أشرف الخضري - الْفَلَّاحُ...

أشرف الخضرخَرَج الْمُنَادِي عَلَى ظَهْرِ حِمَارِه وَطَاف شَوَارَع الْعِزْبَة وَأَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّ الْحَدِيدَ تَكَلَّم .
تَوَافَد الفَلاحُون والصيادون لِأَكْثَر مِنْ أُسْبُوعٍ عَلَى مَقْهَى عِيد، لِمُشَاهَدَةِ الْحَدِيد الَّذِي يَتَحَدَّث، وَاسْتَغْرَق الْأَمْرُ شُهُورًا حَتَّى اِقْتَنَع النَّاسُ أَنَّ الرَّادْيُو اخْتِرَاعٌ عَبْقَرِيٌّ، يَنْقِلُ أَصْوَاتَ المطربين وَالْمُقْرِئِين والإذاعيين عَبْرَ الْهَوَاء لِلْأِسْمَاع .
يَوْمِهَا كَانَ حَسَنٌ كميج، الْفَلَاحُ الْأُمِّيّ ابْنُ الْعِشْرِينَ، الضئيلُ كعنزة ، وَالْجَمِيلُ بِشَعْرِه الْأَصْفَر وَعَيْنَيْه الخضراوين، شَاباً مَجْهُولًا حَتَّى لِأَقَارِبِه مِنْ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ .
وَذَات صَبَاحٍ خَطَرَت لَه فكَرِة.
حَمَل كِيس سَكِر، وَجَلَسَ عَلَى حَافَّةِ مَصْرِف الْمَاء الْعَذْبِ، وَظِلّ يُذَوِّبُ السُّكَّرَ فِي الْمَاءِ بِيَدَيْهِ .
- مَاذَا تَفْعَلُ ؟! سَأَلْتُه زُبَيْدَة ابْنَةُ عَمِّهِ .
- أُحَلِّي مَاء الْمَصْرِف ليصلنا حُلْوًا !
زُبَيْدَة الَّتِي تَصْغُر حَسَنَاً بِسَبْعَة أَعْوَام، مِنْ أَجْمَلِ بَنَات الْعِزْبَة، وَجْههَا جَمِيلٌ أَبْيَض، خَضْرَاء الْعَيْنَيْن ويتماوج شَعْرُهَا الغزير بَيْن لَوْنَيْن، بني وأصفر، وَكَانَت نحيلة وَقَصِيرِة ومتناسقة التَّفَاصِيل، وَمُنْذ بَلَغَت تِسْعَ سِنِين أَحَبَّت حَسَنَاً وَتَعَلَّقَتْ بِهِ، دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ هُو لِهَذَا الْحَبّ، رَغَم أَن زُبَيْدَة قَضَت أَغْلَب سَنَوَات طفولتها وصباها فِي بَيْتِ حَسَنٍ، وَأَحَبَّت زَوْجَة عَمّهَا وَهِي أحبتها، وَغَسَلَت وطبخت وخبزت ونظفت، كَأَنَّمَا كَانَتْ ابْنَةً لِامْرَأَتَيْن .
كان الماء ينبع من مضخات حديدية، ذات ذراع حديدي يعمل كمضخة، يتجمع الرجال والنساء والأولاد والبنات، ويملأ كل واحد منهم آنيته النحاسية، وخُيّل لحسن أنه عندما يضع السكر في المصرف، سيصبح الماء حلواً في كل مكان، أحب أن يفعل شيئاً جميلاً للبط والإوز والكلاب والبشر. لكن الحادث أصبح حديث العزبة، واشتهر حسن وصار رمزاً للعبط والطيبة والخلل العقلي الطفيف، وسبباً لإضحاك الناس وحكاياتهم الساخرة.
كانت أمه فضة، فلاحة بارعة في صناعة الخبز الكميج المعجون باللبن، وذات صباح في صباه، أعطت لأولادها السبعة كل واحد رغيفاً، وكان رغيف حسن أصغر حجماً، فغضب وبكى وشكى أمه لنساء العزبة، ومنذ ذلك اليوم التصقت به كلمة كميج.
دخل السينما للمرة الأولى بعد أن أقنعه ابن عمه وأخذه معه، وضع المخرج كاميرا على منتصف السكة الحديدية، ثم ظهر القطار وهو ينفث البخار ويُدوي صوتُه، وانطلق في مواجهة جمهور السينما، لكن حسن قفز وصرخ وجرى في العتمة ناحية الخلف.
