مصطفى مَلَح - المـرأة التي زلزلت عرشي.. شعر

ما حاجَةُ القَلْبِ للأَلْفاظِ والجُمَلِ
سَأَكْتُبُ اسْمَكِ بالآهاتِ والقُبَلِ
.
فَوْقَ الغُصونِ الحِسانِ الخُضْرِ أَكْتُبُهُ
بِخافِقٍ دائِمِ التَّفْكيرِ مُنْشَغِلِ
.
أَنْتِ الزَّبَرْجَدُ مَحْمولاً إِلى عَدَنٍ
يَكْفيكِ عِزّاً جِوارُ الحُورِ والرُّسُلِ!
.
أَنْتِ الحَقيقَةُ والغيدُ الحِسانُ صَدىً
شَتّانَ بَيْنَ حَقيقِيٍّ ومُنْتَحَلِ!
.
وأَنْتِ ما نَسَجَ القيتارُ مِنْ نَغَمٍ
وأَنْتِ ما سَكَبَ العُصْفورُ مِنْ عَسَلِ
.
وأَنْتِ هَمْسُ التَّرانيمِ التي انْسَكَبَتْ
وأَنْتِ صَوْتُ العَذارى في فَمِ الأَزَلِ
.
صارَتْ بِضَحْكَتِكِ الصَّحْراءُ في بَلَدي
صَحْراءَ مَزْروعَةً بالحُبِّ والأَمَلِ
.
لَمْ أَلْقَ غَيْرَكِ حَسْناءً مُنَقَّحَةً
فَالأُخْرَياتُ جَوارٍ في يَدِ الرَّجُلِ!
.
الحُبُّ تَوْأَمهُ الإيمانُ إِنْ سُقِيا
جادا وإِنْ نضَبا صارا بِلا عَمَلِ!
.
والحُبُّ يَغْسِلُ ما بِالرُّوحِ مِنْ دَرَنٍ
ما عيبَ حُبٌّ بِأَدْيانٍ ولا مِلَلِ
.
إِذا أَحَبَّتْ قُلـوبُ العاشِقينَ سَمَتْ
كَأَنَّها دونَ أَحْجامٍ ولا كُتَلِ!
.
وكَمْ مِنِ امْرَأَةٍ في العُمْرِ قَدْ عَبَرَتْ
لَمْ يَبْقَ مِنْها سِوى رَسْمٍ على طَلَلِ
.
كَأَنَّها زَبَدٌ يَفْنى تَشاكُلُهُ
أَوْ بَعْضُ ظِلٍّ هَوى في أَسْفَلِ الجَبَلِ
.
لَكِنَّكِ امْرَأَةٌ مُثْلى أُصِبْتُ بِها
وكَمْ مُصابٍ بِرَمْياتٍ مِنَ المُقَلِ!
.
إِذا أَصابَتْكَ عَيْناها بِصاعِقَةٍ
هَيْهاتَ يَشْفيكَ وَهْمُ السِّحْرِ والدَّجَلِ!
.
قَتْلُ امْرِئٍ بِعُيونٍ شابَها حَوَرٌ
أَشَدُّ فَتْكاً منَ الأَسْيافِ والأَسَلِ!
.
هذا فُؤادي دَمٌ في أَشْهُرٍ حُرُمٍ
أَمُسْتَباحٌ قِتـالُ العاشِقِ الوَجِلِ؟
.
لأَجْلِها المَوْتُ قُرْبانٌ يُطَهّرُني
مَوْتٌ بِطَعْمِ خُلودٍ غَيْرِ مُنْسَدِلِ
.
إِذا أَتَتْ قُلْتُ روحي الآنَ قَدْ وُلِدَتْ
وإِنْ هِيَ ارْتَحَلَتْ قُلْتُ انْقَضى أَجَلي!
.
كُنّا فُؤادَيْنِ في أَرْضٍ مُفَرَّقَةٍ
والآنَ صِرْنا فُؤاداً غَيْرَ مُنْفَصِلِ!
.
كَأَنَّها لَوْحَةٌ مَرْسومَةٌ بِيَدٍ
صيغَتْ أَنامِلُها مِنْ طينَةِ الأَزَلِ
.
أَمْحو وأَرْسُمُ بَحْثاً عَنْ مَلامِحِها
بَيْنَ الخُطوطِ وبَيْنَ المَحْوِ مُرْتَحَلي
.
إِذا بَدَتْ فَحَواسُّ الرّوحِ هائِجَةٌ
وإِنْ خَبَتْ فَحَواسُّ الرّوحِ في عَطَلِ
.
بَيْنَ الرَّواحِ وبَيْنَ الغَدْوِ أَرْسُمُها
يَمامَةً بِهَديلٍ ساحِرٍ جَزِلِ
.
قَلْبُ الحَبيبَةِ عُصْفورٌ تَطيرُ بِهِ
ريحُ المَساءاتِ مُنْقاداً إِلى سُبُلي
.
رَشَّ المَكانَ بِتَغْريدٍ يُرَدِّدُهُ
قَلْبي بِصَوْتٍ شَجِيِّ النَّبْضِ مُتَّصِلِ
.
جَبينُها باذِخُ المَبْنى ومَبْسَمُها
شَبيهُ فَجْرٍ بَديعِ الصُّنْعِ مُكْتَمِلِ
.
عِطْرُ الكَواكِبِ مَنْثورٌ على بَدَنٍ
والشَّعْرُ كاللَّيْلِ مَنْشورٌ على زُحَلِ!
.
شَعْرٌ يُلامِسُني سودٌ ضَفائِرُهُ
تَلْهو بِها نَسَماتٌ دونَما مَلَلِ
.
