على حزين - قولون عصبي

هل قطعة من الجبن الجريش التي أكلتها مع فحل البصل الأخضر وحبتان من الطماطم تفعل بي كل هذا العذاب ..؟! وكل هذا الألم والوجع , ..؟!!..
أم ما حدث معي ليلة امس , عمداً , من تجاهل , وعدم تقدير , هو السبب ..؟!! ..
لا لا لا يمكن أن يكون هذا هو السبب ..؟!!..
كان يوماً رائعاً .. وكان كل شيء على ما يرام , كل ما هنالك أني عدت إلى البيت , في المساء , فردت جسدي على السرير , حينها شعرت بالألم شديد ينهش في جسد, وكأنه يقول لي لو كنت رجلاً نم , أو فلتستحمل العذاب , والألم الشديد,......
أنا والحمد لله, رجل رياضي من مصغري أحب الرياضة وخاصة الرياضة العنيفة والسباحة , يعني صحتي بومب , ولم أعاني من أي مرض كان , والحمد لله رب العالمين ,
أذكر , من عامان وعلى التحديد في عام 2020 وعندما أُصبت في الوباء " جائحة كورونا " في الفترة الأخيرة , كشفت, فقال لي الطبيب بعد الكشف والتحاليل :
ــ السكر , والضغط عالي ,
صرخت في وجهه , وتركته , وانصرفت , ثم ذهبت إلى طبيب أخر فأكد لي , وقال أيضاً نفس الشيء ,
ــ عندك سكر , وضغط
وكتب علاجاُ بهذا , ومع ذلك لم آخذه , ولم أتعاطاه البتة , فأنا لا أصدق كل ما يقال لي حتى ولو كان من طبيب, ليس لشيء غير أني لا أثق في كل ما يقال لي حتى أتأكد بنفسي .....
اليوم الأربعاء, وتحديداً الوقت بعد العصر بقليل , وأنا أشعر بألم فظيع في بطني, وداهمني شعور بالموت, والألم والوجع ينتقل من مكان إلى مكان في جسدي الهزيل, تُرى ما السبب ..؟!..
أنا لم آكل شيئاً غير ما ذكرت لكم ,..
" القصة .. رمتني نفسي علي قطعة من الجبن الأبيض الجريش , وفحل بصل أخضر , وحبتان طماطم , هذا كل ما في الأمر , فهي أكلتي المفضلة " ,
ذهبتُ إلى الطبيب, بعد إلحاح شديد من أبنائي .. وإحقاقا للحق من فترة ليست قليلة, وأنا لم يعجبني حالي , وكثيراً ما نصحني الأطباء بترك التدخين , فأنا أدخن السجائر بشراهة ,
أعترف أني لم أفعل , وأعترف أني وعدتُ أولادي بهذا ولم أفي بالوعد, وأعترف أني لدي رغبة في الإقلاع عن التدخين, بسبب الغلاء , والبلاء الذي ينهش فينا كل يوم , والحالة الاقتصادية الصعبة التي نعيشها بكل تأكيد , والحالة صفر مع كل الناس , وليس من أجل كونها حلال أو حرام , وإنما من أجل صحتي , والأولاد ... لكني لم أخبرنا عن الصغار أستطع للأسف الشديد ...
اتصلت بالطبيب عبر الهاتف , رد على عامل العيادة , وقال :
ــ لابد أن أحضر , وأنتظر دوري في الدخول ..؟! .. فهذا نظام الطبيب .. ؟!!
فشكرته , واخرجت سيجارة من جيبي , وفكرت أن اذهب لطبيب أخر , لكني تراجعت عن الفكرة , وانتظرت الميعاد, وخرجت بثيابي التي عليَّ , وكان معي ابني الحبيب فارس يسنَّدُني وأنا أستند عليه, أعطيته ثمن الكشف.. وجلسنا ننتظر, وأنا أتحامل على نفسي ,....
ــ بسيطة إن شاء الله تعالى.. امشي على العلاج .. وسأراك بعد ثلاثة أيام .. !!!
تناولت من يده" الروشتة "وخرجت دون أن أسأله, ما الذي أصابني ..؟!..وماذا جرى لي..؟! ولا أدري لماذا لم أساله ..؟!!..ربما نسيت من شدة الألم, وربما لا أريد أن يوهمني بما عندي
" أنا من النوع الوهَّام , والقلِق دائماً, وكثير الظن , وعصبي أيضاً, وسريع الانفعال , وهذا ما سبب لي القولون العصبي , كثيراً ما نصحني أصدقائي وأقربائي وأحبائي والأطباء أيضاً بترك هذا الطبع المشين, او السلوك الغير قويم ,
دائماً مضغوط , ونرفز على أتفه الأسباب , وأعلم أن كل هذا مضر بالصحة , ومع ذلك الطبع يغلب التطبع ,"
ذهبت متسنداً إلى أقرب صيدلية , اشتريت الدواء , ثم نظرت في حافظة نقودي , فلم أجد الفلوس تكفي, فاكتفيتُ بشراء نصف الدواء لحين ما تفرج ...
" كنت سأشري بهذا المبلغ طعاماً لأولادي , فرمضان قد جاء, وغداً أول يوم فيه , وكان يجب عليَّ أن اشتري لهم بعض ما يلزمهم من طعام , فغداً السوق , ومن المفترض أحضر فرخة كليو ونصف أو اثنان, ومثلهم بصل , وطماطم , وبطاطس , وفاكهة, بعشرون جنيه, برتقال للأولاد كما عودتهم .. ))
