مأمون أحمد مصطفى - أبــي..

كان أبي...

وهل على الأرض مثل أبي؟!

ذلك العجوز الرائع الرائق الوجه، الناصع البياض والنور والمحيا، المترقرقة بسماته بين حبات الندى كماس منثور داخل أشعة الشمس المشرقة على يوم خرج الكون فيه ليغتسل بحبات عرقه الساقطة من غرة الجبين كنهر من زمرد على خطوط الأيام والزمن.

كنت في غرفة السجن، سجن نابلس المركزي، أحاول نسج سبب لانقطاع الزيارة منذ أشهر، بخيوط من أمل متفائل، لكن العزلة، والنفي بين جدران لا تستطيع أن تهمس بخبر عن شارع قد لا يبعد عنك سوى أمتار، تلك الجدران المنتصبة كحائل زمني وأرضي بيننا وبين الأمتار القليلة، نبهت في ذاتي هواجس الحزن، واستفزت توقعات السواد والمصيبة.

عاد زميلي من الزيارة، نظر إليّ وهو يرسم ابتسامة يقطر منها الأسى، وتندفع من ظلالها الحسرة، جلس بجانبي وهو يستدعي الفرحة لترتسم على حروف يستعد لنطقها.

قال: ألف ألف مبروك يا صديقي، زوجتك وضعت غلاما، وزنه تجاوز الخمسة كيلو غرامات، رائع الجمال، مكتمل البناء والصحة، فيه روعة يتحدث المخيّم بأسره عنها، وقد أسمته "أحمد".

سقطت السماء من مكانها دفعة واحدة، وانغلق قلبي الذي كان يستعد لدخول النّشوة، تسرب الزقوم إلى روحي، وانهال الحنظل كنهر غاضب في حلقي، أحسست أعصابي تتقلص، تنكمش، وظننت بأن التقلص والانكماش أصاب جسدي أيضا، هو التبخر من المكان والزمان، التلاشي في عوالم لم توجد بعد، لم تخلق، بل هي رأسية في عمق الغيب الذي لا يعلم عن الغيب إلا قليل القليل.

ولماذا "أحمد"؟!

أدار وجهه نحوي، وقد ذابت البسمة عنه واختفت الفرحة، تبدلت ملامحه تبدلا كاملا، حتى لمحت انتفاضة أرنبة أنفه.

قفز عن البرش متجها نحو شاويش الغرفة، وبدأ يهمس بأذنه، وعينيه الناضحتين حيرة وانشداه، تنغرسان بعيني المذهولتين بحقيقة أراها ماثلة أمامي، ولكني أود أن أكذبها.

لا، لا يمكن أن يموت أبي؟!

مستحيل هو على الموت والفناء، بل فيه من العزيمة والقوة، وفيه من الحب والحنان، ما يفوق قدرة الموت على الاقتراب منه، هو أبي، نعم أبي أنا، أبي الذي لا يشبه الآباء، الرجل الذي لا يشبه الرجال، لا يمكن أن يكون الموت قادرا على النيل من قلبه الفياض بالحب والحنان والرقة!

نعم كل الأشياء ضرب من ضروب الهلوسة، وجودي في السجن، الناس المحيطة بي، العيون التي انكسفت بعد أن عرفت بالخبر، السجان، الزيارة، الدخينة التي لسعت أصابعي، الكون كله هاجس من ضرب كابوس أو هلوسة.

هو حلم جاء إلي حين نِمْتُ منذ أشهر، نومة أصحاب الكهف، لكنهم ناموا دون أن يضربهم كابوس الشؤم، ودون أن يصلهم نعيق بوم أو غراب، حلم يدفعني نحو رجاء الصحو بالتقدم، ولكن دون أن يلامس مراكز الوعي والإدراك.

لماذا أحمد؟!

الاتفاق بيني وبين زوجتي أن يسمى "منتصر"، ليكون شقيقا "للمعتصم"، لكن الأمور سارت بطريقة أخرى.

انهارت كل الأشياء وكل المسميات، وتداعت كل الهموم والخواطر، وتردمت كل الأماني وكل الطموحات.