- غيتونا يا ناس القطر هياكلنا!
وفي المرة الثانية رأى حريقاً هائلاً داخل الفيلم، فحمل دلو ماء توضع فيها زجاجات كوكا كولا وحاول إطفاء الحريق!
وضحك الناس في القاعة وأصبح حسن شخصية ساخرة معروفة.
كان يعمل فلاحاً أجيراً، يركب حماره الأبيض في الصباح الباكر ويذهب إلى غيط الحاج شبانة، ويصلي الظهر والعصر في الأرض، ثم يرجع إلى بيته.
حسن الطيب العفوي البدائي، لا يعرف أحقاداً ولا حسداً، لا يغار من أحد، لا يشغل باله برزق أحد من أهل العزبة، يؤمن بالمثل الذي حفظه عن أبيه، لو كان الرزق بالتعب لنام الحمار على الذهب.
كان يعتني بحماره كأخ، يحممه في المصرف بقطعة لوف، ويضع له طعامه وماءه قبل أن يأكل هو، يتحدث معه كما يتحدث مع أي شخص في العزبة، وكان الحمار يهز رأسه، كأنه يفهم كلماته، فيرضى مرة ويعترض مرات، وكان حسن يغضب إذا شاكسه أحد أبناء الحارة وقال للحمار: زرررر وعندها ينفجر الحمار في البكاء، وكان يسأل العجائز من الرجال والنساء عن سر بكاء الحمير عندما تسمع كلمة " زررررر" وأفضل إجابة حصل عليها كانت من فلاح عجوز أخبره أنها لابد أن تكون كلمة في لغة الحمير تثير الحزن في قلوبهم والخوف، ولم يحدث أبداً أن أسمع حماره الطيب هذه الكلمة المؤذية، ويتحدث معه ويرجوه ألا يعض أحداً ولا يرفسه وأن يحتمل الأذى لأجله.
كانت روحه روح طفل. قلبه متسامح وأبيض، إذا تعرض لظلم أو إساءة أو إهانة، يرفع رأسه للسماء ويقول: أنت وكيلي. وعندما يضع رأسه على الوسادة بعد صلاة العشاء يستغرق في النوم، فلم يكن يفكر في غنى الناس وفقره، ولا ضعفه وقوتهم، ولا يشتهي الانتقام ممن أساء إليه إذا تغير الحال ورفعته الأيام كما رفعت كثيرين من أهل العزبة.
الأرض شاسعة والبيوت معدودة، والنخيل واللون الأخضر يسيطران على المكان، النيل يبعد مسيرة خمس دقائق عن بيت أبيه الواسع ذي الطابق الواحد، والعصافير تعمل كمنبه ساعة جميل لا يتأخر ولا يتعطل، فتوقظ زقزقتها الشجية الناسَ والشمسَ وأراضي الأرز والبرسيم والذرة، وتبدو الشواشي الذهبية على قناديل الذرة مصابيحَ في نور البدر.
أحيانا يُفطر برغيف مع كوب لبن جاموسي، وأحيانا لا يجد سوى الخبزِ وأعوادٍ من السريس الأخضر، ويسمي الغداء عَشاءً كعادة أهل العزبة، يأكل يوماً لحماً ويسميه عيداً، لكن أغلب الأيام يأكل السبانخ والبامية والملوخية والعدس والفول النابت والبطاطس المدفونة في الأرز مع صيادية البصل، ويعشق المرغولة وهي ملوخية مجففة مع قطع البصل والطماطم والفلفل الحار، ويحتشد الأبناء حول طبلية الطعام ويجلسون على تربة نظيفة كنستها فضة قبل أن تملك حصيراً لتفرشه على الأرض، وتدخر بيض الدجاج الذي لا يحمل بذرة الديك، وتخبز أرغفة البيض في الفرن الطابون الذي علمت حسن أن يبنيه بيديه، ويحصل على أجر معتبر من هذه الحرفة الصغيرة، ولأنه قصير وضئيل كثعلب، احترف تقليم أوراق النخيل وتلقيح الشجر المؤنث بطلع النخل المذكر وجمع البلح.
وكانت الأيام تمضي بحلوها ومرها دون أن ينتبه حسن لمرورها، لكن أباه أيقظه بأنه حان وقت الزواج لأنه بلغ الرابعة والعشرين وهذا تأخر شاذ عن طبيعة الناس، فالبنت تتزوج في الرابعة عشرة والشاب في العشرين.
