إبراهيم أصلان - عصفور على أسلاك ‮ ‬التروللي باس.. قصة قصيرة


تمهيد
اعتاد النهار أن‮ ‬يهبط من فوق كوبري‮ "‬امبابة‮"‬،‮ ‬وبعد أن‮ ‬يمر في طريقه بالبخار الذي‮ ‬يتصاعد من النهر،‮ ‬يتسلق الشاطئ،‮ ‬ولا‮ ‬يلبث أن‮ ‬ينتشر داخل الحواري التي تنحدر من بين المباني المتراصة علي طول الطريق،‮ ‬والتي كثيرا ما تخطئها العين‮.‬
وفي هذه اللحظات،‮ ‬اعتادت أيضا أن تتثاءب الأبواب،‮ ‬وتلوح جموع الأولاد في ضباب الصباح،‮ ‬وكأنها أطياف تبرز من جوف الأرض ومن بين الجدران المتهالكة،‮ ‬يحملون الأواني،‮ ‬ويدوسون بأقدامهم الحافية فوق التراب الذي بلله الندي،‮ ‬ويسعون جميعا إلي حارة‮ "‬حوا‮" ‬فيدخلونها،‮ ‬ويغذّون السير بين بيوتها القصيرة المتقاربة،‮ ‬إلي نهاية أن‮ ‬يصلوا إلي‮ "‬الوسعاية‮" ‬ويحتشدوا فيها،‮ ‬أمام كوخ العم‮ "‬مجاهد‮" ‬الذي كان شبحه‮ ‬يري هناك خلف قدرة الفول الكبيرة،‮ ‬منذ سنوات بعيدة‮..‬بعيدة جدا‮.‬
و"الوسعاية‮" ‬هي الميدان الصغير،‮ ‬والمكان الذي ترش فيه المياه كي ما‮ ‬يتماسك التراب،‮ ‬وحيث تقام الأفراح،‮ ‬ويلعب الأولاد،‮ ‬ويتجول الشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬ويتجمع الرجال في المساء داخل مقهي‮ "‬عباس‮" ‬الذي‮ ‬يحتوي علي ثلاثة مقاعد ودكة،‮ ‬وإلي جانب هذا،‮ ‬حيث‮ ‬يمكن لراكب الدراجة أن‮ ‬يستدير في دورة كاملة دون أن‮ ‬يضطر للهبوط من عليها‮.‬
اليوم الأول
‮"‬الساعة العاشرة‮"‬
خرج‮ "‬حمامة‮" ‬إلي‮ "‬الوسعاية‮" ‬ويده في جيب جلبابه‮.‬
تواري بعض الأولاد خلف باب بيت‮ "‬منصور‮" ‬أفندي المدرس وهم‮ ‬ينشدون‮:‬
‮(‬شيخ شعبان‮..‬قرصه التعبان‮..‬شيخ شعبان‮..‬قرصه التعبان‮)‬
وقف الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬بقامته القصيرة الممتلئة،‮ ‬وجلبابه الدمور المتسخ،‮ ‬ويده مرفوعة إلي أعلي،‮ ‬قابضة علي قشرة برتقالة وهو‮ ‬يصيح‮ :‬
‮(‬و‮..‬و‮.. ‬ولاد كلب‮..‬رب موتوا‮)‬،‮ ‬ثم اهتز بشدة،‮ ‬وأصدر بعض الأصوات المتداخلة،‮ ‬وهرول إلي الحجر الكبير الأبيض الموضوع بجوار عشة العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬وخبأ رأسه بين ركبتيه وهو‮ ‬يجلس،‮ ‬خطا‮ "‬حمامة‮" ‬إلي الجانب الآخر،‮ ‬صعد فوق الحجر الكبير الأبيض وهو‮ ‬يتكئ بيده علي رأس الشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬أطلّ‮ ‬برأسه داخل نافذة صغيرة،‮ ‬صاح‮ :"‬صابر‮"‬،‮ ‬كان مستلقيا هو وأمه وخالته وعمه وأخته فوق أرضية حجرتهم المظلمة،‮ ‬قال‮ :‬
‮(‬جبتي الحاجة؟‮)‬
ورد‮ "‬حمامة‮" : (‬آه‮).‬
خرج‮ "‬صابر‮"‬،‮ ‬طوّق فمه بكفيه وصاح‮:‬
‮(‬سعيد‮)‬
أطلّ‮ "‬سعيد‮" ‬من نافذة بجوار المقهي،‮ ‬قال وهو‮ ‬يلوك شيئا في فمه‮ : (‬أيوه جااااااي‮).‬
‮(‬وهات معاك الخيط والإبرة‮)‬
في الجانب الآخر من‮ "‬الوسعاية‮" ‬رفع العم‮ "‬مجاهد‮" ‬كفه المعروق الخشن،‮ ‬ومسح به وجهه القديم وعينيه الكليلتين،‮ ‬وأنزل‮ ‬يده وربت علي ظهر صبي صغير،‮ ‬أقرع‮ ‬يجلس بجواره‮..‬قال في صوت عميق مشروخ‮ :‬
‮(‬إيه‮ ‬ياسيد؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يلتفت بوجهه النحيل الأسمر ناحية الأولاد‮ :‬
‮(‬أصل أنا عاوز أروح ألعب مع العيال‮)‬
‮(‬يابني ماهم بيضربوك‮)‬
‮(‬مش حالعب معاهم،‮ ‬ولا أقولك،‮ ‬هاروح أدوّر علي أمي،‮ ‬مبسوط بقي؟‮)‬
خرج‮ "‬سعيد‮" ‬من باب البيت،‮ ‬قال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يبتسم ويقلّب الفول داخل القدرة بالمغرفة الطويلة‮ :‬
‮(‬طيب‮ ‬ياعم روح العب،‮ ‬بس ماتخليش حد‮ ‬يضربك‮)‬
قفز‮ "‬سيد‮" ‬واقفا،‮ ‬اقترب من الأولاد الذين جلسوا علي باب المقهي‮ ‬يعملون الكرة،‮ ‬وأخذ‮ ‬يرقبهم بعينيه الواسعتين‮.‬
0000
‮(‬الساعة الثانية عشرة‮)‬
اعتلت الشمس‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وضج المكان بصراخ الأولاد الذين تزاحموا أمام العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬وهم‮ ‬يرفعون الأواني ويلحّون ويتحايلون مطالبين بالمزيد من حبّات الفول‮..‬واعتلي الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬الحجر الكبير الأبيض وراح‮ ‬يجول بنظراته الضاحكة في أرجاء المكان وهو‮ ‬يهمهم،‮ ‬كان كل شئ في اختلاطه‮ ‬يمثّل أنشودة‮ ‬يهذي بها عجوز مخمور‮.‬
وفجأة انطلقت طائرة من مطار‮ "‬امبابة‮" ‬مخترقة الحاجز الصوتي،‮ ‬محدثة فرقعة هائلة،‮ ‬وما أن تعلقت العيون بالسماء حتي عادت لتستقر علي قامة‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي الأعور الذي انشقت عنه الأرض في مدخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬بمعطفه الطويل الأسود الخالي من الأزرار،‮ ‬والذي لم‮ ‬يلبث أن طوّق فمه بكفه وشرع في الصياح‮:‬
‮(‬يا أهالي امبابه الكرام
يازباين حارة‮ "‬حوا‮"‬
افتتح اليوم‮ ‬
علي ناصية حارتكم وشارع البحر
المطعم الجديد
وهو مطعم مزود بكافة الأشياء العظيمة‮ ‬
وقد قرر أصحابه الكرماء
أن‮ ‬يملأوا طبق الفول حتي آخره
بقرش تعريفه واحد
وإن كنتم لا تصدقون‮ ‬
زورونا وأنتم الرابحون
لتروا بأعينكم الآلات الحديدية اللامعة
التي تصنع الفول والطعمية والباذنجان
والأجر والثواب علي الله‮)‬
صاح بذلك،‮ ‬وتقدم داخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وهو‮ ‬يتكئ علي عصاه ويفحص الأرض بعينه الواحدة إلي أن‮ ‬غاب في الجانب الآخر من الحارة‮.‬