كَأَنَّما يَسْتَحِمُّ الجِسْمُ في وَهَجٍ
ورُبَّ نورٍ بِبَعْضِ النّورِ مُغْتَسلِ!
.
كَأَنَّها صِفَةٌ لِلْقَلْبِ تَنْعَتُهُ
أَوْ مُبْدَلٌ عاشِقٌ يَحْنو على البَدَلِ!
.
لَمّا رَأَتْها الصَّبايا قُلْنَ في عَجَبٍ
أَنْتِ الكَمالُ بِلا نَقْصٍ ولا خَلَلِ
.
أَخيطُ فَجْراً لِعَيْنَيْها بِقافِيَةٍ
تَسْعى بِدونِ زِحافاتٍ ولا عِلَلِ
.
عَيْنانِ أَمْ غابَتا دَوْحٍ وتَحْتَهُما
أَنْفٌ دَقيقُ الحَواشي غَيْرُ مُرْتَجَلِ
.
أَمْ غَيْمَتانِ بِبَيْداءٍ وفَوْقَهُما
شَعْرٌ جَدائِلُهُ تَنْسابُ في كَسَلِ
.
البَحْرُ زُرْقَتُهُ مِنْ عُمْقِ مُقْلَتِها
والوَرْدُ حُمْرَتُهُ مِنْ حُمْرَةِ الخَجَلِ
.
الرّوحُ غارِقَةٌ ما عابَها غَرَقٌ
وكَيْفَ يَخْشى غَريقُ الحُبِّ مِنْ بَلَلِ!
.
والدَّرْبُ مَزْروعَةٌ عِشْقاً مَدائِنُهُ
والبيدُ مَفْروشَةٌ شِعْراً مِنَ الغَزَلِ
.
لَوْ في جُموعٍ تُناديها صُوَيْحِبَةٌ
ريمٌ مُدَلَّلَةٌ تَمْشي على مَهَلِ
.
أَطْوي المَسافَةَ لا أُلْقي بِأَسْلِحَتي
ساعٍ إِلَيْكِ أَصوغُ النَّصْرَ مِنْ فَشَلي!
.
وإِنْ رَأَيْتُ طُيورَ الوُرْقِ سابِحَةً
لَمْ تُغْرِني بِمَكانٍ مِشْيَةُ الحَجَلِ!
.
اللّيْلُ مَوْعِدُنا والصَّبْرُ أَتْعَبَني
لَيْتَ النَّهارَ مَشى جَرْياً على عَجَلِ!
.
يَحِنُّ قَلْبي إِلى هَمْسٍ يُدَغْدِغُهُ
وآهَةٍ حُرَّةٍ تَشْفي مِنَ العِلَلِ
.
وبَسْمَةٍ يَمْسَحُ الظَّلْماءَ بارِقُها
كَما يُزيلُ الدَّياجي بارِقُ الشُّعَلِ
.
إِذا الدَّلالُ تَمَشّى في مَفاتِنِها
مادَ الفُؤادُ كَصَبٍّ بِالهَوى ثَمِلِ
.
الآنَ صِرْتُ طَليقاً في مَشاعِرِها
قَبْلَ المَحَبَّةِ كانَ العُمْرُ مُعْتَقَلي!
.
ضَفَرْتُ مِنْ حُسْنِها بَيْتي وعاصِمَتي
وإِنْ تَداعَتْ دِياري قَلْبُها نُزُلي!
.
جَعَلْتُ قَلْبي وما يُخْفي خِزانَتَها
حُبّي رِداءٌ وأَشْواقي مِنَ الحُلَـلِ!
.
بَيْنَ الرُّفوفِ حَنينٌ باسِطٌ يَدَهُ
وأَدْمُعٌ مِنْ عِتابٍ هامِسٍ خَجِلِ
.
إِنّي ذَكَرْتُكِ والأَنْواءُ عاصِفَةٌ
والبَرْقُ دامٍ يُصيبُ الرّيحَ بالشَّلَلِ
.
فَزارَني طَيْفُكِ المَحْبوبُ يُؤْنِسُني
وصارَ يَمْسَحُ خَوْفي دونَما كَلَلِ
.
جودي عَلَيَّ فَإِنَّ الرّوحَ قَدْ نَضَبَتْ
لا ماءَ إِلاَّ الذي في غَيْمِكِ الهَطِل!
.
خِصالُكِ اخْتَزَلَتْ كُلَّ النِّساء فَلَمْ
تَتْرُكْ لِواحِدَةٍ شَيْئاً مِنَ المُثُلِ
.
يَلومُني صاحِبي أَنّي بِها شَغِفٌ
كَفاكَ يا صاحِ مِنْ لَوْمٍ ومِنْ عَذَلِ!
.
ما العُمْرُ إِلاّ سُوَيْعاتٌ لَوِ اجْتَمَعَتْ
لَيْسَتْ سِوى هاتِفٍ في الحُلْمِ مُخْتَزَلِ!
.
ولا تُجادِلْ فَتىً أَسْرى الهُيامُ بِهِ
ما ضَيَّعَ الـوُدَّ إِلاّ فائِضُ الجَدَلِ!
.
لا يَسْتَوي مَنْ قُلوبُ الغيدِ مَوْطِنُهُ
وآخَرٌ غارِقُ الوِجْدانِ في الوَحَلِ!
.
وكَمْ فَتىً لَم يُصافِـحْ أُذْنَهُ رَجَزٌ
أَنَّى لِمَيْتٍ سَماعُ الشِّعْرِ والغَزَلِ!
.
فَلا تُعاتِبْ ورَبِّ البَيْتِ عاطِفَتي
ما كانَ عِشْقُ السَّنا الأَسْمى مِنَ الزَّلَلِ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...