الدكتور السيد الجميلي - فقيه الأدباء وأديب الفقهاء ابن قتيبة صاحب (تأويل مشكل القرآن)

هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، العالم النحرير والأديب المطبوع الفقيه المفسر طويل الباع، قوى العارضة ثري العلم والفقه، لم يبلغ شأوه أحد من أضرابه وأترابه من معاصريه، وقد حاز قصب السبق، وأحرز فوق النضال بجدارة واستحقاق، وهو بجهده المشهود مذكور، بل انه سيظل مذكوراً بلسان الصدق في الآخرين.
ولد هذا العملاق سنة ثلاث عشرة ومائتين في خلافة المامون، وقد قيل : إن مولده كان ببغداد على ما ذكر القفطي ووافقه على ذلك السمعاني، وخالف ذلك ابن الأثير وابن الأنباري وابن النديم، فقالوا انه ولد بالكوفة.
بيد أن ثمة اتفاقاً على أنه نشأ ببغداد، وهي التي كانت في ذلك الوقت حاضرة العلم، وقلعة العلماء الأعلام في شتى أنواع المعارف نشا ابن قتيبة في هذه المدينة، وترعرعت سرحته واستعجم وده وكان له ما أراد من مجد علمي رفيع، حيث كان مولعاً اشد الوقوع مقبلاً بكليته إلى العلم والدرس والتحصيل بنهم لا يعرف الفتور وهمة لا يدركها ملال ولا كلال ولا سامة.
وقد تتلمذ هذا الإمام العلامة الموسوعي على جهابذة عصره وعلى رأسهم أبوه مسلم بن وأحمد بن سعيد اللحياني صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام وأبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي البصري صاحب كتاب طبقات الشعراء وابن راهويه المسمى بابي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الفقيه المشهور وأبو حاتم السجستاني، والقاضي يحيى بن أكتم وأبو عبد الله الحسين بن الحسين بن حرب السلمي المروزي ودعبل الخزاعي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن قريب ابن أخ الأصمعي.
ولعل أكبر شيوخه وأساتذته ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ شيخ العربية المعتزلي الأديب المعروف وهو الذي أجاز تلميذه ابن قتيبة ببعض كتبه.
نهل ابن قتيبة من مورد سخي. ومنهل عذب ولم يكتف بمشايخه لكن أخذ أيضا من كتب العجم المسموعة وغير المسموعة إذ كانت ثقافته واسعة غير محدودة لكثرة إطلاعه وتحصيله للعلوم باستمرار وبغير انقطاع.
لكن التأليف ليس وقفاً على مجرد تحصيل العلم وتوسيع المدارك بالثقافة الموسوعية فحسب، ولكن لابد من طبيعة مواتية مع التاهيل والتمكين العلمي، كذلك لابد من عقل فاحص وفكر متانق مرتب وذهن مصفى وهمة مشحونة وعاطفة متوقدة، وحافز غلاب.
كل هذه العدد والأدوات كانت كلها متوفرة في شخصية ابن قتيبة إذ كان مقطوراً على الدأب والجد مطبوعاً على النظام والدقة وحسن الترتيب.
وقد تجلت عبقرية هذا الإمام الفذ في مؤلفاته الكثيرة ومصنفاته الجمة ومحرراته الغزيرة التي حاز بها قصب السبق والتفوق والتبريز، وتربع بها على عرش القلوب إذ لفتت إليه الأنظار وذلك الخطورة مباحثها ودقة تناولها وانفرادها بميزات تخلو منها كثير من كتب المتقدمين والمتأخرين.
------------------------------------------------
قيل إن مصنفات ابن قتيبة قد بلغت خمسة وستين كتاباً وربما كان الصحيح أنها أكثر من هذا فلم يسبق أن عمدنا إلى عدها وإحصائها.
من أرفع كتبه وأعلاها منزلة كتاب «تأويل مشكل القرآن» وهو الذي انبرى فيه المؤلف للرد على أعداء الإسلام، وكشف أقنعتهم الزائفة، وندد بعقائدهم الفاسدة المدخولة فرد المطاعن المكذوبة التي وجههوها إلى الإسلام فرد غيظهم إلى نحورهم وهو يقدم لنا مبررات وأسباب تأليفه هذا الكتاب فيقول - رحمه الله - : «وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، وكفوا فيه وهجروا واتبعوا «ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» بأفهام كليلة وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللحن، وفساد النظم والاختلاف، وادلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب وقدحت بالشكوك في الصدور .. فاحببت أن انضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفت هذا الكتاب جامعاً «لتاويل مشكل القرآن» اهـ .
إن فضل القرآن الكريم لا يعرفه إلا من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، واقتنائها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب، هذا رأي ابن قتيبة وهو رأي كل مسلم عربي.
استهل ابن قتيبة كتابه النفيس لقيم : «تأويل مشكل القرآن» يتفنيد مطاعن الطاعنين على اختلاف مشاربها ومتباين أهوائها، وانبرى وتصدى لمدخولاتهم ودعاواهم الباطلة، وإرجافاتهم القميئة وتخرصاتهم المدحوقة، ومكذوباتهم المنحولة التي تنطوي في جملتها على حقد ووغر وفساد في الفطرة، وتخليط في الفهم، لا مزيد عليه.
تم تكلم بعد ذلك على المجاز والذي يعتبر - أي المجاز - مسؤولاً عن تباين الفهم، ومتاهات التأويل، وكان هو بل إنه هو مدار النزاع، وعليه مدار الاختلاف بين المختلفين، وبسببه تفرقت النحل، وافترقت السبل وتشعبت الطرق.
ثم يذكر الاستعارة، ثم باب المقلوب، ثم الحذف والاختصار وباب الكناية والتعريض، ثم باب مخالفة ظاهر اللفظ لمعناه، وغيره من الأبواب الشائقة.