وكان الأولاد مازالوا‮ ‬يجلسون علي عتبة المقهي،‮ ‬قال‮ "‬حمامة‮" ‬بينما صوت المنادي الأعور ما زال‮ ‬يسمع من بعيد‮ :(‬هو إيه هو ده،‮ ‬مش عم مرزوق كان زمان بينادي علي الميتين؟‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬صابر‮" :( ‬آه‮ )‬،‮ ‬وقال‮ "‬حمامة‮" ‬مرة أخري‮ (‬هوه‮ ‬ينفع الواحد‮ ‬ينادي علي الميتين وعلي الحاجات دي كمان ؟‮)‬،‮ ‬وردّ‮ ‬صابر‮": (‬أنا عارف‮!"‬،‮ ‬والتفت إلي‮ "‬سعيد‮ " :(‬هووووه‮ ‬ينفع‮ ‬يا سعيد؟‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬سعيد‮" : (‬الكورة خلصت،‮ ‬يا للا بينا نطلع علي البحر قبل أمي ما تنادي عليّ‮).‬
انطلقوا‮ ‬يتقاذفون الكرة،‮ ‬و"سعيد‮" ‬الأقرع‮ ‬يتبعهم من بعيد‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الواحدة‮)‬
جلس‮ "‬سيد‮" ‬علي سور المدرسة التي تقع علي رأس حارة‮ "‬حوا‮"‬،‮ ‬وأخذ‮ ‬ينظر إلي الأولاد وهم ملتمون أمامه علي الطوار‮ ‬يقسمون أنفسهم إلي فريقين،‮ ‬قال‮ "‬حمامة‮" ‬وهو‮ ‬يشير إلي‮ "‬سيد‮" (‬ياللا نجيب الواد سيد الأقرع‮ ‬يقف لنا جون‮ ‬يا سعيد‮ )‬،‮ ‬توجه‮ "‬سعيد‮" ‬إلي‮ "‬سيد‮" :(‬تعالي اقف لنا جون‮ ‬ياواد‮)‬،‮ ‬رد‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يضخّم من صوته‮ :(‬لا‮ ‬ياعم.أنا عاوز ألعب مهاجم‮ ‬يابلاش‮ )‬،‮ ‬صاح أحد الأولاد‮ :(‬أنا أقف جون‮).‬
حددوا المرمي بالقباقيب والحجارة،‮ ‬وشرعوا‮ ‬يلعبون الكرة في طريق العربات‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الثانية‮)‬
قفز‮ "‬سيد‮" ‬من فوق سور المدرسة،‮ ‬وقطع الشارع ووقف علي الشاطئ،‮ ‬كانت المراكب الآتية من الصعيد تسبح وئيدة في صمت،‮ ‬والرجال‮ ‬يتسلقون صواريها العالية ويطوون الأشرعة التي التقطت ضوء الشمس،‮ ‬وتطلّع عبر النهر إلي حيّ‮ ‬الزمالك،‮ ‬كانت المقاعد الرخامية البيض تمتد علي طول الضفة الأخري،‮ ‬والعربات تتهادي خلال المباني الكبيرة الهادئة التي تظللها الأشجار،‮ ‬أمسك‮ "‬سيد‮" ‬بحجر وقذفه علي طول ذراعه،‮ ‬وراقبه وهو‮ ‬يسقط في النهر،‮ ‬واستدار وعاد‮ ‬يقطع الشارع مرة أخري‮.‬
اقترب من المطعم الجديد،‮ ‬وتأمل اللافتة الكبيرة المعلقة،‮ ‬والصورة المرسومة علي مدخله الزجاجي الذي‮ ‬يطلّ‮ ‬علي الطريق العام،‮ ‬والتي تمثّل رجلا‮ ‬يدلق الفول من فوهة داخل طبق تحمله بنت صغيرة علي وجهها فرحة كبيرة،‮ ‬ولفت نظره فمها المتسع الذي طلي باللون الأحمر،‮ ‬ثم انتقل ببصره إلي الرجال الذين كانوا‮ ‬يروحون ويجيئون داخل المطعم في خطوات سريعة وهمة متناهية،‮ ‬وهم‮ ‬يحملون الأواني ويرتبون المناضد المعدنية الملونة،‮ ‬وفي ركن المطعم كان هناك عملاق عظيم‮ ‬يضم ذراعيه علي صدره،‮ ‬ابتسم لسيد ابتسامة أعجبته،‮ ‬فدلف إلي الداخل،‮ ‬ورفع رأسه الأقرع وأخذ‮ ‬يتفحص الجدران العالية البيضاء والسيور الجلدية التي امتدت من الأرض إلي السقف،‮ ‬وزجاجات الزيت وبرطمانات الليمون المخلل التي رصت علي الأرفف في تشكيلات أخّاذة،‮ ‬وتقدم‮ "‬سيد‮" ‬أكثر،‮ ‬وربت بيده علي القدور النحاسية اللامعة التي كانت تستقر وهي ماثلة فوق الطاولة الرخامية الطويلة،‮ ‬وانحني وتناول ملء كفه من نشارة الخشب الخضراء المبدورة فوق البلاط وعاد أدراجه إلي شارع البحر وهو‮ ‬يبدر النشارة بين قدميه،‮ ‬وصعد علي سور المدرسة،‮ ‬ومرة أخري عاد‮ ‬يتابع الأولاد،‮ ‬بينما‮ ‬يلعبون الكرة في طريق العربات‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الثالثة‮)‬
انحدرت الشمس عن سماء‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وكان‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي الأعور جالسا علي الدكة‮ ‬يدخّن الجوزة،‮ ‬و"عباس‮" ‬واقفا‮ ‬يرش الماء،‮ ‬وقد شمّر عن كم جلبابه،‮ ‬ارتفعت أصوات البنات عندما تساقطت نقاط المياه علي‮ "‬الأوله‮" ‬التي كن قد أعدن تخطيطها تحت شباك أم"صابر‮"‬،‮ ‬عاد‮ "‬عباس‮" ‬وجلس علي الدكة وراح‮ ‬يرقبهن وهن ملتفات حول البنت الصغيرة ذات الشعر الأسود،‮ ‬التي كانت تمسك بطرف جلبابها الأخضر،‮ ‬وتحجل علي ساق واحدة وهي تدفع بقدمها علبة الورنيش الممتلئة بالتراب،‮ ‬والتفت‮ "‬عباس‮" ‬إلي‮ "‬مرزوق‮": (‬أما حكاية،‮ ‬بقي المحلّ‮ ‬فتحوه مطعم؟‮)‬،‮ ‬أخرج مرزوق الدخان من فتحتي أنفه‮ :(‬أي نعم‮).‬
‮(‬ودول مين بقي اللي فتحوه؟‮)‬
‮(‬فتحوا إيه؟‮)‬
‮(‬المطعم‮ ‬يا أخينا‮).‬
‮(‬آه‮..‬ناس‮)‬
كان هناك بعض الأولاد‮ ‬يقطعون‮ "‬الوسعاية‮" ‬ركضا وهم‮ ‬يحملون الأواني في طريقهم إلي شارع البحر‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الرابعة‮)‬
ظهر الصبي‮ "‬سيد‮" ‬في مدخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وهو‮ ‬يتنفس في صعوبة،‮ ‬اتجه ناحية العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يمسح دموعه بظهر‮ ‬يده،‮ ‬أدار العجوز وجهه،‮ ‬تساءل‮ :(‬مين؟،‮ ‬سيد؟‮)‬،‮ ‬انفجر الصبي باكيا في صوت عال،‮ ‬مد العجوز‮ ‬يده ناحيته‮ :(‬طيب تعالي،‮ ‬تعالي‮)‬،‮ ‬مضت فترة ويده معلقة في الهواء،‮ ‬تقدم‮ "‬سيد‮" ‬خطوة،‮ ‬وضع كفه الصغيرة في الكف القاتم المعروق،‮ ‬أخذه العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بين ذراعيه‮ :(‬يعني كويس كده ؟،‮ ‬أنا مش قلتلك أنهم بيضربوك؟‮)‬،‮ ‬تخلص الصبي من بين ذراعيه‮ :(‬محدش ضربني‮)‬،‮ ‬حاول العجوز أن‮ ‬يطوقه بذراعه مرة أخري طيب ماتزعلش،‮ ‬خليك قاعد جنبي وما تلعبش معاهم تاني‮)‬،‮ ‬صاح الصبي‮ :(‬يا أخي قلتلك محدش ضربني،‮ ‬أهو كمان‮)‬،‮ ‬ورفع ذراعه وأهوي بكفه علي وجه الرجل،‮ ‬واستدار بسرعة وصعد علي الحجر الكبير الأبيض،‮ ‬وخبأ رأسه بين ركبتيه،‮ ‬وراح جسده الضئيل‮ ‬يهتز في صمت‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الخامسة‮)‬