تحسست موضع الحقنة , ودمعت عيناي , لما حل بي فجأة , وهجم عليَّ بدون مقدمات,
وأنا لا أدري ما السبب , أنا دائماً آكل ما ترميني نفسي عليه .. وأتكرع بعدها الماء , وأحمد الله على كل حال , ولم أذكر أني ذهبتُ إلى طبيب منذ عشرات السنين
ــ نفسنا في البلح يا بابا ..
يرد الأخر الصغير
ــ والكنافة ..
" تذكر طلب أبنائه للبلح , والكنافة , والسوق , فذرفت عيناه " ,
عدتُ إلى البيت وأنا أرجف, متألماً , ومهموماً , فلم يزل المرض يعمل في جسدي الهزيل والفكر ينهش في عقلي .......
تحسست حافظة نقودي, وأنا أرتجف , أخرجت أحشاءها أمامي ’
" ورقة قديمة صفراء عليها أرقام تليفونات نسيت أصحابها , هويتي , ستنتهي بعد عامان , فيزا كرت, الجديدة , وورقة صغيرة كُتب عليها, طلب بيان حالة من البوسطة , الورقة بمئة جنية مصري, عليها العلامة المائية , تُقدم لجهة العمل ولابد من إحضارها من مكتب البريد وعليها العلامة المائية ..
ــ اعمل لك حاجة تشربها .. ؟,
قالتها أم الاولاد وهي متأثرة بما تراه بدى عليَّ ..
ــ يا ريت شوية أيسون بالنعناع لو سمحتِ
قلتها, وأنا أجمع الأوراق المبعثرة أمامي لأضعها في حافظة نقودي الفارغة من جديد ,
وقد تحاملت على نفسي , وفردتُ جسدي المنهك على السرير ,
ــ ماذا قال لك الطبيب
قالتها بحزن مفتعل , وقد أحضرتْ في يدها كوب النعناع بالليمون والأيسون
ــ قال : بعد ثلاثة أيام تعالى عشان أشوفك
ــ لا تقلق ده قولون وإن شاء الله تعالى هـ تروق .. وهـ تبقى زي الفل , وعال العال ,
تناولت الشراب من يدها بعدما ما شكرتها , وأنا أجلس بصعوبة بالغة ,
ــ ما قالـ لك ش عندك ايه
ــ ما سألتـ ش
ــ ماذا ستستري لأولادك غداً ...؟
قالتها , ووقفت تنتظر الإجابة , هززتُ رأسي, وابتسمتُ لها , فتركتني , وانصرفت لبعض شأنها في المنزل , فوضعت الكوب بجواري , وأنا لا أستطيع أن أكتم صوتي المتألم ,
والفكر ينهش في عقلي, وأنا أجض من شدة الألم, فالبيت يحتاج إلى النقود, والأولاد يريدون الطعام غداً أول رمضان , والنقود قد نفدت , وغداً السوق , والبيت يحتاج , وليس فيه شيء إلا الماء, , فمنذ ضرب الغلاء كل شيء , ولم يعد في البيت شيء, والدخل لا يكفي , " والـ جاي على قد الرايح ", ........
دخل الأولاد ليسألوني عن حالي, وعن وصحتي .. نظرتُ إليهم وأنا أقاوم دموعي , وأحاول أن أتماسك أمامهم , ولا أظهر لهم أني ضعيف , بل أردتُ أن أكون قوياً أمامهم كما عودتهم دائماً وتعودوا أن يروني هكذا .. بادرني أحدهم ,
ــ كيف حالك يا أبي ..؟!!
ــ الحمد لله رب العالمين .. لا تقلقوا يا أولادي , أبوكم بخير, وكله تمام إن شاء الله تعالى ..
قال أخر :
ـ كل سنة وأنت طيب يا بابا
ــ وأنتم طيبن يا حبايبي وبألف ألف صحة وخير وعافية يا رب
قال ثالثهم وهو أصغرهم :
ــ غداً الخميس يا بابا .. يعني السوق , أوعى تنسى ..؟!!
فضحكتُ له, فأنا أعرف ماذا يعني , وما الذي يقصده .. وقلت لهم :
ــ اللي أنتم تريدونه يا أبنائي, والـ نفسكم فيه سأشتريه لكم بإذن الله تعالى, لا تعولوا هم شيء,
تدخل الزوجة , بيدها طبق باذنجان أسود , لتقول لهم , وهي شبه غاضبة مما سمعته منهم ,
ــ لا تضايقوا أبوكم , أبوكم مريض, ولسه كاشف, بكره نقضوها أي حاجه يا أولاد وخلاص , يعني لو عدينا سوق هـ نموت من الجوع .. أبوكم معذور,.........
ورحتً أنظر في الوجوه لأرى وقع ما قالته على وجوههم التي أظهر بعضها الامتعاض الممزوج بالغضب مع الشفقة , والألم ...
وعم الصمت, وخيم الحزن على المكان للحظات , والفكر يعصف براسي , وأنا أتسائل مع نفسي
ــ ماذا أصنع غداً ..؟! ....

*******************************
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر
تمت مساء الخميس الموافق 20 / 4 / 2023

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...