفون حول القائد تشي غيفارا.
لكن تشي غيفارا الذي رآه المصور كان غلاماً في الثالثة عشرة من عمره. فقد اقتنع هذا الطفل أن روح غيفارا حلّت فيه. ثم استيقظ ذات صباح ليعلن لأهل منطقته، وقرب البيت الذي قل فيه غيفارا، أنه غيفارا. ما من أحد شجعه على ذلك. ما من واحد أدخل الفكرة إلى رأسه. هو وحده توصل إلى أنه غيفارا.
وصدّقهُ والده في البدء. ثم صدقهُ الفلاّحون. صدقوا أن روح غيفارا عادت، وحلّت في الفتى-الطفل.
وكان الفتى يعرج من شلل ما أصابه. وقال لي المصور السويسري: إن غيفارا نفسه كان هو الآخر يظلع قبل مقتله بفترة يظلع من طلقة كانت قد أصابته في فخده. إذن، فقد اكتمل الشبه، وتحقق.
الغلام كان يدعى رامون. لكنه الآن القومندان. وضع على رأسه طاقية غيفارا التي لا تُنسى، ونجمته الحمراء، وعرج مثله في التلال البعيدة في الريف البوليفي، أما الفلاحون فهاهم ينادونه: قومندانو... قومندانو.
هذا ما رواه لي المصور السويسري الذي رأى القومندان غيفارا يُقتل ثم يُبعث من جديد.
روى كل هذا وأنا أرتجف، لا أدري أمن الدهشة والسحر، أم من الخوف والتوتر، أم من الرجاء والأمل!
وحين انتهى من حديثه قلت في نفسي: لا أحد يستطيع أن يقتل الفكرة، حين تكون عادلة وعميقة. لا أحد.
فهي كلما دفنت عادت إلى الحياة من جديد.



ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...