خرج‮ "‬صابر"من باب بيتهم وهو‮ ‬يحمل طبقا،‮ ‬وانسلّ‮ ‬من‮ "‬الوسعاية‮" ‬في طريقه إلي شارع البحر،‮ ‬تحرك أحد الرجلين اللذين كانا‮ ‬يجلسان علي الدكة في مدخل المقهي،‮ ‬وكان‮ ‬يرتدي حلة متآكلة ويضع علي رأسه طربوشا مستقيما،‮ ‬قال وهو‮ ‬يشير إلي‮ "‬سيد‮" ‬الذي لا‮ ‬يزال جالسا علي الحجر الكبير الأبيض‮ :(‬الولد ده لسه أمه مابنش عنها خبر؟‮)‬،‮ ‬قال عباس وهو‮ ‬يجلس في منتصف الدكة‮ :(‬أبدا والله‮ ‬يامنصور أفندي‮)‬،‮ ‬ثم أردف‮ :(‬والله الواحد خايف ليكون جري لها حاجة‮)‬،‮ ‬قال الرجل الذي كان‮ ‬يجلس علي الطرف الآخر من الدكة،‮ ‬وكان بدينا وقصيرا وعيناه كانتا قلقتين‮ :(‬أم مين؟‮) ‬أم مين‮ ‬ياعباس؟‮)‬،‮ ‬أشار عباس إلي الصبي الأقرع ورفع الصبي وجهه من بين ركبتيه وراح‮ ‬يتطلع ناحيتهم بعينيه الكبيرتين،‮ ‬مرّ‮ ‬فوج آخر من الأولاد،‮ ‬هرولوا‮ ‬يحملون الأطباق ويعبرون‮ "‬الوسعاية‮" ‬في طريقهم إلي شارع البحر،‮ ‬أطلّ‮ ‬أبو‮ "‬سعيد‮" ‬من نافذة حجرته الموجودة بجوار مدخل المقهي‮.‬
قال‮ :(‬مساء الخير‮ ‬ياجماعة،‮ ‬إزيك‮ ‬يامنصور أفندي‮ )‬،‮ ‬قال منصور أفندي‮ :(‬عال،‮ ‬إزي حال رجلك دلوقت ؟‮)‬،‮ ‬وقال سلامة‮ :(‬إزي صحتك‮ ‬ياسي عارف‮ )‬،‮ ‬التفت منصور أفندي ناحيته وزوي مابين حاجبيه الرفيعين،‮ ‬بينما قال عارف أفندي‮: (‬الحمد لله،‮ ‬أحسن‮)‬،‮ ‬مال سلامة وأطلّ‮ ‬بوجهه من وراء منصور أفندي وجذب
‮ ‬كم‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يقول في صوت خافت‮ :(‬أمال الواد بياكل منين‮ ‬ياعباس ؟ هيه،‮ ‬قاعد عند مين‮ ‬ياعباس ؟‮)‬،‮ ‬صرخ‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮ :(‬يا أخي قلنا لك قاعد مع عمك مجاهد بياع الزفت،‮ ‬دهدي‮).‬
قام سلامة واقفا،‮ ‬عبر‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬ووقف في مدخل بيت الحاج حنفي وقال‮ :(‬لا مؤاخذة‮ ‬يامنصور أفندي،‮ ‬مش قصدي‮)‬،‮ ‬وأغلق الباب وراءه‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة السادسة‮)‬
نادي‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يقف‮ :(‬خذ‮ ‬ياواد‮ ‬ياصابر‮)‬،‮ ‬اقترب‮ "‬صابر"منبهرا وهو‮ ‬يمسك بكلتا‮ ‬يديه طبقا ممتلئا بالفول حتي حافته‮ :(‬إيه‮ ‬ياواد الحكاية،‮ ‬مالك،‮ ‬العفاريت ركبتكم ولا إيه؟‮)‬،‮ ‬أشعّت عينا الولد وهو‮ ‬ينقل بصره بين الطبق ووجه‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬صرخ فجأة‮ :(‬بتعريفه‮)‬،‮ ‬وانطلق،‮ ‬تقدّم‮ "‬عباس‮" ‬وراءه وهو‮ ‬يصيح‮ :(‬بتعريفه‮..‬بتعريفه إزاي‮ ‬ياوله؟ واد‮ ‬ياصابر‮ )‬،‮ ‬كان صابر قد اختفي،‮ ‬صاح‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬يقف في مدخل البيت‮ :(‬مش معقول،‮ ‬مش معقول‮ ‬ياعباس‮)‬،‮ ‬اقترب فوج آخر من الأولاد،‮ ‬أخذوا‮ ‬يقطعون الوسعاية في هدوء وهم‮ ‬يحملون الأطباق التي امتلأت حتي حافتها،‮ ‬اعترض عباس طريقهم‮ :(‬بتعريفه ده‮ ‬ياولاد؟‮ )‬،‮ ‬هز الأطفال رءوسهم في اغتباط‮.‬
تبددت الأحاديث،‮ ‬وقف الرجال والنساء والأولاد فوق الأسطح وعلي عتبات الأبواب،‮ ‬وتدلّت العيون من النوافذ ومن كل مكان،‮ ‬كلها تتطلع إلي الأطباق الممتلئة،‮ ‬وتلتقط مايدور من كلمات كما انطلق الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬كالقذيفة وراح‮ ‬يضع وجهه داخل كل طبق من الأطباق علي حدة‮ ‬غيرمبال برفسات الأولاد،‮ ‬فقط كان‮ ‬يقفز صارخا بعد كل مرة وهو‮ ‬يمسك أنفه الذي انسلق من ماء الفول المغلي،‮ ‬صفعه‮ "‬عباس‮" ‬علي قفاه،‮ ‬وتنحّي عن طريق حاملي الأطباق،‮ ‬وعاد إلي المقهي،‮ ‬وبدأ‮ ‬يضرب كفا بكف‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة السابعة‮)‬
اندفع‮ "‬صابر‮" ‬من باب البيت وهو‮ ‬يحمل ثلاثة أطباق وحلّة،‮ ‬وتاه وسط الأهالي الذين كانوا‮ ‬يشرعون الأواني ويندفعون في كل اتجاه،‮ ‬شقّ‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي طريقه بصعوبة،‮ ‬صرخ‮ :(‬هوه إيه اللي جري؟ الدنيا اتقلبت ولا إيه؟‮ )‬،‮ ‬قال ذلك،‮ ‬ورفع ساقه علي الدكة بينه وبين‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬وأخذ‮ ‬ينزع البصلة التي كان قد أدخل إصبعه الكبير فيها،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮" ‬محدثا نفسه‮ :(‬أما شغلانه مايعلم بها إلا ربنا‮)‬،‮ ‬صاح‮ "‬مرزوق‮" : ‬
‮(‬شغلانة إيه‮ ‬ياجدع‮..‬الله‮..‬ماتفهمونا‮ ‬ياخلايق‮).‬
‮(‬شغلانة الكلام اللي انت قلته الصبح‮ ‬يا أخ‮).‬
‮(‬كلام،‮ ‬كلام إيه‮ ‬ياجدع؟‮).‬
‮(‬يانهار أغبر،‮ ‬انت الصبح مش كنت بتنادي وتقول إن المطعم الجديد حيملي طبق الفول لغاية آخره بتعريفه؟‮).‬
‮(‬مين؟ أنا كنت باقول كده؟‮)‬
‮(‬لا،‮ ‬دي المسألة بقت‮ ‬يحزنون خالص،‮ ‬مساء الخير‮ ‬يا أخ‮).‬
‮(‬أبدا والله‮ ‬ياعبس،‮ ‬أصل الواحد بيحفظّوه الحاجة،‮ ‬وبعدين‮..‬لكن وبعدين إيه بقي‮).‬
وانتهي من ربط قدمه،‮ ‬وسحب عصاته،‮ ‬وأخذ‮ ‬يتوكأ عليها مهرولا،‮ ‬أوقد عباس الكلوب،‮ ‬ووقف أمام مدخل المقهي لفترة من الوقت،‮ ‬ثم التفت،‮ ‬التقت عيناه بعيني‮ "‬عارف‮" ‬أفندي،‮ ‬نظر كلاهما إلي العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬كان جالسا في مدخل عشته،‮ ‬والبخار‮ ‬يتصاعد من فوهة قدرته الكبيرة،‮ ‬يمناه قابضة علي المغرفة،‮ ‬ويسراه تحتضن‮ "‬سيد‮" ‬الذي كان قد أراح رأسه الأقرع في حجره،‮ ‬وراح‮ ‬يتنفس في هدوء‮.‬