ثم يعرج بعد ذلك على تأويل الحروف المقطعة، وعمد إلى الرد على مزاعم المغرضين وإكثارهم اللغط فيها والطعن في الكتاب بسببها، وهو يسرد أقوال المفسرين فيها، ثم يخلص إلى نتيجة رصينة تاتي على كل شبهة، وتدحض كل فرية، وتدحق كل غمزة أو لمزة مسمومة.
ثم يتكلم على مشكل سور القرآن كلاماً جليلاً مبسوطاً، وهو في ذلك متحرر من الترتيب الوارد في المصحف فلم يتقيد به، إنما هو يدور ويتحرك حول قضية الكتاب التي وضعها نصب عينيه وهي المتشابه فهو مسوق إليها دائر معها يبحث وينقب ويستخرج من سور القرآن، ما يراه من تأويلات للمشكل.
------------------------------------------------
لكن من أهم أبواب هذا الكتاب على الإطلاق من الوجهة اللغوية التفسيرية البحتة الصرفة باب : «اللفظ الواحد للمعاني المختلفة» وهو جليل القدر، وفيه ذكر نيفا وأربعين لفظاً من الألفاظ القرآنية «متحدة المباني مختلفة المعاني» وغير ذلك من فصول شائقة ممتعة، مطوية على خير عميم، منشورة الفضل والذكر العظيم.



لكن الجدير بالذكر، والحقيق بالتنويه، أن ابن قتيبة بمذكور فضله، ومذخور أثره الطيب الكريم قد فتح الباب لاحبا رحباً فسيحاً للعلماء الذين أتوا من بعده فأفادوا منه إفادات جمة، إذ فتح أمامهم مغلق السبل، وذلل أمامهم كثيراً من العقبات ومن مخايل فضله على العلم وأهله أنه كان أول من أبدى جل عنايته، وصرف كل همته ولفت الأنظار إلى التصنيف الدقيق في《لباب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة》والذي سمى بعد ذلك بـ باب الألفاظ المشتركة وهي الألفاظ التي ينضوي تحت اللفظ فيها كثير من المعاني المختلفة.
وقد كان لابن قتيبة فضل السبق في القول برد مفردات المادة اللغوية إلى الأصول المعنوية المشتركة، وقد تاثر به بعد ذلك في هذا المجال علماء كثيرون افردوا هذا الموضوع بالتاليف والتصنيف المبسوط الجامع.
ممن تأثر بابن قتيبة في هذه الناحية من لاحقيه ابن جني المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة للهجرة، وأستاذه أبو علي الفارسي المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وكذلك ابن فارس المتوفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة للهجرة.
ولاشك أن ابن فارس قد تأثر في مباحثه اللغوية بابن قتيبة فانشا لذلك كتابه النفيس «مقاييس اللغة» وكذلك كتابه «الصاحبي» في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، وهو قد نقل من كتاب ابن قتيبة نقولاً واضحة.
ومن المؤسف أن يتجاهل ابن فارس أستاذه ابن قتيبة فيهمل ذكره في حميد الصنائع، ولا يذكره إلا في مواضع اللوم والتشريب والنعي والنقد اللاذع.
وإنه من كثرة العدوانية، وحمله بغير جريرة وعلى سوء طوية أوقع نفسه أخطاء نقدية فاحشة ما كان يجب المثله أن يقع فيها، لكن هو جزاء الذين يغمطون الفضل وينشرون الماخذ ويتوسعون في كشف المستور، ولكن ابن قتيبة كان ولايزال علما مفردا فوق مستوى الشبهات.
من أكابر علماء اللغة التي أفادوا واستفادوا من ابن قتيبة أيضاً وتركوا لنا هذه الومضات المشرقة إمام اللغة العربية المعروف وهو أشهر من الشمس، وأعلى من النجم : أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ صاحب التصانيف الشهيرة، حيث ضمن كتابه القيم «فقه اللغة وسر العربية» فوائد وتنبيهات شتى كثيرة، ثم ابن أخيه عبد الملك بن محمد الثعالبي المتوفى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، حيث أفرد كتاباً دقيقاً بالغ الروعة، وقد رتبه ترتيبا لفظياً معجمية للالفاظ المشتركة في القرآن الكريم وقد أعطاه عنواناً «الأشباه والنظائر» وهو كتاب بلغ غاية الجودة في التنسيق والإبداع في الترتيب مستقصيا الآيات الشريفة في دقة وعمق، وقد اطلعت على مخطوطة لهذا الكتاب منذ نيف وعشرين عاماً تقريباً، وأخال هذا الكتاب لايزال مخطوطاً حتى الآن.
بيد أن أكثر الكتب إفادة من هذا النهج المعجمي الفريد في المعاني المختلفة للألفاظ المشتركة هو كتاب «المخصص» الذي وضعه العلامة ابن سيده الأندلسي، المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ويقع في خمسة مجلدات من القطع الكبير وهو جامع دقيق في تصنيفه.
لذلك فقد كانت حياة ابن قتيبة حافلة بجلال الأعمال المبرورة، إذ جعل اقراء كتبه بسماحة ويسر فلم يذكر أنه حبس شيئاً منها عن الطلاب حتى أن يقبض أجره كما كان يفعل ذلك كثير من العلماء في عصره، وفي خلافة المعتمد كانت كتبه مقروءة في بغداد.
وقد توفي ابن قتيبة سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة، حيث صاح صيحة شديدة سمعت من بعد، ثم أغمي عليه وظل مغشياً عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم أضطرب ساعة، ثم سكن وهدا، فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات وعوجل إلى رحمة ربه ورضوانه.
رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وسلام على الصادقين والحمد لله رب العالمين.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...