د. يوسف حطيني - أبو الشوارب.. قصة

يهبط أبوه على الناس ليلاً موجعاً كقدرٍ محتومٍ، فيتفرق الرجال مثلَ نُدَف القطن، وتجري النساء فزعاتٍ في كلّ صوب، بينما يتبول الأطفال في ثيابهم، ولا يبقى حولَه إلا رُعْبُ السكون..

أما عبدو الذي ولد في ظهيرة قائظة فقد استطاع في طفولته المبكرة أن يكسر حبة جوز بأسنانه، ومنذ ذلك الحين اكتسب لقب “أبي كسّار” عن استحقاق، واكتشف أبو عبدو منذ ذلك الوقت أن الولد سرُّ أبيه، لذلك راح يحضنه ويربيه تحت جناحيه نسراً بشاربين كثيفين..

أبو عبدو، كعادته، يستيقظ كلَّ صباح، ويدهن شاربيه بزيت الزيتون البلدي الصافي بأناة دودة القزّ، وكانت كل شعرة تستجيب لتلك التجربة اللذيذة، فإذا مسها الزيت اهتزت وربت وأنبتت هلعاً يتطاير حوله مثلَ الشرر.. بعد ذلك يطمئن الرجل الخطير إلى نفسه في المرآة الكبيرة الكالحة، وينظر نحو زوجته نظرة ازدراء فترد عليه بابتسامة متشفية لا يدرك معناها أحد، ثم يوقظ ابنه ويلقي في وجهه ابتسامة مقتضبةً ويخضعه لتجربة زيت الزيتون ذاتها، وينظر في عينيه مباشرةً: – ستغدو رجلاً عما قريب يا “أبا كسّار”.

بعد ذلك ينطلق الأب إلى عمله في دكان بيع الخُضَر، بينما يمضي أبو كسّار إلى المدرسة الابتدائية متأخراً، فلا يجرؤ مدرسوها على سؤاله عن سبب التأخير، لأنهم يخافون الوالد العصبي وسطوة شاربيه.

في دكان الخضر كان أبو عبدو فيما مضى يبيع البندورة والخيار والبطيخ والبقدونس بضعفي السعر، ويشتري منه أهلُ الحارة جميعاً حتى المختار لأن الصفعة التي تلقاها أحمد العدمان الذي اشترى ضمة فجلٍ من بائع الخضر في الحارة الشرقية.. ما تزال تتعربش على ذاكرتهم الطازجة.

أما الآن فقد صار بمقدور الجميع أن يشتروا من أي دكان أخرى، لأن أبو عبدو أصبح مسؤولاً كبيراً في مديرية الخضر والفواكه، وصار كلما رأى شاحنة محملة ينظر نحوها قائلاً: “شرقي أو غرّبي، واذهبي حيث شئت فسيأتيني خراجك[1]”

ولكن رأسه لم تكن محشوة بالبطيخ والسبانخ والبندورة، ولو كان كذلك لما استطاع أن يقفز بين المناصب المتعددة كقرد مدرّب، ولما استطاع بعد حين أن يرسل ابنه “أبا كسّار” لدراسة الطب في بلاد الحرية والنور حاملاً معه شاربين كثيفين وشهادة ثانوية تؤهله للدراسة الجامعية خارج حدود الوطن.. إضافة إلى زجاجة من زيت الزيتون البلدي الصافي الذي اشتراه خصيصاً للمحافظة على نقاء السلالة..

ما زالت صورة سعاد نصّور ماثلة في خياله، وهو يقطع شوارع المدن الغريبة، ها هي ذي في خياله نابضةٌ بالحياة، تتلوى تحت درج البناية مثل أفعى، تتأوه تحت وقع قبلاته العنيفة وأشواك شاربيه ثم تصرخ:

– لقد آلمتني يا “أبا كسّار”.

ولكنه لا يرعوي، بل تهبط شفتاه إلى عنقها الغضّ فتدفعه بكلتا يديها:

– لقد آلمتني..

– ألن تأتي مساء الغد؟

– إذا حلقتَ شاربيك..

– إذاً.. اذهبي إلى جهنم..

صورة سعاد نَصّور ماثلة في خياله إذاً، شفتاها، عنقها الربيعي.. يتذكرها كلما رأى هيلين تسير في نورث دالاس وتلقي شلال شعرها الأشقر وراء ظهرها بعفوية، وهي تتأبط ذراع مايكل فتزيد ليل تكساس صخباً وبؤساً..