‮<<<‬
‮(‬اليوم الثاني
الساعة الخامسة‮)‬
بعد أذان الفجر بقليل،‮ ‬فتح العم‮ "‬مجاهد‮" ‬عينيه،‮ ‬ورفع جذعه،‮ ‬واستند إلي جدار العشة،‮ ‬وظلّ‮ ‬مسترخيا لفترة من الوقت‮.‬
أخرج علبة الكبريت من جيب الصديري،‮ ‬وأشعل اللمبة،‮ ‬كان الفراش مكونا من حشية طويلة ممزقة،‮ ‬أما باقي المكان فقد كان مزدحما بالقدرتين والوابور وعدد كبير من المغارف والأجولة الفارغة والصفائح المختلفة الأحجام،‮ ‬وكانت هناك أيضا كومة من الثياب القديمة،‮ ‬واخري من التبن،‮ ‬جذب العم‮ "‬مجاهد‮" ‬الوابور وأشعله،‮ ‬ووضع فوق البراد،‮ ‬ثم أخرج صندوق دخانه وراح‮ ‬يلف سيجارة بأصابعه الطويلة الجافة،‮ ‬وما أن سمع صوت‮ ‬غليان الشاي حتي أنزل البراد،‮ ‬وحمل الوابور وأدخله في الحمّالة تحت القدرة النحاسية الكبيرة،‮ ‬وعاد إلي مكانه،‮ ‬وجذب نفسا من السيجارة،‮ ‬أسلمه لنوبة شديدة من السعال،‮ ‬تقلّب‮ "‬سيد‮" ‬علي أثرها،‮ ‬مال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬ورفع المعطف القديم الذي كان الصبي قد دفعه تحت قدميه،‮ ‬وغطاه به ثانية،‮ ‬واعتدل في جلسته مرة أخري،‮ ‬وراح‮ ‬يعدل من وضع شاربه المتهدل،‮ ‬ويمشطه علي جانبي وجهه،‮ ‬وما أن خلي الطريق أمام فمه،‮ ‬حتي استكان‮ ‬يشرب الشاي‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة السادسة‮)‬
فتح العم مجاهد باب العشة وأخرج القاعدة الخشبية،‮ ‬وعاد إلي القدرة النحاسية،‮ ‬فحملها ووضعها فوق القاعدة وهو‮ ‬يلهث،‮ ‬ودخل إلي العشة مرة أخري وأطفأ الوابور،‮ ‬وفكر العم‮ "‬مجاهد‮" ‬في أنه كان قد اعتاد لسنوات طويلة جدا ألا‮ ‬يطفئ الوابور،‮ ‬بل‮ ‬يضعه تحت القدرة الصاج ويتركه مشتعلا،‮ ‬حتي إذا ماانتصف النهار وأوشكت القدرة النحاسية أن تفرغ،‮ ‬أمكنه أن‮ ‬يواصل البيع بقية اليوم من القدرة الصاج،‮ ‬ولكن هاهو‮ ‬يوم كامل‮ ‬يمر والقدرة النحاسية مازالت ممتلئة إلي نصفها بالفول،‮ ‬ولاحظ أن ذلك شئ لم‮ ‬يحدث أن مر به قبلا،‮ ‬ولا حتي في أيام الأعياد،‮ ‬وبينما هو جالس في مدخل العشة،‮ ‬التقطت أذنه صرير أول باب‮ ‬يفتح،‮ ‬وقال الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬الذي كان عائدا من المصلي‮ : (‬صباح الخير‮..‬نهارك أبيض إن شاء الله‮)‬،‮ ‬وتمتم العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بالرد،‮ ‬واتضحت المباني في الوسعاية،‮ ‬وتوالي صرير الأبواب،‮ ‬وأخذ الأولاد‮ ‬ينفلتون من ورائها ويتسللون في هدوء إلي جانب الحارة الآخر،‮ ‬كان‮ ‬يري جموعهم الشاحبة بعينيه المتعبتين،‮ ‬ويسمع وقع أقدامهم وهي تدرج علي الأرض المتربة،‮ ‬بينما هم‮ ‬يقطعون‮ "‬الوسعاية‮" ‬من أمامه،‮ ‬دون أن‮ ‬يتوقف أحدهم عنده،‮ ‬كانوا جميعا في طريقهم إلي هناك‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة العاشرة‮)‬
انتهي‮ "‬عباس‮" ‬من رش الماء في‮ "‬الوسعاية‮" ‬واقترب من المقهي وهو‮ ‬يوجه حديثه للرجلين الجالسين في مدخلها‮ :(‬هيه،‮ ‬عملت إيه‮ ‬يا أسطي عيد ؟‮)‬،‮ ‬قال الأسطي وهو‮ ‬يغلق الطاولة‮ :(‬غلبته طبعا،‮ ‬دي حاجة ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬عارف‮" ‬أفندي وهو‮ ‬يدلي بنصف جسده من النافذة‮ :(‬ياسلام لو سمعت كلامي‮ ‬ياسلامة ومسكته في الشيش بدلا لك‮ ‬،‮ ‬كنت ضمنت الدور وانت مغمض‮).‬،‮ ‬وصل الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬إلي الوسعاية،‮ ‬قطعها قفزا وهو‮ ‬يهدر وبين‮ ‬يديه طبق من الفول،‮ ‬واختفي داخل بيت الحاج‮ "‬حنفي‮"‬،‮ ‬قال سلامة‮ :(‬أصله حظه كبير‮ ‬ياسي عارف،‮ ‬أصله حظه كبير‮)‬،‮ ‬خرج الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬مسرعا من باب البيت،‮ ‬جلس علي الحجر الكبير الأبيض في بقعة الشمس وهو‮ ‬يدعك بطنه بيديه،‮ ‬ويستغرق في الضحك،‮ ‬قال الأسطي‮ :(‬شوف‮ ‬ياعارف أفندي،‮ ‬زي ما اتغلبتوا في الكاس،‮ ‬لازم تتغلبوا في الطاولة،‮ ‬دي حاجة‮ ‬يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام‮)‬،‮ ‬علت الحمرة وجه عارف أفندي‮ :(‬لا،‮ ‬ماهو اسمع بقي لما أقولك،‮ ‬الجرايد كلها قالت إن الجون كان أوفسايد والحكم ماشفهوش‮)‬،‮ ‬وقال سلامة‮ :(‬وافتكر انت‮ ‬يعني‮ ‬يا أسطي عيد،‮ ‬مش أحسن من الجرايد‮)‬،‮ ‬قال الأسطي وهو‮ ‬يزوي مابين حاجبيه‮ : (‬ياجدع اختشي،‮ ‬عيب‮).‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الثانية عشرة‮)‬
امتلأت‮ "‬الوسعاية‮" ‬بالأولاد الذين كانوا في طريقهم إلي شارع البحر،‮ ‬تطلع‮ "‬عباس‮" ‬من فوق رؤوسهم المسرعة إلي الجانب الآخر،‮ ‬رأي العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يتطلع أمامه ووجهه مرفوع خلف قدرة الفول الكبيرة،‮ ‬و"سيد‮" ‬الأقرع‮ ‬يجلس إلي جواره،‮ ‬قال الأسطي عيد‮ :(‬العيال كلهم رايحين المطعم،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮":(‬لغاية دلوقتي مشفتش حد اشتري من عم مجاهد خالص‮)‬،‮ ‬قال الأسطي‮ :(‬لا،‮ ‬ماهو الراجل حيتعب،‮ ‬دي حاجة‮ ‬يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام،‮ ‬إذا كان المطعم‮ ‬ياعم بيبيع مقدار أبو قرشين صاغ‮ ‬بتعريفة واحد‮)‬،‮ ‬علّق‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮ : (‬ياسيدي