سمير بية - نقطة حرف الغين..

ركض "رامبو" شاقّا الغابة المطيرة وهو يحمل الأربيجي على كتفه، بينما لمع سكّينه المسنّن في حزامه وبرزت عضلاته المفتولة وشعّت عيناه الضيّقتان ببريق غمر وجهه البرنزيّ الجهم.
تحرّك المشهد فإذا هو أمام مشهد مختلف تماما، أكوام الركام في كلّ مكان تصله العين بل تصله الكاميرا، وأعمدة الدّخان والغبار تتصاعد إلى السماء، صفارات سيارات الإسعاف تضجّ في الفضاء،أشلاء بشرية تُلتقط أو تسحب من قلب الفوضى، المشهد يبدو حركيّا أكثر هنا، فالدّماء حقيقيّة بل طازجة وأغزر وأشدّ صفاء و نقاء، العويل والبكاء يستنزفان دماء القلوب، العلم الفلسطيني يرفرف عاليا أبعد من وجه الموت القبيح، كم بدت ألوانه زاهية أكثر لقد عاد إلى عنفوانه وذاك الطفل يبتسم وهو يلوّح بالعلم رغم تواصل الغارة.
ضغط على زرّ في جهاز التحكّم فعاد إلى مشهد "رامبو" من جديد فألفاه في مشهد آخر من استعراض العضلات الأمريكية وصورة أخرى تسويقيّة لهيمنة أمريكا والرّجل الأمريكيّ بلْ الغربيّ الذي لا يهزم أبدا في الأفلام خاصة، ثم انتقل إلى غزّة من جديد فوجد المشهد صار دراميّا أكثر، سيارة إسعاف تحترق بمن وما فيها، بُنيّة تحضن دميتها وهي منغرسة في كوم حجارة، ذراع مقطوعة بدقّة صاروخ "الباتريوت"الذكي، امرأة حبلى استشهدت مع أبنائها الأربعة وزوجها بعد سقوط البيت بسقفه و جدرانه جرّاء قنبلة عنقوديّة، مسجد عمر الخطّاب دمّرته غارة حقود تدميرا كليّا، مدرسة سويت بالأرض، مستشفى يحترق بعد سقوط قذائف عليه فإذا أشلاء طبيب ومصوّر وأجزاء من كاميراته تعمّ المشهد، خبر عاجل يظهر أسفل الشاشة : أعلن مجلس الأمم الم..تّ..ح..د..ة عن إرسال شحنة من الدّمى البلاستيكية المصنوعة في مصانع الكيان الصّهيوني لتزيين فرحة العيد في فلسطين تضامنا مع الأطفال الذين استشهدوا أو جرحوا أو صاروا معوقين أو يتامى أو دون مأوى، فتساءل: مزيدا من الدّمى ألا يكفينا دمى السّلطة؟ لِمَ لا نصنع رجلا مثل"رامبو" بتلك القدرات الخارقة؟ ما الفرق بيننا نحن العرب و هُم الغرب؟ مجرّد نقطة حرف الغين لا أكثر أليس كذلك؟

سمير بية/ تونس

تعليقات

ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...