محمد مزيد - رجل.. وامرأة تطلق من فمها الفراشات

أستيقظتُ صباحاً من النوم، فأكتشفت أن زوجتي غير موجودة في السرير، لبست منامتي وأتجهت فوراً الى المطبخ، فلم أعثر عليها، بحثتُ في كل إنحاء الشقة فلا وجود لها، فتحتُ باب الشقة، ثم خرجت بحثاً عنها، سرت خطوات، صادفتني جارتي الشقراء تقف عند باب شقتها بملابس النوم، ثوب أبيض شفاف بلا أكمام، قصيراً يكشف عن ركبتيها البيضاوين، قالت لي " زوجتك نزلت السلم قبل قليل " أبتسمتُ لها وشكرتها، نزلتُ السلم، اتجهت الى باب العمارة، وقبل الخروج، وقفت، بحثت عنها يمينا ويسارا من جهتي الشارع ، فكرت " يا ترى أين ذهبت في الساعة السابعة والنصف من هذا الصباح ؟ " ، خرجتُ من الباب، ومشيت الى فرن الصمون، لما دخلته، لا أحد يبتاع الصمون، سوى العاملة الجميلة ذات العشرين عاما، التي طالما كنت أضحكها عندما أقول لها "انت لست فتاة جميلة فحسب، بل شوكولاته" تقف خلف منضدة بابتسامتها المشرقة، وقبل أن اسألها، قالت " خرجت زوجتك قبل قليل" ، اخذت صمونة واحدة ومشت بهذا الاتجاه " أشارت الى عكس أتجاه مبنى العمارة، وحتى أتأكد من كلامها، اشرت لها " أتقصدين من هنا" هزت رأسها موافقة، بابتسامة عذبة، مشيت بسرعة، أنتبهت الى إنني نسيت أرتداء حذائي، خرجت بالنعال، أعرف أننا هنا، في بلاد الغربة، لايمكنك أن تسير بالبيجاما في الشوارع، سيقول عنك الناس إنك بلا ذوق، أو مجنون، غذذت السير، ليقولوا ما يقولوا، المهم عندي العثور على زوجتي، عبرت ثلاث عمارات سكنية، وعند المنعطف، شاهدتُ امرأة ذات شعر أسود تعطيني ظهرها، عرفت إنها زوجتي، ولما أقتربتُ منها، ونظرتُ الى وجهها الابيض، أبتسمت المرأة، تبدو في الثلاثين من العمر، قبل أن أسألها، قالت " من هنا ذهبت زوجتك "! لم أتذمر ، أو أفقد أعصابي، لأن أبتسامتها، تحوم حولها الفراشات الصباحية الملونة، سرت كما أشارت، عبرتُ شوارع وساحة عامة لوقوف السيارات، قلت " الى أين ذهبت زوجتي في هذا الصباح ؟" أعرف إننا تخاصمنا ليلة البارحة، وأجبرتها على ممارسة الحب، وبعد الانتهاء، قالت لي انها بدأت لا تطيق جنوني، انت لا تعرف متى ترغب المرأة" وبعد أن أستعادت أنفاسها اللاهثة من التعب، قالت، إنها في الصباح ستغادر الشقة بدون رجعة " كنت أتصور إنها تمزح، صحيح إنني اجبرتها على الاصغاء لي، كنتُ أحدثها عن أحلامي الكبيرة، في " أن اتجول ذات يوم مثل كائن خفي، يمكنه الدخول الى أي مكان، من دون أن يكتشفه أحد، وأنني قررت الذهاب الى البنك الفدرالي الأمريكي لسرقة مليار دولار فقط " فضحكت، أغرورقت عيناها بالدموع" انت لا تهتم بي، تحلم أحلاما مستحيلة، لقد جننتك الغربة " ، والحقيقة أن زوجتي هي المجنونة، لانها تصدق كل الترهات التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي من سموم الأخبار المضحكة وخصوصا التك توك، والانستغرام، وصلتُ الى نهاية ساحة وقوف السيارات، رأيت فتاة تشبه زوجتي، شعرها أسود، اقتربتُ منها، كانت الفتاة نفسها التي سألتها قبل ربع ساعة في ذلك المكان، فأبتسمت وقالت " من هنا ذهبت " ، مشيت مسرعا بعد أن أبتسمت لها أبتسامة مخذولة، كنتُ دائما اتجول معها، في هذه الأماكن، التي أسير فيها الان بالنعال، لا يمكنها أن تكون قد أصدقت قولها ليلة الامس " إذا لم تكف عن جنونك سأجد حلاً لنفسي " ، والحقيقة إنني لست مجنوناً، أنا أحبها بجنون، أكثر من أي وقت مضى، صحيح إنني تجاوزت عمر الخمسين وهي تجاوزت الاربعين، لكن هذا لا يعني إننا شبعنا من بعضنا البعض، مشيت بحدود نصف ساعة، وصلت الى مكان، تقف فيه فتاة ترتدي الملابس نفسها التي كانت ترتديها زوجتي، شعرها أسود، يواجهني ظهرها، قلت لنفسي، مادام ليس هناك بشر سواها، سأعمل لها مفاجأة، كأن أصفعها على مؤخرتها، ولما أقتربتُ منها، قبل أن أصفعها، ألتفتت الفتاة، وأبتسمت، كانت نفسها التي أشارت لي قبل نصف ساعة بالسير الى هذا المكان، بكلمة واحدة، أشارت الى نهاية الحديقة " هناك " أبتسمتُ لها بخجل مجروح، سرت الى "هناك " عبرت حاجز الحديقة الوهمي من الورود الصفر، ذاهبا الى " هناك "، لم أستغرق طويلا في المشي، وصلتُ الى نهاية الحديقة، وجدتُ مبنى، أعرفه جيدا، بوابته عريضة، يقف عنده شاب يحرسه بملابس مدنية، أقتربتُ منه، سألت عن زوجتي، فقال " نعم إنها هنا، أنتظرها حتى تخرج"، بقيتُ جالسا على الرصيف، مضت ساعة، حتى خرجت، كانت مثلي ترتدي المنامة نفسها التي نامت بها ليلة البارحة، وقفت أمامي ولما أبتسمت، خرجت فراشات ملونة من فمها، ثم نظرتُ الى الموظف الذي يقف خلفها، أمسكني الموظف من يدي، وقادني الى بوابة آخرى صغيرة، بعد أن مشينا في ممر تحيطه نباتات كثيفة، أرتفاعها إقل من مستوى البشر، تتبعنا زوجتي، سرنا نحن الثلاثة باتجاه قاعة المبنى الرئيسة، قرأت على واجهتها العبارة نفسها التي كنت اقرأها كل يوم " مصح الغرباء " سرنا في القاعة، وفي آخرها اجلسني الموظف على سرير، وبجانبي على سرير آخر جلست زوجتي، قال الموظف محذرا" سيأتي بعد قليل مدير البنك الفدرالي، إن خرجت مرة أخرى من هذا المكان سأعاقبك" .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...