كلهم بيعملوا كده في الأول علشان‮ ‬يكسبوا زباين،‮ ‬وبعدين‮ ‬يرجع أخوك عند أبوك‮)‬،‮ ‬انقذف الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬داخل الوسعاية،‮ ‬بدأ‮ ‬يقفز في الهواء بجلبابه الذي لم‮ ‬يكن‮ ‬يرتدي تحته شيئا البتة،‮ ‬ويدور بجوار الجدران وقد كبس حتي أذنيه طربوشا طويلا أحمر،‮ ‬صاح‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬يقف أمام بيت الحاج‮ "‬حنفي‮" :(‬يانهار أبيض‮ ‬ياعباس،‮ ‬شوف الشيخ شعبان‮ ‬ياعباس‮)‬،‮ ‬التف الأولاد الصغار بالشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬وراحوا‮ ‬يصفقون ويتصايحون،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮" (‬يانهار أغبر،‮ ‬ده طربوش منصور أفندي‮)‬،‮ ‬نام الأسطي وهو‮ ‬يمد‮ ‬يده بالنقود إلي عباس‮ :(‬لا حول ولا قوة إلا بالله‮ )‬،‮ ‬بينما علّق‮ "‬عارف‮" ‬أفندي وقد احتقن وجهه وأغرورقت عيناه‮ :(‬ياسلام،‮ ‬أول مرة في حياتي أشوف حاجة زي دي،‮ ‬ياسلام‮ )‬،‮ ‬واختفي من النافذة‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الواحدة‮)‬
خرج‮ "‬صابر‮" ‬من باب البيت وهو‮ ‬يداري أطباقه الثلاثة في طرف جلبابه،‮ ‬ناداه‮ "‬عباس‮" ‬وهو واقف في مدخل المقهي‮ :‬
‮(‬رايح فين‮ ‬ياواد؟‮)‬
قال‮ "‬صابر‮" ‬في صوت خافت وهو‮ ‬يختلس نظرة ناحية العم‮ "‬مجاهد‮" :(‬رايح أجيب فول‮).‬
‮(‬طيب ماتجيب من عمك مجاهد‮ ‬ياواد‮)‬
‮(‬أصل عمي مرسي هو اللي قاللي هات من المطعم‮)‬
‮(‬وهو فين عمك مرسي؟‮)‬
‮(‬قاعد جوا بيقرا في الكتب‮)‬
‮(‬طيب لما ترجع ابقي قوله إني عاوزه‮)‬
ودخل إلي المقهي،‮ ‬بعد قليل خرج وفي‮ ‬يده طبق،‮ ‬توجه إلي العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬انحني عليه وهو‮ ‬يناوله الطبق قائلا‮ :‬
‮(‬هيه،‮ ‬إزاي الحال‮ ‬ياعم مجاهد؟‮)‬
في صمت أعمل العم‮ "‬مجاهد‮" ‬مغرفته الطويلة بين القدرة والطبق،‮ ‬لم‮ ‬يتكلم‮ "‬عباس‮" ‬مرة أخري،‮ ‬وما أن استدار عائدا إلي المقهي حتي زعق العم‮ "‬مجاهد‮" ‬فجأة‮:‬
‮(‬وعليكم السلام ورحمة الله‮).‬
فوقع طبق الفول من بين‮ ‬يدي‮ "‬عباس‮".‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الثانية‮)‬
كان‮ "‬سيد‮" ‬جالسا داخل العشة‮ ‬يأكل،‮ ‬عندما قام العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بقامته النحيلة،‮ ‬وانحني وحمل قدرته النحاسية،‮ ‬وأعادها إلي مكانها داخل العشة،‮ ‬وعاد مرة أخري وهو‮ ‬يلهث،‮ ‬وحمل القاعدة الخشبية والمقعد الواطئ الذي تدلت الخيوط من حشيته البالية،‮ ‬وسحب وراءه الباب الصغير ذا الألواح الخشبية المنخورة،‮ ‬وهكذا أغلقت العشة في وضح النهار،‮ ‬وللمرة الأولي لم‮ ‬يعد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يجلس في مدخلها منذ سنوات لا‮ ‬يذكرها أحد‮.‬
وعلي الفور امتدت خطوط‮ "‬الأولي‮" ‬من تحت شباك أم‮ "‬صابر‮"‬،‮ ‬حتي بلغت ذلك المكان الذي خلي،‮ ‬وأمكن أخيرا للأولاد والبنات أن‮ ‬يقفزوا في كل شبر من‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬تقدم‮ "‬عباس‮" ‬بضع خطوات ووقف في مدخل المقهي وقد اتسعت عيناه،‮ ‬بينما هو‮ ‬يتطلع إلي الباب الذي أغلق،‮ ‬وفتح فمه ومال ناحية نافذة‮ "‬عارف‮" ‬أفندي،‮ ‬وهمّ‮ ‬أن‮ ‬يتكلم،‮ ‬ولما فوجئ بأن النافذة خالية،‮ ‬أغلق فمه مرة أخري،‮ ‬وتقدم حتي منتصف‮ "‬الوسعاية‮" ‬وعيناه تجولان بين الأبواب والنوافذ الصغيرة،‮ ‬ولكن أحدا‮ ‬غير الأولاد الصغار لم‮ ‬يكن هناك علي الإطلاق‮.‬
‮<<<‬
‮(‬الساعة الثالثة‮)‬
انحرفت الشمس عن سماء‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وراح الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬يتقدم في جلبابه متوجها إلي شارع النيل،‮ ‬ما أن مرّ‮ ‬أمام المقهي حتي أشار له‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬كفّ‮ ‬الحاج عن التمتمة،‮ ‬وعلت وجهه بسمة خفيفة،‮ ‬قال‮ :‬
‮(‬خير‮ ‬يابني؟‮)‬
‮(‬باقول إيه‮ ‬ياعم الحاج،‮ ‬تتصور،‮ ‬الضهر فات ومحدش اشتري فول خالص من عم مجاهد،‮ ‬لدرجة إن الراجل قفل العشة‮)‬
التفت الحاج ناحية الباب المغلق،‮ ‬ثم عاد وتطلع إلي عباس‮ :‬
‮(‬ليه‮ ‬يابني؟‮)‬
‮(‬علشان المطعم‮)‬
‮(‬مطعم إيه؟‮)‬
‮(‬المطعم اللي فتحوه علي البحر‮)‬
‮(‬ماله؟‮)‬
‮(‬الناس كلها بتشتري منه‮)‬
‮(‬ليه‮ ‬يابني؟‮)‬
‮(‬أصله بيملي طبق الفول بتعريفه‮)‬
‮(‬ياسلام؟‮)‬
‮(‬ومن ساعتها محدش بيشتري من عم مجاهد‮)‬
‮(‬طيب وبعدين؟‮)‬
‮(‬مش عارف‮)‬
‮(‬محدش بيشتري خالص؟‮)‬
‮(‬أهي ساعة الضهرية عدت من‮ ‬غير ماحد‮ ‬يجي‮ ‬،واديك عارف ساعة الضهرية مكنتش تعرف تحط رجلك في الوسعاية من الزحمة‮).‬
‮(‬صحيح‮ ‬يابني‮)‬
‮(‬طيب والعمل؟‮)‬
‮(‬العمل علي الله‮)‬
‮(‬ونعم بالله‮)‬
‮(‬ربك مابيخلقش حد وينساه‮)‬
‮(‬آمنت بالله‮)‬
‮(‬السلام عليكم‮)‬
‮(‬وعليكم السلام ورحمة الله‮).‬
‮&&&‬
‮(‬الساعة الرابعة‮)‬
أمام المقهي‮ ‬،استند‮ "‬عارف‮" ‬أفندي علي كتف‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮ ‬
الذي صاح‮ :‬
‮(‬ولد‮ ‬ياصابر‮"‬
قال‮ "‬صابر‮" ‬الذي كانت رأسه بارزة من نافذة حجرتهم الأرضية‮ :‬
‮(‬هو انت بتنادي عليّه ؟‮)‬
‮(‬ادخل‮ ‬ياكلب قول لعمك مرسي إذا اتأخر أكتر من كده دقيقة واحدة حانسيبه ونمشي‮)‬
قال‮ "‬عباس‮" ‬القهوجي‮ :‬
‮(‬الله‮ ‬،‮ ‬علي فين‮ ‬ياجماعة؟‮)‬
رد‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮:(‬خمسة كده لغاية البحر‮).‬