لمن سأخرج من هنا، بل كيف سأسير في الشوارع والطرقات، وكيف يمكنني قبول ضمة الناس لي حين يأتون مهنئين بمناسبة خروجي؟!

لم يخطر ببالي من قبل، ولا بأي شكل من الأشكال، ولا بأي خاطر من خواطر الصحو أو النوم، ولا حتى بلمحة تصور عابرة، بأن الشمس ستشرق على كون لا يوجد فيه جسد أبي الغارق بالعناء والتعب والألم والسهر، جسد أبي المرصوفة كل ذراته بألوان العذاب والوجع، من أجلنا، ومن أجل أبنائنا الذين ولدوا من حدقات عينيه المبللة بملح العرق الذي كان يزخ جلده طوال النهار من أجل أن يعود حاملا لهم بيديه حسنة اليوم.

أولادي الذين خرجوا من رحم فرحته وبريق عينيه، ولدوا بملامحه العربية المخضلة بالحنان والندى والرحمة.

ماذا سأقول لهم الآن؟

حين يقفون على باب البيت، وفي عيونهم لهفة الانتظار للحسنة، وللقبلة، للتعربش على أكتافه وصدره وظهره؟ ماذا سأقول لهم حين يجن الليل ويبحثوا على فخذه، وسادتهم التي يتناوبون بالنوم عليها قبل أن ينقلهم إلى فُرُشاتِهم وهو يبسمل ويقرأ السور القصار؟

إلى من سيلجؤون منذ اليوم إذا ما غضبت منهم؟ إلى أي صدر سيقفزون طالبين الحماية؟ بعد أن غاب ذاك الصدر الواسع الرحمة والصبر؟!

كان أبي؟!

جملة جديدة، دخلت قاموس حياتي، بكل ما فيها من وقاحة وصفاقة، بكل ما فيها من لؤم ومن كآبة، دخلت مرة واحدة، لتفجر في ذاتي شعورا أرفض العيش معه أو استقباله، لكنها دخلت، بكل ما فيها من قبح وقيح وصديد، لتحول صدري الواثق من خطوات الزمن والأيام، إلى مجموعة ركام متساقط تعلوه الغربان، ويُتَوِّجُه الانكسار والهزيمة.

كان أبي؟!

وكانت الدنيا لنا جنات، وكان الكون لنا بساتين، ومن قلبه كانت أنهر تنبع، وأبحر تجري، عشقا وحنوا وحنينا، وكان البيت يعبق برائحة البريق المرسل من عينيه الخضراوين، بروائح الياسمين والبحار، شوقا ولهفة لفيض محبته التي تنشر روائح الأبوة في كل زاوية من زوايا البيت، وفي كل جدار من جدرانه.

حتى الأواني والفراش، الأشياء واللحظات، الثواني والهنيهات، كلها تعرف طعم أبي، طعم بسمته، نكهة يديه المباركتين، الملتحفتين عناء الزمن والسنين، حتى الهواء المار من بين ثنايا الزمن يعرف أبي، يعرف وجهه الطيب، ورأسه الأصلع الناصع بالبراءة البيضاء القادمة من قلبه العابق بالشفقة علينا.

كان يقول لي:

إذا مت قبل أمك، حاصروها بالحنان، بالرأفة، بالمحبة، بالشفقة، فهي وحيدة في هذا العالم، لا أخ ولا أخت، كلهم غابوا بعد النكبة، دخلوا دائرة الضياع، وظلت هي معي، وحيدة، تبكي وتندب، تنادي الأرض والمسافات والمدن، تستجدي الغيب والغموض، تنبش المستقبل بدموع لم تجف، وبقيت على ذلك، متناثرة بين الآلام والآمال، غير مدركة لحركة الأيام في جسدها المتضخم المتورم حسرة ولهفة على أهل حملهم الزمن والأيام إلى مكان ما، قد يكون قريب، ولكنه بقربه أو بعده، عذاب يتسلل إلى جسدها ليفرخ كل يوم ولحظة، عذابا جديدا.

هي وصيتي الوحيدة، لأنها كانت مذ عرفتها أملي وكياني، وفرحتي الوحيدة.

آه... يا أبي..

