طيبة فاهم ابراهيم - حين نازلت الطويلة...

في المصارعة تنافس من كانت بوزنك، او اقل منه واكثر، اما الطول فلا مناص من مواجهة صاحبته مهما كانت شاهقة مثل نخله، عالية قد لا يبلغ طولي كتفيها.
واجهت من قبل في لعبة المصارعة فتاة طويلة لربما كانت اطول النساء ، لم اهتم كثيرا لطولها، فقد كنت اخطط لتكون صريعتي منذ اول لحظات، وحين تشابكنا، كنت اروم تقييد قدميها منذ اول لحظه، وكانت كلما حاولت الافلات التف باقدامي حول قدميها واحاول قلبها، حتى اذا ما حلت الجولة الثانية، كنت قد وضعت نهاية لها بتثبيت تام بعد ان اخذ منها التعب كل مأخذ.
ولاني امارس العاب المصارعة والملاكمة الجودو والتايكواندو والقتال الحر، فهذا ما جعل خصماتي متعددات يصعب احصاؤهن، لم يكنّ بالسهل او من يمكن اصطيادهن بيسر، ففيهن بطلات دوليات، ومنهن من تغلبت على جميع منافساتها في بلدها، وجاءت لمواجهتي.
في احدى البطولات الدولية للقتال الحر، وهو اقسى انواع الرياضة ، كونه يجمع بين المصارعة والملاكمة والتايكواندو ومعظم فنون القتال، تمكنت من التغلب على خصمتي المغربية بعد نزال عنيف لجولتين، وكنت فرحة بهذا النصر الجميل السريع، حتى تم اخباري بان خصمتي الثانية هي إلهام، التي سحقت خصمتها بالقاضية منذ اول جولة.
لم اكن قد التقيت الهام هذه او اعرف سحنة وجهها، وحين سألت زميلتي الاردنية عنها، ضحكت بلطف ثم اجابتني : من الافضل ان لا ترينها..
لم ادرك معنى قولها، واسرعت نحو المدرب الذي ابدى قلقه وهو بجيبني : إلهام هي اطول لاعبة ستواجهينها في البطولة....
في حجرة اللاعبات بقيت انتظر، اريد ان اراها فحسب، ادخلوا لاعبة على نقالة مقضي عليها تماما، ثم اعانوها على النهوض بصعوبة تامة، وذهبوا بها الى الفندق حيث مقر استراحتها، ثم دخلت فتاة طويلة، تنزع قفازها من يديها، تيقنت انها غريمتي الهام، وجلست قبالتي وقد اهدتني ابتسامة لطيفة.
كانت تردد كلمات لم افهم منها سوى انها تاتي لتجعل النسوة ينمن، ليس عبر قرص فاليوم، بل عبر القاضية، ثم سألتني ان كنت قد رايت فتاة على نقالة فاجبتها بالايجاب، فقالت : هذه ضحيتي المسكينة الثانية..
كانت جميلة على نحو ما، شاهقة الطول، مفتولة العضلات، ذات قدرات تمكنها من القضاء على متحديانها بسرعة ودون تردد، لاسيما الطول الذي يجعل هيمنتها على الحلبة شبه مطلقة.
لم اخف منها، وعلى العكس من ذلك، فقد ارتحت لها وكلامها، ووجدتها انسانة مرحة أنيقة وذات ثقافة، وكنت اروم ان ارقب لها نزالا كي اعرف مواضع ضعفها فأتمكن منها، وقد علمت كما الجميع مواطن قوتها، فلم افلح
لم تعلم اني خصمتها المقبلة، وتجنبت اي لقاء بيننا قبل النزال، كانت تلقب بالهام القاضية، اما جمهوري فكان يلقبني بالاسد، او ذات القبصة الذهب.
حين حلت ساعة النزال، دهشت خصمتي وهي تراني امامها، كانت قد سمعت باسمي، لكنها لم تدرك مني شيئا.
رسمت خطة في مخيلتي وبدات بتطبيقها، فلان ذراعيها طويلتان قويتان، قررت تحاشبهما والابتعاد عنهما، واتبعت خطة الكر والفر، فعبثا حاولت توجيه ضربة لوجهي، لكنها فشلت في ذلك، بينما كنت اوجه الركلات الى ساقيها، وتحاول هي توجيه مثلها لقدمي..
انتهت الجولة الاولى بالتعادل، ثم كانت الثانية التي نلت فيها بعض اللكمات الخاطفة منها، شعرت بدوار خفيف، لكني كنت اركز على بطنها وقدميها.
كانت المستقيمة التي وجهتها لبطنها مؤلمة لها، وحين لمحت الالم على وجهها، ركزت على البطن اكثر وبضخ لكمي عال، لكنها وجهت ركلة لوجهي كادت ان تسقطني ارضا، فأظهرت الما مبالغا به، منتظرة الركلة التالية منها، والتي ما ان وجهتها نحوي، حتى ادركت انها فرصتي التي لابد لي من اغتنامها، فسحبتها منها، واسقطتها ارضا، ولففت قدمي حولها وانا اطويهما، ثم توسدت ظهرها، وبدأت اوجه اللكمات نحو وجهها كما المطر، وانا اقيدها تماما، وسط جنون الجمهور، حتى اذا ما عجزت عن المواصلة، رمت مدربتها بالمنشفة انقاذا لها، وبذا فزت بالقاضية والتسليم معا، وكان من اجمل انتصارات حياتي .
ذهل الجمهور مما حدث، هي نفسها والدوار يحيط بها من كل جانب، كانت صدمتها بلعبي كبيرة، وحين اعلن الحكم فوزي، ظلت العملاقة تترنح وكأنها لا تعلم أين هي.
في حجرة اللاعبات، وانا استعد للمغادرة، فوجئت بقدومها ومدربتها جانيت معا، كانت السيدة جانيت تتبسم بجمال ولطف، وادب عال وصافحتني مهنئة اياي بالفوز، في حين عانقتني إلهام بقوة وصدق وقد همست باذنها مطمئنة عليها، عندئذ وقفت وأطلقت ضحكة عالية وهي تقول :
الحمامة طيوب صرعت نخلة عالية، وهذا حدث سبدخل التاريخ!!
ضحكنا وخرجنا معا، واكتشفت بعد عودتنا الى الفندق اني كسبت فوزا جميلا، لكنني كسبت انسانتين رائعتين حقا، السيده جانيت، والهام، طويلتي وجميلتي وحبببتي وصريعتي معا!!!

طيبة فاهم ابراهيم .

تعليقات

ويستمر هذا السرد الهادئ المنساب بليونة، المفعم بالمفاجآت.. والانتصارات.. والتقنيات الرياضية الرهيبة، وعذوبة الوصف وانسيابيته التي لا يعرف كنهها الا الأبطال الكبار العظماء.. ولا يتذوقه الا القراء المتمرسون بفنون السرد، ويضعنا أم حقيقة بأن الأدب والسرد العربي كسب أسوة بالرياضة والمصارعة قاصة كبيرة تعرف كيف تروض الكلمات، والوصول الى وجدان القارئ، لتصل يه وبلطف وليونة الى متعة ولذة النص في أقصى درجاتها
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...