قال‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮:‬
‮(‬الأستاذ عارف عاوز‮ ‬يتفرج علي المطعم‮)‬
علت الحمرة وجه‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮ :‬
‮(‬يا أخي مش عاوز أتفرج ولا حاجة‮ ‬،أهو نمشي شوية كده ومفيش مانع برضه نلقي نظره‮ ‬،أنا من ساعة ماعملت العملية ماخرجتش من البيت‮ ).‬
تقدّم‮ "‬مرسي‮" ‬بقامته المديدة الممتلئة وجلبابه الباهت‮ ‬،قال وهو‮ ‬يعدل من وضع نظارته الطبية فوق أنفه‮:‬
‮(‬اتفضلوا‮)‬
قال‮ "‬عباس‮" :‬
‮(‬يعني محدش شافك الليلة اللي فاتت‮ ‬ياسي مرسي‮)‬
قال مرسي بصوته الخافت الممتلئ‮ :‬
‮(‬كنت مرهقا‮)‬
وأشار إلي الرجلين‮ :‬
‮(‬اتفضلوا‮ ‬ياحضرات‮)‬
همس سلامة وهو‮ ‬يقترب منهم‮ :(‬آجي معاكم‮ ‬ياسي عارف؟‮)‬
صرخ منصور أفندي وهو‮ ‬يلتفت نحوه‮ :‬
‮(‬ماتيجي‮ ‬يا أخي ولا تروح‮ ‬،هو احنا هنشيلك فوق راسنا؟‮)‬
رفع سلامة حاجبيه إلي أعلي‮ :‬
‮(‬طيب ماكنت تتشطر علي الشيخ شعبان اللي خطف طربوشك‮)‬
التفت‮ "‬منصور‮" ‬أفندي ناحيته‮ ‬،ظلّ‮ ‬يحدق فيه لفترة من الوقت ثم قال‮ :‬
‮(‬آه‮ ‬ياعرة‮ ..‬بشرفي لولا إن عارف أفندي مسنود عليّ‮ ‬لكنت عرفت أربيك صحيح‮ )‬
وتحرك الرجال بين البيوت القصيرة المتقاربة‮ ‬،في المقدمة‮ "‬مرسي‮" ‬بجبهته العالية وشعره الرمادي ونظارته الطبية‮ ‬،‮ ‬ومن ورائه‮ "‬عارف‮" ‬أفندي ببيجامته المقلمة‮ ‬يتكئ علي كتف‮ "‬منصور‮" ‬أفندي برأسه العاري‮ ‬يتبعهم سلامة بقامته القصيرة وعينيه المقلمتين‮.‬
‮>>>‬
‮(‬الساعة السادسة‮)‬
قال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬في صوت خافت‮ :‬
‮(‬سيد‮ ‬،‮ ‬تعرف تولع اللمبة؟‮)‬
هزّ‮ "‬سيد‮" ‬رأسه موافقا‮ ‬،استطرد العم‮ "‬مجاهد‮" :‬
‮(‬خد علبة الكبريت من جيب الصديري وولعها‮ ‬،وبعد ماتولعها حط علبة الكبريت علي الصفيحة جنب اللمبة‮)‬
قام‮ "‬سيد‮" ‬وأشعل اللمبة‮ ‬،وعاد إلي مكانه تحت قدمي العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وجلس‮ ‬،ومضت فترة من الصمت‮ ‬،قال العم‮ "‬مجاهد‮" :‬
‮(‬عاوز تاكل إيه‮ ‬ياسيد؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" :‬
‮(‬وهو انت هتنام؟‮)‬
رد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يتطلع إلي سقف العشة‮ :(‬لا أبدا‮).‬
‮(‬ماانت نايم أهه‮)‬
‮(‬أنا بس نايم صاحي‮ ‬،أصلي تعبان شوية‮)‬
‮(‬هو انت تعبان؟‮)‬
‮(‬شوية‮ ‬،قول بقي عاوز تاكل إيه؟‮)‬
‮(‬آكل حلاوة‮ )‬
مد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يده‮ :‬
‮(‬بريزة أهه‮ ‬،هات لك حتة حلاوة‮ ‬،وهات معاك باكو دخان‮ )‬
قام‮ "‬سيد‮" ‬واقفا‮ ‬،قال وهو‮ ‬يتناول البريزة‮ : (‬أجيب جبنه؟‮)‬
‮(‬أهو اللي‮ ‬يعجبك هاته‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يجذب باب العشة‮ :‬
‮(‬حاجيب حلاوة أحسن‮)‬
وخرج إلي‮ "‬الوسعاية‮" ‬،وأغلق الباب وراءه‮ ‬،كانت خالية تماما‮ ‬،وانبعثت الأنوار الخافتة من بعض النوافذ المفتوحة‮ ‬،ووقف‮ "‬عباس‮" ‬ينظم من وضع الأشياء استعدادا لفترة السهرة وهو‮ ‬يتجول داخل المقهي والجوزة في‮ ‬يده‮ ‬يمتص دخانها بين لحظة وأخري‮ ‬،التقت عيناه بعيني‮ "‬سيد‮" ‬،توقف‮ "‬سيد‮" ‬في مكانه بينما هبط‮ "‬عباس‮" ‬إلي مدخل المقهي وهو‮ ‬يقول‮ :‬
‮(‬خد‮ ‬ياشاطر‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬متحفزا‮ : (‬إيه؟‮)‬
تأمله عباس‮" ‬قليلا‮ ‬،ابتسم‮ : (‬إزيك‮)‬
ظل‮ "‬سيد‮" ‬واقفا ولكنه لم‮ ‬يهتم بالرد‮ ‬،قال‮ "‬عباس‮" ‬وهو لا زال محتفظا بابتسامته‮ :‬
‮ (‬انت رايح فين؟‮)‬
‮(‬رايح اشتري حاجة‮)‬
‮(‬منين؟‮)‬
‮(‬رايح اشتري حاجة من الدكان‮ )‬
‮(‬حاتشتري إيه ؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يرفع حاجبيه‮ :(‬وانت مالك؟‮)‬
‮(‬اخص‮ ‬،انت خايف تقول؟‮)‬
‮(‬لا مش خايف‮)‬
‮(‬لا سيبك انت‮ ‬،لو مكنتش خايف كنت قلت‮)‬
‮(‬رايح اشتري جبنه‮ ‬،عاوز إيه بقي؟‮)‬
قال‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يجلس علي الدكة‮ :(‬رايح تشتري جبنه؟‮)‬
‮(‬لا‮ ‬،رايح أشتري حلاوة ودخان وعيش‮)‬
‮(‬طيب مش تقول كده‮ ‬يا أخي‮)‬
‮(‬لا مش حاقول‮)‬
‮(‬هو عمك مجاهد نايم؟‮)‬
‮(‬آه‮)‬
‮(‬إمال حا تشتري دخان لمين؟‮)‬
‮(‬لعم مجاهد‮)‬
‮(‬مش بتقول نايم؟‮)‬
‮(‬ماهو نايم صاحي‮ ‬،عاوز إيه بقي؟‮)‬
وتحرك‮ "‬سيد‮" ‬ناحية طرف الحارة المؤدي إلي شارع البحر‮ ‬،قال‮ "‬عباس‮" :‬الله‮ ‬،يابني البقالين الناحية دي‮)‬
وأشار إلي طرف الحارة الآخر‮ ‬،ولكن‮ "‬سيد‮" ‬قفز مبتعدا وهو‮ ‬يقول‮ :‬
‮(‬وانت مالك ؟يمكن أنا عاوز أروح من هنا‮ ‬يابايخ‮).‬
‮>>>‬
‮(‬الساعة السابعة‮)‬
بهدوء شديد تقدم الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬قادما من شارع البحر وهو‮ ‬يحمل طبقا ممتلئا بالفول،تقدم وقد ارتسمت علي وجهه ضحكة كبيرة صامتة،‮ ‬وبدا من الواضح أن لون طربوشه قد تغير تغيرا ظاهرا‮ ‬،ومال علي مقدمة رأسه بعض الشئ ولكنه كان ثابتا‮ ‬،وكانت البنات الصغيرات متربعات تحت شباك أم‮ "‬صابر‮" ‬وقد توسطتهن واحدة ترقص علي دقات الكفوف‮ ‬،تلفت الشيخ حوله وهو مازال مستغرقا في ضحكته الصامتة‮ ‬،توقف أمام بيت الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬واهتز اهتزازة عنيفة خاطفة‮ ‬،وابتلعه البيت‮ ‬،بعد قليل عاد‮ ‬،توجه علي الفور وتفحص قطعة الأرض التي كان العم‮ "‬مجاهد‮" ‬قد اعتاد أن‮ ‬يحتلها‮ ‬،تفحصها بعناية شديدة‮ ‬،وظهر عليه ماقد‮ ‬يظهر علي الانسان عندما‮ ‬يكتشف شيئا فقفز قفزتين أو ثلاثا،‮ ‬وانحني وألصق جانب وجهه بالألواح الخشبية المنخورة‮ ‬،فانحرف طربوشه أكثر‮ ‬،ولكنه لم‮ ‬يعر ذلك أدني اهتمام‮ ‬،بل راح‮ ‬يتراجع بظهره وهو مازال منحنيا‮ ‬،وهكذا عاد الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬إلي الاختفاء داخل بيت الحاج‮ "‬حنفي‮".‬