بكت زبيدة وكرهت الحياة فجأة، لما تيقنت أن حسن أحب واختار ابنة خالته، فشلت أمه في إقناعه باختيار زبيدة وقالت له ألف مرة: تزوج التي تحبك ولا تتزوج التي تحبها، لكن هوس حسن بفريال أعماه.
كان يؤمن أن الأرض أمه، رغم أنه أجير فيها. وتقبل برضا بقاءه في البيت بدون عمل لعدة أشهر، لأن زبيدة ابنة عمه، عملت له عملاً بوقف الحال، وقبل فرحه بأسبوع عملت له عملاً بالربط.
زبيدة كانت تساعد زوجة عمها في الخبيز والغسيل، تعلق قلبها بحسن منذ الطفولة، لخفة دمه وطيبته وتناسق بدنه مع حجمها الضئيل، وبسبب الرجفة التي تهز كيانها حين تراه ويتحول وجهها إلى جمرة، إن مست يده، وكان يشعر أنها أخته ولا يراها امرأة للحب والزواج.
مكرت لزوجة عمها، فكت الخياطة في ذيل جلباب حسن المتعرق، وقصت قطعة قماش بحجم ربع كفها، وأخذتها وذهبت بها لساحر في عزبة مجاورة برفقة صديقتها ميرفت التي تعمل في مصنع الغزل والنسيج الجديد في المدينة، بعد أن أوهمتها أنه سيكره فريال ويصبح ملكاً لها!
رحب الساحر الوسيم الطويل الأربعيني بالجميلتين، وقدم لهما عصير مانجو مختلطاً بقرع عسلي، وحلوى البقلاوة، وتعامل معهما برقة وذوق كطبيب، وقال: إكراماً لكما سآخذ جنيهين!
لكن لم يكن بحوزة زبيدة سوى جنيه واحد فقط، ادخرته خلال سنة، وقبل الساحر، وكانت عيناه تكتبان على وجنتيها كلاماً مفترساً، لأن الفتاة التي لم تغادر العزبة من قبل، أعجبتها أناقته ووسامته وسحره الخاص، ولاحظ هو بسهولة نظراتها المعجبة العفوية.
- لماذا تريدين ربط حسن يا زبيدة؟ قال الساحر ونظر في عينيها.
- أنا أحبه وفضل فريال واختارها وأحرق قلبي.
- سنعمل له الصالح لا تحزني.
ثم تجاسر الساحر ومس كتف زبيدة برفق، فارتعدت وانتفضت وأرجعت نصفها العلوي للخلف وأحست برهبة وقلق، وبعدما انتهى من الكتابة بحبر زهري على ورقة، وقرأ بعض الكلمات، ذوب الورقة في كوب ماء ألومنيوم كبير، ثم نقل الماء لزجاجة، وأفهمها أن ترش الماء على عتبة بيت حسن ليمر فوقه، وعندها سيتم المراد.
انصرفت زبيدة مع ميرفت، ووصفت لها مشاعرها التي التهبت عندما مسها الساحر الوسيم، وأنها كانت خائفة جداً.
ضحكت ميرفت وقالت لها: يبدو أنه سقط في غرامك يا قمر، وأسرعتا الخطى، وركبتا عربة خضار يجرها حمار مع فلاحات وفلاحين.
ظل حسن محبوساً عن زوجته ثلاثة أشهر، وظن هو وزوجته وأهله أنه لا يصلح للنساء، وندمت زبيدة عندما رأت بكاء إخوته وأمه.
كان يجلس على ضفة المصرف ويدلي قدميه في الماء ويطعم الإوز والبط، وحين جاءت عينا زبيدة في عينيه وجدت شيئاً جميلاً في روحه قد انطفأ وأحست أنه رجل عجوز حزين منكسر.
ذهبت زبيدة للساحر برفقة ميرفت، وطلبت منه فك السحر، رحب بهما وأحضر لهما عصير التوت الأسود وحلوى البسبوسة، ورغم أن زبيدة أحست بوجود مودة وتواصل خفي بين صديقتها والساحر، تجاهلت إحساسها.
كان واجب ضيافة الساحر يسيل لعاب الفتاتين، رغم نصائح الأمهات للبنات خاصة وللأولاد بعدم أكل أو شرب أي شيء لدى الأغراب.
أكلتا وشربتا، وطلب "زبادي الساحر" أضعاف المبلغ الذي أخذه في المرة الأولى، ولأن الصدمة صعقت زبيدة لضخامة المبلغ، أحست أنها تورطت في عمل حقير وقذر، خاصة عندما راودها الساحر بكلمات ثعبانية متحفزة، مقابل فك السحر، لكنها رفضت وغضبت وهمت بالانصراف.
