قصي صبحي القيسي - تذكرةٌ للماضي

حينَ وَقَفتُ ونمتُ
رأيتُ العمرَ يمرُّ سريعاً كقطارٍ مذعورْ..
رُبْعُ القرنِ مضى
والأشجارُ المسكونةُ بِبَراءتِنا تَجترُّ الماضي
تعزفُ صمتاً لايُدرِكُهُ
إلّا مَن يأتي في ثوبِ التبريزيِّ
فيَشربُ نخبَ العشقِ
ويبقى في أفلاكِ الشوقِ يَدُور..
مِن وجهِ النرجسةِ الدافئ يُولَدُ - كانَ - النور..
حينَ هَمَسْتُ: أُحِبُّكِ،
صدحتْ بالترتيل حمائمُ
كانت تُخفي تحتَ جناحيها دفئاً
مخلوقاً قبل ولادتنا
وابتدأتْ
تحتَ سماءِ الربِّ صلاةٌ
وتَصاعَدَ غَيمُ بُخُور..
لكني في أول دربي ضيَّعْتُكِ
كُنتُ صغيراً أحبو فوق جدار الريح..
سَرَقَتْني مِن نَفسي مُدُنٌ خَلْفَ السورْ..
تحتَ حطامِ حروفي
خبّأتِ الخيبةُ لي تاجَ صفيح..
رُبْعُ الحزنِ مضى
والمصطبةُ الخشبيةُ تَجْتَرُّ القصةَ
تَذْرِفُ عطرَ الصندلِ
فوق الجمر الخامدِ
تَهْمسُ:
يا نيران الذكرى اشتعلي
لِيَكُنْ في الصدرِ لَهيبْ..
(سترى العالمَ حَبَّةَ رَملٍ
لكنكَ لن تَقطعَ تذكرةً للماضي)
قالتْ و مضتْ بنتُ فِليبْ..
في كل محطات الغربةِ تركَتْ عنواناً مختلفاً
في كُلِّ مطارات العالم تركَتْ عطراً
يَعبَثُ بالوقتِ،
ويجتازُ الأزمِنَةَ الحيرى مُنتشياً
ثُم يَغيبْ..
******
فوقَ حقيبةِ صمتي تلصقُ رقماً عاملةُ الطيران..
(لاتوجدُ تذكرةٌ للماضي) قالت وابْتَسَمَتْ،
فوقَ المَدْرجِ كانَ الثلجُ يُعانِدُ ساعةَ رسغِ الرُبّان..
******
في الوقتِ المُتبقّي من زمني المسروقْ..
أتَعَلّقُ في وسط المترو كالمشنوقْ..
(لِمَ لاتجلِس؟) قالتْ سيدةٌ لا أعرِفُها،
لكنّي أغمضُ عيني
وأنامُ وُقوفاً
لا أتَزَحْزَحُ
مِثلَ الشَجَرِ المحروقْ..
لأرى وَجْهَكِ فوقَ ضفاف الغُربةِ
يُولَدُ مِنْهُ شُروقْ..


قصي صبحي القيسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...