وعندما ظهر في الوسعاية مرة أخري‮ ‬،كان‮ ‬يحمل بين‮ ‬يديه صفيحة كبيرة ممتلئة بالفول‮ ‬،وضعها علي الحجر الكبير الأبيض وجلس وراءها‮ ‬،وأخرج من جيب جلبابه جريدة متسخة مزقها إلي قطع صغيرة متساوية‮ ‬،وما إن رتبها في حجره حتي راح‮ ‬يصفق ويهمهم ويضحك بصوت عال‮ ‬،هذه المرة ترك الأولاد ما بأيديهم وقامت البنات الصغيرات من تحت شباك أم‮ "‬صابر‮" ‬وكففن عن الغناء والتموا حول الحجر الكبير الأبيض‮ ‬،تبادل الجميع بضع كلمات سريعة مقتضبة‮ ‬،انفضوا علي أثرها‮ ‬،وانتشروا داخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وراحوا‮ ‬ينقبون الأرض بأصابعهم الدقيقة في اهتمام حقيقي وجدية بالغة‮ ‬،جذب‮ "‬عباس‮" ‬نفسا أخيرا من الجوزة‮ ‬،وغادر الدكة واقترب من الحجر الكبير الأبيض وهو‮ ‬يتعمد النظر إلي الجهة الأخري‮ ‬،‮ ‬فجأة مال وتطلع من فوق الرؤوس الصغيرة التي كانت قد انتهت من عملية التنقيب ووقفت في صمت أمام الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬،ومال‮ "‬عباس‮" ‬أكثر‮ ‬،‮ ‬ورأي أن الأولاد كانوا‮ ‬يمدون أيديهم بكميات من نوي البلح‮ ‬،وأن الشيخ‮ ‬يأخذها منهم ويضعها في كيسه المعلق في رقبته‮ ‬،ويمد‮ ‬يده داخل الصفيحة الكبيرة ويتناول بضع‮ ‬حبات من الفول‮ ‬،‮ ‬ويلفها في قطع الورق الصغيرة ويناولها للأولاد،‮ ‬
وما إن عاد‮ "‬عباس‮" ‬إلي مكانه وراح‮ ‬يتطلع إلي باب العشة‮ ‬،ذلك الذي أغلق‮ ‬،حتي كان نوي البلح قد اكتسب أهمية خاصة فدارت من حوله المعارك‮ ‬،ومزقت من أجله الثياب‮ ‬،وخدشت وجوه وسالت دماء‮ ‬،‮ ‬تماما في نفس الوقت الذي راحت ظلال الغروب تخيّم فيه علي سماء المكان‮.‬
‮>>>‬
‮(‬الساعة الثامنة‮)‬
كان الليل‮ ‬يبدو وكأنه قد استثني ذلك الجزء من العالم‮ ‬،وجلس الولد‮ "‬سيد‮" ‬الأقرع علي سور المدرسة وهو‮ ‬يمسك في‮ ‬يده لفافة صغيرة ورغيفا وباكو دخان‮ ‬،وراح‮ ‬يتطلع إلي المطعم الجديد‮ ‬،كان الحشد عظيما‮ ‬،فالأولاد والبنات‮ ‬يتدافعون ويتصايحون وقد راحت جموعهم المتداخلة تتفجر وتتماوج في تماسك واضح تحت أسلاك التروللي باس التي كانت تلتمع‮ ‬،بينما كان الرجال والنساء‮ ‬يفترشون الحصر علي الطوار تحت الأشجار‮ ‬،يشربون الشاي ويأكلون الخس ويتبادلون الكلام‮ ‬،وضع‮ "‬سيد‮" ‬باكو الدخان في جيب جلبابه وفك اللفافة الصغيرة وتأمل قطعة الحلاوة الطحينية‮ ‬،ومزق الرغيف وبدأ‮ ‬يأكل وهو مازال جالسا علي سور المدرسة‮ ‬،ولم‮ ‬يمر وقت طويل حتي انطفأ التماع الأسفلت‮ ‬،وتوقف هو عن الأكل وتلفت في حذر‮ ‬،كان الجالسون علي الطوار قد كفوا عن أكل الخس وشرب الشاي وتبادل الكلام‮ ‬،وخرس الضجيج عند مدخل المطعم وارتفعت الوجوه كلها إلي أعلي‮ ‬،وراحت العيون تفتش في صفحة السماء‮ ‬،وتشبثت أصابع الولد بأحجار السور‮ ‬،‮ ‬وقفز إلي الأرض وراح‮ ‬يجري إلي أن انضم إلي الجموع الصامتة عند المطعم‮ ‬،ورفع وجهه هو الآخر‮ ‬،وبدأ‮ ‬يري بعينيه الواسعتين‮ ‬،وطال الصمت والظلام‮ ‬،وهلّ‮ ‬القمر خلال سحابة متكسرة‮ ‬،‮ ‬وقال رجل وهو‮ ‬يغلق من فتحة جلباب‮ :(‬الله‮ ‬،ده القمر مخنوق‮ ‬ياعيال‮).‬
‮>>>‬
‮(‬خاتمة‮)‬
في الليل‮ ‬،كان الأولاد والبنات قد اعتلوا الأسطح وراحوا‮ ‬يجوبون الحواري والأزقة في جماعات متتالية وهم‮ ‬يدقون بالعصي والحصي علي قطع الصفيح والأواني التي كانوا‮ ‬يضمونها إلي صدورهم‮ ‬،وكانت متصلة ترافقها أصواتهم النحيلة الضارعة‮ :‬
‮(‬ياللا‮ ‬يابنات الحور‮ ‬،سيبوا القمر‮ ‬ينور‮ ‬
ياللا‮ ‬يابنات الجنة‮ ‬،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬يتهّني
يالطيف الطف بنا‮ ‬،ده احنا عبيدك كلنا‮).‬
كانت‮ "‬امبابة‮" ‬كلها تنشد‮ ‬،وعيون أبنائها تتطلع إلي ذلك القرص الفضي الناقص الذي كان معلقا في سماء الوسعاية‮ ‬،وقال الحاج‮ "‬حنفي‮" :‬
‮(‬السلام عليكم‮ )‬
وردّ‮ ‬الرجال الجالسون في مقهي‮ "‬عباس‮" ‬السلام‮ ‬،وقال العم‮ "‬مجاهد‮" :‬
‮(‬اتأخرت ليه‮ ‬يابني ؟‮)‬
وقال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يغلق باب العشة ويضع باكو الدخان وبقية النقود علي الصفيحة المقلوبة‮ :‬
‮(‬أصل أنا كنت باتفرج علي القمر المخنوق‮).‬
وقال‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يناول الجوزة إلي مرسي‮ :‬
‮(‬انت خايف‮ ‬ياسلامة؟‮)‬
وردّ‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬ينقل عينيه القلقتين بين‮ "‬منصور‮" ‬أفندي والأسطي‮ "‬عيد‮" :‬
‮(‬هو انت شفت القمر وهو مخنوق ؟‮)‬
وردّ‮ ‬العم‮ "‬مجاهد‮" :‬
‮(‬شفته مرة واحدة‮ ‬،زمان أيام ماكنت قدك‮).‬
‮(‬هو انت كنت قدّي؟‮)‬
‮(‬آه‮).‬
وقال عباس‮ :‬
‮(‬يا أخي حكاية عم مجاهد دي حكاية صعب قوي‮ )‬
وقال‮ "‬سيد‮" ‬؛
‮(‬هو انت مولود هنا؟‮)‬
وردّ‮ ‬العم مجاهد‮ :‬
‮(‬لا‮ ‬،أنا مولود في البحر‮ )‬،وتنفس في عمق‮ :(‬زمان‮ ‬،زمان قوي‮ ‬،أبويا كان بيشتغل صياد‮ ‬،وكان عنده مركب صغيرة‮ ‬،‮ ‬وبعدين اتجوز أمي وعاشوا هم الاتنين في المركب‮ ‬،والمركب كانت بتمشي بيهم من بلد لبلد‮ ‬،وكانوا بيبيعوا السمك للناس‮ ‬،وبعدين أمي ولدتني‮ ‬،وبقيت أساعد أبويا وأقدّف بالمقداف‮ ‬،زمان‮ ‬،زمان قوي‮ ).‬