أقنعهما بالبقاء، وطمأنتها ميرفت، أوهم زبيدة أنه سيفك السحر مجاناً لأجل خاطرها، ولم تمر عشرون دقيقة، حتى مالت ميرفت برأسها على كتف زبيدة، ومالت بها زبيدة على الأريكة، وسكرتا سُكراً شديداً.
شعرت زبيدة أن أعصابها مفككة، لا تستطيع رفع يديها لتبعد الساحر عنها، وبكت وهي تهيم بين اليقظة والأوهام وأنياب الساحر. .
وعدهما الساحر أنه لن يعرف أحد ما حدث، لطمت وبكت وانهارت وارتعبت، لعنت الساحر وسبته وضربته بيديها على صدره، وبدت أمامه كعصفورة أمام دب ضخم، ثم انهارت وسقطت على الأرض. واستها ميرفت وفي عينيها فرحة وشماتة وابتسامة أفعى.
خرجت من بيت الساحر لا تصدق ما جرى. قالت لميرفت: سيذبحني أبي، لقد انتهيت.
- لا ينبغي أن يعرف أحد ما جرى أبداً يا زبيدة، مفهوم؟
- لقد أخذ شرفنا يا ميرفت.
ثم بكت ولطمت وجهها عدة مرات، لكنها أفاقت قليلاً عندما فهمت أن ميرفت لم تكن عذراء مثلها! وخطر ببالها هاجس فظيع . .
عاد حسن لطبيعته، وعادت الفرحة الغائبة لروحه المسالمة، بعد أن داس على ماء مرشوش على الأرض.
ظلت زبيدة ترفض كل العرسان الذين تقدموا لخطبتها، وتحير أهلها في حالها وظنوا أن امرأة من أهل العزبة عملت لها عملاً بوقف الحال، وذات يوم أخبرتها ميرفت أن الساحر هزمه الشوق، فتيقنت مما أحسه قلبها، لكنها كتمت غضبها في صدرها كي لا تتعارك معها في البيت ويفتضح السر.
الشمعة التي انطفأت في عينيها لم ينتبه لغيابها أحد، لكن حسن كان شفافاً، سألها مرات ومرات، مرت أعوام عديدة وحسن يسألها عن حزنها الخفي المتوهج كجمرة، قبل وفاة أبويها كان الحزن كبيراً، وبعد الفراق ظل يتعاظم ويغشاها كظلمة.
فريال أقنعت حسن أن يبني بيتاً لأولاده الكثيرين على قطعة أرض ورثها عن أبيه، وكانت فكرة أن يملك بيتاً خاصاً به فكرة مستحيلة التحقق.
ظلت الزوجة تدخر كل قرش أبيض لأجل الأيام السوداء والأيام الرمادية، وكانت (قمائن) الطوب التي أقامها مسعود الشرقاوي في العزبة تداعب خيال الفلاحين لبناء بيوتهم من جديد بالطوب الأحمر المصنوع من طين الأرض، رغم أن مشهد الأرض المجرفة السوداء كان بشعاً وغريباً على أشخاص اعتادوا رؤية الأرض خضراء يانعة.
بدأ بشراء ألف طوبة، وخلال سبعة أعوام صار يملك أربعة جدران وسقفاً من الأخشاب.
انتقل للسكن في البيت الجديد مع أولاده ولم تكن للغرف أبواب، وعلى الحمام ستارة وأمام باب البيت زير ماء من الفخار بكوب ألومنيوم، وأقام تعريشة من أغصان الكافور للحمار تحميه من الشمس والمطر.
عندما أنشأت المحافظة أول مدرسة في المدينة كان أكبر أبنائه قد تجاوز العاشرة، ولم يحب أبناؤه كتاب الشيخ فخري، لأنه يستخدم عصا خيزران رفيعة ولا يتساهل مع أغبياء، وكبر الأولاد كأبيهم، يحملون أختاماً نحاسية ويبصمون بالإبهام. .
حسن الذي صنع فضيحة لأمه لأنها أعطته رغيفاً أصغر، كان يحرص على المساواة والعدل بين أولاده حتى في عدد حبات العنب، ولأنه أنجب عشرة أولاد وست بنات، أصبح يشبه نخلة مثمرة لم يصدق أحدٌ يوماً أنها خرجت من نواة بحجم حصاة صغيرة.