للفجر بوجودك معنى آخر، فيه لذة الصبح المصحوب بقرقعة إبريق الشاي، ورقرقة ماء الوضوء، وسكينة النفس بالدعاء، فيه عذوبة وقع خطواتك وأنت تغادر إلى صلاة الصبح وصوتك يصل إلى مسامعي: "أصبحنا وأصبح الملك لله"، "يا رب يسر ولا تعسر"، لخشخشة المفتاح حين تعود، لتقبيلك جبهات أبنائي قبل أن تغادر إلى العمل، للفجر فيك علامة خاصة، محملة بأنفاسك، أنفاسك التي كانت تنتشر لتتوزع على محيط البيت كله.

ذهب الذي كان يأتيه الليل باكيا شاكيا وحزينا، ذهب الذي كان يعطيه من نور عينيه ضوء القمر ونور الشمس، ومن قلبه كان يمنحه سحرا مبينا.

ذهب الذي كانت تطلع من بين ثناياه غابات الحور ورياض الغار، ومن بسمته كانت تولد أحلام المسك وأحلام العنبر، وحقول من عبق، وروائح من ياسمين.

ذهب من كانت على أنامله كنوز الأرض تحيا، وعلى أهدابه تنام ملائكة وعَنادِل وحَسَاسِين.

ذهب الذي كان يشقى بحبنا تعبا وألما ووجعا سنين وسنين، ذهب الذي يغسله حبنا عرقا كاويا وبراكينَ.

ذهب أبي...

هل تصدقون أن يذهب من كان لنا موئلا وعرينا؟ ؟ !!!

آبناؤنا... أولادنا...

من سيأتي لهم حاملا بيديه عرائس السكر والبراد؟ من سيجلس على مصطبة البيت مقشرا لهم أكواز الصبر والتفاح؟ من سيشوي لهم حب الكستناء؟ من سيعصر لهم رمانا وبرتقالا وليمونا؟

من سيشيلهم فوق كتفيه؟ وبهم يدور ويدور؟ من لهم غير الذي كان ركنا ركينا؟

من سيعطيهم بعد الذي ذهب بريق عينيه؟

من سيهديهم غير الذي ذهب ماء الشرايين؟


والهفي ولهف نفسي عليك يا أبي.

ها أنا بين جدران السجن، أتلقى خبر رحيلك عن الدنيا، عن أولادي، صغاري الذين رأوا بحضنك الدافئ اللامع ملاذا يعوضهم غيابي، عن الحارة والطرقات التي كانت تسامرني ليلا وهي تحدثني عن وقع خطواتك فوقها، خطواتك التي منحتها العفوية والبساطة، وشكلت فيها ملامح المكان والزمان، وجمعت في ذراتها علاقة الخطوة بالأرض الممتدة إلى اللانهاية.

لا، أنت لم تمت، أنا لم أشاهد الموت وهو يستل روحك، ولم أشاهد الناس وهم يزفوك إلى المسجد، ولم أسمع دعاءهم داخل الجنازة، ولم أشاهد الحفرة التي استأثرت بجسدك الملوح بعذاب الأيام والسنين، ولم أشاهد ما يسميه الناس بالقبر.

سأخرج من هنا، إلى البيت، إلى الشوارع التي تعودت احتضان خطواتك، لمصطبة المسجد المنتصبة على بابه، حين كان جسدك يستريح هناك، سأخرج لأولادي، لأطفالي، العابقة أجسادهم برائحة عرقك وطعم ملحك، نعم، وسأجلس كل صباح أنتظر خشخشة المفتاح في باب البيت، لأني على يقين مطلق بأنك ستأتي لتدير المفتاح وتخرج أحزاني وعذاباتي إلى صدرك، كما كنت سابقا تفعل.

أبي...

يا أجمل وجه عرفته روحي، وتعود عليه قلبي، مذ خلقت وحتى اليوم...

أنا هنا بانتظار خشخشة مفتاحك بالباب.

فلا تطل الرحلة، ولا تستعذب المشوار.

- مأمون أحمد مصطفى.

فلسطين- مخيم طول كرم

النرويج: 19-10-2006

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...