وشد‮ "‬مرسي‮ "‬نفّسا طويلا من الجوزة‮ ‬،وقال وهو‮ ‬يناولها للأسطي عيد‮:‬
‮(‬صعبة إيه‮ ‬يابني‮ )‬،‮ ‬وعدل من وضع نظارته فوق أنفه‮ (‬إمال بقي لو قريت الحكايات التانية‮ )‬
وقال‮ "‬سيد‮ : (‬هو انت كان ليك أم؟‮) ‬،وقال العم مجاهد‮ :(‬أيوه‮ ‬ياسيد‮ ‬،كان ليه أم‮).‬
‮(‬هيه أمك كان شكلها إيه؟‮)‬
‮(‬مش فاكر‮)‬
‮(‬أنا‮ ‬ياعم فاكر شكل أمي‮ )‬
واسترخي تحت قدمي الرجل العجوز‮ : (‬هي سابتك ومشيت؟‮)‬
‮(‬أبدا‮ ‬،دا أنا اللي سبتها هي وأبويا ومشيت‮ ‬،أنا اللي سبتها‮ ‬ياسيد‮ )‬
وقال الأسطي عيد‮ : (‬والله وحشتنا الحكايات بتاعتك‮ ‬يامرسي‮ )‬
وقام عباس وهو‮ ‬يسعل ليغيّر الجوزة‮ ‬،وارتفع صوت الأولاد مقتربا‮ :(‬ياللا‮ ‬يابنات الحور سيبوا القمر‮ ‬ينور‮).‬
وقال مرسي‮ : (‬مرة زمان‮ ‬،‮ ‬صحينا من النوم‮ ‬،لقينا الوسعاية دي مليانة ميّه‮ ‬،ومكناش بنقدر نخرج من البيوت بسببها‮ ‬،وكان فيها باعوض كبير‮ )‬
وقال عباس‮ :(‬ياعيني‮)‬
وقال سلامة‮ : (‬امتي‮ ‬يا سي مرسي؟‮) ‬
وقال مرسي وهو‮ ‬يميل إلي الوراء‮:‬
‮(‬وكان الباعوض بيحب‮ ‬يتمشي كل‮ ‬يوم علي سطح الميه‮ )‬
وضحك الأسطي عيد‮ ‬،وقال سلامة‮ : (‬الباعوض؟‮)‬
‮(‬آه‮ ‬،وبيلبس بدل وقمصان وكرفتات‮ )‬
قال سلامة وهو‮ ‬يلتفت ناحية منصور أفندي‮ : (‬الحق‮ ‬ياعباس‮ ‬،‮ ‬الحق‮)‬
قال مرسي‮: (‬انت كنت لسه صغير ما تولدتش‮ ‬،حتي اسأل منصور أفندي كده‮ )‬
زوي منصور أفندي وحدّق في سلامة بقوة‮ ‬،وهو‮ ‬يضغط علي أسنانه‮ ‬،‮ ‬وقال سيد‮ : (‬هو انت عبيط؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮ :‬
‮(‬ليه‮ ‬ياسيد؟‮)‬
‮(‬مادام سبت أمك ومشيت تبقي عبيط‮)‬
‮(‬أصل احنا كنا عايشين في البحر‮ ‬،وكل‮ ‬يوم كان نفسي ألعب علي الأرض شوية صغيرة‮ ‬،لكن أبويا كان بيضربني بالمقداف‮ ‬،‮ ‬ويقوللي لازم تعيش في البحر‮ ‬،وبعدين مرة جينا امبابة رحت هربان‮ ‬،‮ ‬وقعدت ألعب علي الأرض لغاية مامشيوا بالمركب‮ ‬،وكانت امبابة دي كلها‮ ‬غيطان‮ ‬،وكان فيها شوية بيوت قليلة‮ ‬،وماكنش فيها وسعاية‮ )‬
وقال الأسطي عيد‮ : (‬وبعدين‮ ‬يامرسي عملتوا إيه في الميه والباعوض؟‮)‬
وقال سلامة‮ : (‬هو انت كمان كنت لسه ماتولدتش‮ ‬يا أسطي عيد؟‮)‬
وقال مرسي‮ : (‬لا‮ ‬،انت بس اللي لسه ماتولدتش‮ ‬،لكن الأسطي عيد كان اتولد بس كان مسافر‮ )‬
وقال الأسطي‮ : (‬آه ما هو أنا لا مؤاخذة‮ ‬يعني كنت مسافر‮ )‬
وقال سلامة‮ : (‬وبعدين؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮ : (‬فضلت ماشي لغاية مالقيت راجل‮ ‬يبيع فول‮ ‬،في الحته اللي احنا فيها دي‮ ‬،‮ ‬وماكنش فيه حواليه بيوت،وأنا قعدت معاه‮)‬
وقال مرسي‮ :(‬لما لقينا الباعوض زودها‮ ‬،‮ ‬وبقي‮ ‬يخطف البنات والميه مهياش عاوزة تنشف‮ ‬،عملنا مؤتمر فوق الأسطح بتاعة البيوت‮ ‬،‮ ‬وجبنا عربيتين تراب‮)‬،‮ ‬والتفت إلي منصور أفندي‮ : (‬أظن كانوزتلات عربيات‮ ‬يامنصور أفندي ؟‮)‬
قال منصور أفندي وهو‮ ‬يحدق في سلامة‮ : (‬تمام كده‮ ‬،كانوا تلات عربيات‮).‬
‮(‬وقررنا ان احنا نردم الوسعاية‮ ‬،وفعلا عملنا هجوم عنيف‮ ‬،ورحنا رادمين الوسعاية‮ ‬،واتلمينا كلنا وفضلنا ندك فيها برجلينا لغاية ما كتمنا الميه خالص‮ )‬
وقال العم مجاهد‮ : (‬وبعدين هو مات‮ ‬،وأنا قعدت مكانه وبقيت كبير‮ ‬،وفضلت البيوت تقرب مني‮ ‬،وتقرب‮ ‬،وتكتر‮ ‬،لغاية مابقت حواليه من كل ناحية‮ ‬،وبقيت أنا اللي عملت الوسعاية‮ )‬
وقال سلامة‮ : (‬والباعوض‮ ‬يامرسي؟‮)‬
قال مرسي‮ : (‬الباعوض؟‮)‬
‮(‬آه الباعوض‮)‬
‮(‬هرب‮)‬
‮(‬هرب فين؟‮)‬
‮(‬أبدا‮ ‬،لبس جلاليب وعمم وبدل افرنجي وفساتين وبدل جيش واتلخبط في الناس‮ ‬،وهرب‮ )‬
وقال منصور أفندي‮ : (‬بقي حتي هرب كمان‮ ‬،ومانتش عارفها‮ ‬يعني إيه؟‮)‬
وقال عباس‮ : (‬اوعي تكون خفت‮ ‬ياسلامة؟‮)‬
وقال سلامة‮ : (‬وأنا مالي‮ ‬ياعم‮ ‬،هو أنا اللي باقول؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮ : ( ‬شفت بقي‮ ‬ياعم سيد أنا هربت ليه ؟‮)‬
ولم‮ ‬يرد سيد‮ ‬،وقال العم مجاهد‮ : (‬سيد‮ ‬،سيد‮ )‬
كان الصبي نائما‮ ‬،وحاول العم مجاهد أن‮ ‬يرفع جذعه ليلقي عليه نظرة ولكنه لم‮ ‬يتمكن‮ ‬،وشعر بنفسه وهو‮ ‬يهبط برفق‮ ‬،‮ ‬كان أبوه جالسا بكامله علي الأرض عندما قال مجاهد‮ : ‬
‮(‬مساء الخير‮ ‬يابا‮ )‬
وردّ‮ ‬أبوه‮ : (‬كنت فين‮ ‬ياواد؟
ومد ذراعه وأمسك بمجداف مركون خلفه لكي‮ ‬يضربه‮ ‬،ولكن المجداف انهار كما التراب الناعم وارتفعت أصوات الأولاد في البعيد‮ : ‬
‮(‬يابنات الحور‮ ‬،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬ينور‮)‬
وانتفض العم مجاهد فجأة وشعر ببرودة شديدة وبالعرق‮ ‬يسيل علي وجنتيه الغائرتين وصدره‮ ‬،واقتربت الأصوات أكثر‮ :‬
‮(‬يللا‮ ‬يابنات الجنة‮ ‬،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬يتهنّي‮)‬
ورفع جذعه قليلا‮ ‬،وبذل جهدا كي‮ ‬يمد ذراعه ويأتي بصندوق دخانه من فوق الصفيحة المقلوبة‮ ‬،كان‮ ‬يشعر برغبة شديدة في التدخين‮ ‬،وأصبح الأولاد في مدخل الوسعاية‮ :‬
‮(‬يالطيف الطف بنا‮ ‬،‮ ‬داحنا عبيدك كلنا‮)‬
وأوشكت أصابع العم مجاهد أن تلمس صندوق دخانه‮ ‬،ولكن ذراعه انهار فجأة وسقط بجواره ساكنا‮.‬




* مجلة‮ "‬المجلة‮" ‬العدد‮ ‬155‮ ‬نوفمبر‮ ‬1969‮ .‬

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...