محمد مزيد - حبابة جارية الملك

بقيت " حبابة " جارية الملك العباسي، بعد وفاتها، مسجاة في قصره، وهو جالس عند رأسها يبكيها، مدة خمسة عشر يوماً ، لا أحد يعلم من حاشيته، كيف ماتت، الا أن شائعات الحاشية، خلف الستائر الحمر بين أركان القصر، تقول أن ولده هلمان أبن المقدونية، هو الذي قتلها بالسم، بتحريض من أمه، بسبب إنشغال والده ليل نهار بها، إذ إنه لايترك غرفتها لحظة واحدة، يطاردها عاريا من سرير الى آخر، وبسببها ترك شؤون المملكة العظيمة التي كانت تتحكم بالارض من القارة البيضاء الى القارة السوداء، يتلاعب بها الخصيان واراذل القوم، لذلك اسوّدت الدنيا بعيني الملك، واظلمت روحه، يقول بعضهم للبعض الاخر ، انها لا تعدو أن تكون " مجرد جارية" بيضاء جميلة بين الجواري الالف الجميلات اللواتي يمتلكهن، وهناك الكثير منهن اجمل منها. ولكي لا تتفاقم صحة الملك بالتدهور ، أرسل ولده هليمان، على الحكيم طبيب الملك الخاص، الذي يعرف خبايا جسده، كما يعرف ممرات روحه المظلمة، ليعاين السبب الذي من اجله تفاقمت صحة الملك بالتدهور ولماذا هو جالس عند رأسها منذ خمسة عشر يوما، لا يتناول من الطعام الا قدرا ضئيلا .. في البدء رفض الملك دخول الحكيم، الا ان جارية سوداء ذات عينين زرقاوين، يسبح فيهما الشرر، همست باذن الملك " لدى الحكيم ما يكشف لك عن الاسرار الخفية وراء مقتلها يا مليكي " فذعر ، كما لو كان قد القي عليه ماء ساخن، فقال صارخا أدخلوه. جلس الحكيم عند رأسه يقرأ التعاويذ والطلاسم التي حفظها من ابيه الذي كان يطبب الملوك السابقين، ونظر، نصف نظرة، الى عيني الحكيم، وسأله هامسا عن الاسرار التي لديه ، فقال له هامسا ايضا" اطرد الحاشية حتى ولي العهد" وباشارة يفهمون معناها خرج الكل ، ولما اراد ولي العهد البقاء ، حرك الملك اصابعه وقال له " أخرج معهم حتى أنت يا ولي العهد ".. ففرغت غرفة الملك ، ثم همس الحكيم ثانية " لقد قتلت حبابة بالسم يا مليكي ، بشراب اعده لها ولدك أبن المقدونية وأمه" ، لم يكن لدى الملك اية عاهة يمكنه ان يطببها له الحكيم ، بل وجد انسدادا في روحه لرؤية الحياة، بعد وفاة الجارية الجميلة الحبيبة الى قلبه ، اذ كان يعشقها بجنون، ولما اكتمل التشخيص، همس الحكيم باذنه ثانية " تحتاج الى سفرة طويلة الى مياه البحر الابيض المتوسط في روما لكي ترى وجه الحياة هناك ، ويقال ان لديهم الهة تعيد الروح الى الميت " .
في اليوم التالي جهز موكب الملك بالخيول العربية المطهمة والخيام المزخرفة والجاريات الخادمات الجميلات اللواتي يسررن عن روحه اللائبة حين ينام في الليل او في اثناء القيلولات ، ويحممن الملك ويسبحن في الاحواض المتنقلة معه ، وافترشت الارض بالسجاد الفارسي على طول طريق رحلته حتى وصل الى بحر ايجه الفاصل بين الجزر اليونانية والقسطنطينية ( تركيا الحالية ) ومن هناك ابحر الموكب الملوكي الى ميناء نابولي، وانطلق بعدها الى العاصمة روما ، فوصلها الموكب ليلا ، والليل في روما ليس مثله في اية عاصمة في الدنيا ، تم أستقبال الملك العربي من قبل ملك الروم ، ولأول مرة، يلتقي الملك الروماني بأحد ملوك العرب، في جولة سياحية ترويحية، وفي اليوم التالي طلب الملك العربي من مضيفه، أن يتركوه لوحده يتجول في عاصمة الرومان الوثنية، أقترب من أحد التماثيل ووجد شاباً مليحاً جميل الشكل، يجلس على قاعدة التمثال، فسأله الملك عن أسمه ومكانته في الحياة ، فقال له " أن أسمه كالفينو ، ومكانته انه روائي من القرن العشرين " وجد الملك شموخا وكبرياء في نظرات الشاب، لكنه لم يفهم معنى " روائي " فقد أمضى الملك حياته، لايسمع سوى شعر المديح، وقد عده أحد الشعراء في قصيدة، أنه هو الذي جاء بالشمس من ذيلها ونصبها فوق سر من رآى ، فقال الملك للشاب " لا افهم معنى روائي ، هل أنت تروي المزروعات ؟ " لكن عقل ودفء كالفينو، لايسمح له بالسخرية من رجل يحيط به أتباع بحدود المئتين من الرجال والنساء، وينظرون اليه بخوف وعظمة، وبعضهم إذا ضحك الملك يضحكون مثله، وإذا صمت تنقطع انفاسهم، وإذا انحنى على شيء ينحنون مثله، نظر الملك الى التمثال الشامخ الذي نصب رأسه الى عنان السماء وهو عبارة عن جسد امرأة عارية يشمخ وجهها بالكبرياء تداعبها الريح من كل الجهات، سأل الملك عن صاحبة التمثال فقال له الروائي" انها ملكة " عودة الروح " تحيي العظام وهي رميم" ففرح الملك، وقال له أن لدي في مملكتي حبيبة أريد منها أن توقظها من رقادها الطويل فهل تفعل ؟ اجاب كالفينو ، اسألها أنت فهي ملكة وأنت ملك، والملوك اذا تحدثوا توقظ الارواح وتقتل الشياطين، فرفع بصره اليها وقال " يا ملكة عودة الروح اريدك ان تعيدي لي حبابة " فاجابت الملكة من عليائها " نعم ، يجب أن يكون هناك بديل عنها، فأختر واحدا من دمك لينام نومتها، وسأوقظ روحها حالا، فقال لها " لقد اخترت ابن المقدونية " أجابت " لك ذلك ، أذهب الى بلادك، وستراه نائما نومته الابدية بدلا من المرأة المسجاة " ففرح الملك كالاطفال، وقرروا العودة في اليوم التالي ووصلوا الى الديار ، فوجد حبابة تستقبله مع جيش جرار من الجواري والعبيد والخصيان يضربون الدفوف ويرقصون لاستقبال الملك من رحلة الاستجمام ، ولما دخل الى القصر، رآى ولده أبن المقدونية مسجى، قال قولته الشهيرة " لدي الكثير من الاولاد، ولكن ليس لدي سوى حبابة واحدة في هذه الدنيا " .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...