شوارع تلك المدينة الكئيبة تشعره بانقباض قارس، ولكن نفسه تزداد انقباضاً حين يرى مايكل، وهو يربط شعره كالفتيات المدللات، ويمضع اللبان في فمه مثل المخنثين، ويجلس قرب هيلين التي تأكل وجبة سريعة من مطاعم ماكدونالدز.

قال أبو كسّار في نفسه: لقد ابتسمت لي أولاً ولا يحق لمايكل أن يأخذها.. لن ينجو مايكل بفعلته.. سأضربه ذلك المخنث الذي يشبه امرأة قبيحة.. لن يحتمل أكثر من صفعة واحدة.. لأجل عيون هيلين سألقيه أرضاً، وأدوس على رقبته. لا شك أن معركتي معه ستنتهي بضربة واحدة..

أما زلت تحلم يا أبا كسّار؟؟

يحلم بامرأة يضمها، هيلين ابتسمت له، وهي تبتسم له كلما التقت نظراتهما، ولكن العجيب أنها تذهب أخيراً إلى مايكل..

“لعله خدعها، لعلها تظن ذلك المخنث قوياً.. ولكنه سيسقط على الأرض أمامها مثل خرقة بالية، وإذ ذاك ستتركه هيلين وتأتي إلي طائعة، وتتلوى بين ذراعي مثلما فعلت سعاد ذات ليل بهيج”.

عواء ريح شباط[2] الحزينة وطقطقات حذاء الكعب العالي أيقظاه من شروده، بينما كان خارجاً من دروس تعلم اللغة الإنلكيزية وهو يلعن التوفيل[3] وأبا التوفيل.. وليس ثمة من يسير في الطريق سواها..

نسي حزنه، وصل عواء الريح إلى أذنيه أغنية عذبة، اقترب منها، حشر في رأسه كل مفردات اللغة الإنكليزية التي تعلمها ليخبرها عن حبه، ولكن مايكل ظهر فجأة ووقف في وجهه بعناد:

– لا بد أن يضربه، وقد جاءت الفرصة على قدميها..

لقد كان أبو كسّار على حقّ فقد انتهت المعركة بضربة واحدة.. ومثل خرقة بالية سقط على الأرض، بينما تأبطت هيلين ذراع مايكل التي راحت ذؤابات شعره تموء وراءه كقط خبيث..

عاد أبو كسّار.. إلى غرفته.. إلى بيته.. إلى وطنه، دون أن ينسى شعر هيلين: خمس سنوات كانت كافية لكي يتزوج سعاد أبو نصور التي ازدادت تعاسةً منذ وضعها أبوها في سجنها الأبدي..

لم يستطع خلال تلك السنوات أن يزرع أية بذرة في رحم سعاد التي تنتظر بلهفة الأرض العطشى، دون أن تجرؤ على الظن سوءاً بزوجها، فقد كانت متأكدة أن أبا كسّار الذي ما زال يمسد شاربيه بزيت الزيتون لن يكون عاجزاً عن إنجاب طفل.. أما هو فقد كان متأكداً من عجزه بسبب ضربة مايكل الوحيدة.

ما زال أبو كسّار، قادراً على كسر الجوز، والجلوس في دكانه الواسع يبيع البندورة والخيار والبطيخ والبقدونس بضعفي السعر، وما زال الناس يشترون منه جميعاً حتى المختار الجديد لأنهم يذكرون الصفعة التي تلقاها محمود بن أحمد العدمان الذي اشترى ضمة بقدونس من بائع الخضر في الحارة الغربية.. وما زال يهبط على الناس ليلاً موجعاً مثل قدرٍ محتومٍ، فيتفرق الرجال مثل نُدَف القطن، وتجري النساء فزعاتٍ في كلّ صوب إلخ… إلخ… إلخ…

العين/ الإمارات

22/3/2007



[1] في زمن مضى وانقضى خاطب الخليفة العباسي هارون الرشيد سحابة في سماء بغداد بقوله: “شرقي أو غربي.. وأمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك”.
[2] فبراير
[3] امتحان كفاءة اللغة الإنكليزية الذي يسبق الالتحاق بالجامعة.





T

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...