كبر أولاده وبناته وشاخت زبيدة قبل أوانها، هدها الحزن والمرض، والوحدة، وكان حسن وزوجته وأولاده يهتمون بها كواحدة من العائلة.
ذات ليلة جاء حسن بالممرض الذي يعمل حلاقاً بجانب عمله في مستشفى الحميات، ليفحص زبيدة، كتب لها شربة ملح إنجليزي وأوصاه بعمل مشروب ينسون وليمون وأعطاها حبات كسبرة مجففة، ووضع كمادات على جبينها وبطنها، وأعطاها حبة خافضة للحرارة، وهو يظن أن حسن زوج زبيدة.
ابتسمت برضا وكأنها فرحت لأول مرة في عمرها لهذا الفهم الخاطئ، جذبته وهمست في أذنه، طلبت منه السماح عن جريمتها في حقه، لكنه بكى لأجلها ولم يشعر بغضب تجاهها، بل أراد أن ينتقم لها من الساحر المجرم.
"أنت ضعيف ومسالم، ماذا ستفعل؟ هل تجمع الأقارب وتذهب للانتقام وتفضح زبيدة؟ هل تبلغ الشرطة؟ " عض يده من الحزن وهو يحدث نفسه، فكر أن يحمل سكيناً ويكمن للساحر ويقتله، لكنه لم يكن يستطيع أن يرتكب جريمة، لم يذبح دجاجة بيده، يكره لون الدماء وترفض نفسه بالفطرة مظاهر العنف والقسوة، جلس يبكي ويتأمل حاله وعجزه وتردده، ثم قال لنفسه: لينتقم الله لي ولزبيدة. وظل يدعو الله طوال شهر بعد وفاتها وكتم سرها.
زبادي الساحر ظن أن كل الطير يُؤكل لحمه كزبيدة المسكينة وميرفت المستهترة، وكرر جريمته مع فتاة أخرى، وكان الثمن الذي دفعه، فصل رقبته عن جسده في صالة بيته.
بعد مجيء الشرطة وإغلاق المحضر ضد مجهول صدر تصريح الدفن، وخرج ستة أفراد فقط من عائلته في جنازته، فتحوا القبر فاشتعل ناراً، ذهبوا به لقبر آخر فاشتعل ناراً، ولما كرروا التجربة وتكررت النيران، قذفوا الجثة في النيل، وانتشر الخبر.
ذهب حسن لقبر زبيدة وطمأنها وقال لها: استريحي. . وحكى لها ما جرى.
جرت السنوات به حتى تجاوز سبعين عاماً، وكان ما يزال عفياً ونشيطاً ويأكل من عمل يده، رغم أن أولاده ملأوا البيت خيرا.
تغدى خبزاً ومشاً وسريساً أخضر، أكل بلحاً أسود، شبع وشرب وهنأ راضياً برزقه القليل، صلى العصر في الغيط، ركب حماره عائداً إلى البيت، وفي منتصف الطريق، انحنى للأمام خلف دماغه الذي تهاوى للأسفل، سكت نبضه وتدلى ذراعاه على صفحتي عنق حماره، ثم تهاوى إلى الأرض.
تجمع بعض الفلاحين، غمرهم الخجل، لا أحد منهم يعرف بيت حسن، فاقترح عبد الجواد أن يضعوه على ظهر الحمار، فكثيرٌ من الحميرِ لا تضلُ الطريق.
سار حماره به ناحية البيت في ثقة وثبات وبطء، كأنه علم أن رفيقه تركه وحيداً، وسار الفلاحون خلفه، وصل إلى باب البيت ونهق نهيقاً باكياً متواصلاً، خرجت زوجته وأولاده، وبعد صلاة العشاء دفنوه على نور مصابيح الكيروسين والمشاعل، وسار حماره في جنازته، وكان الناس يترحمون عليه ويقولون: أضحكنا حياً وميتاً، هل هذا حمار أم بني آدم؟!
لكن الحمار رفض مغادرة المقبرة، واقتاده أولاده رغماً عنه إلى البيت.
ظل الحمار حزيناً عدة أيام، لا يأكل ولا يشرب، وفي يومه الأخير قطع الحبل وذهب لقبر حسن، طوال الطريق شاكسه الأولاد وقالوا له: زررررر فبكى بحرقة وقرر أن يرفس ويعض كل من يعيق طريقه لزيارة قبر صديقه أو يسمعه كلمة زرررررر.



أشرف الخضري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...