تمثل هذه المجموعة سردًا حيًّا نابضًا لحيوات شخوص يعيشون على حواف المدن، على تخوم الحلم والانكسار. ما يميزها ليس فقط أسلوبها الواقعي بل طابعها الشاعري المكثف، إذ تنسج القصص بلغة تفيض عذوبة وألمًا معًا، فتؤرخ للمدينة من خلال الوجوه البسيطة: بائع العطور، بائع الحمص، الخياطة، عامل التوصيل، والمُهجرين من الحياة. القصص لا تعتمد على الحبكة التقليدية بقدر ما تعتمد على تفكيك الزمن الداخلي للشخصيات، إذ تمتزج الذكرى بالحاضر، ويتحول الواقع اليومي إلى نشيدٍ للحياة القاسية ما الذي يمكن أن يُقال عن هذه الحكايات سوى أنها وجوه مرت، ومضت، أو ظلت معلّقة على أعتاب النسيان؟
هي ليست قصصًا بالمعنى المتعارف عليه، بل أنين خافت تسلّل من بين أصابع التعب، ومضى يفتش عن قارئ يشبهه، عاش شيئًا مما عاشته هذه الأرواح، أو تنفس من هوائها المختنق.
في هذا الكتاب، لا توجد بطولات خارقة، ولا نهايات مدهشة، هناك فقط رجال ونساء، يمشون على أرصفة المدينة، يبيعون عطرًا باهتًا ويشترون ذكرى، يطهون الحمص بقلوبهم، يخيطون دشاديش العيد بغرز من حبّ موجوع، ينتظرون صوت الباب كمن ينتظر القيامة. شخصيات هذا الكتاب لا تصرخ، بل تهمس. لا تصنع المجد، لكنها تحاول النجاة بشرف، تعيش على فتات الحلم، وتداري خيباتها بابتسامة مهزومة لا يراها أحد. هذه التجميعة ليست وثيقة أدبية بقدر ما هي مرثية طويلة لهؤلاء الذين لم يجدوا وقتًا للبوح، فباحت عنهم الكلمات.
ولأن الوجع العراقي لا يُروى بالمباشرة، جاءت هذه القصص تمشي على رؤوس أصابعها، تتجنب الخطابة، وتركض خلف التفاصيل الصغيرة: فنجان شاي لم يُكمل، باب لم يُفتح، نظرة لم تُردّ، عطلة لم تكتمل، وفتاة مرّت ولم تلتفت. كتبت لتبقى، لا كأدب يطلب المجد، بل كأثر خافت على جدار القلب. لكل من جلس على الرصيف منتظرًا شيئًا لن يأتي… هذه حكاية. كلّ كتابٍ يولد من رحم حاجة ما؛ حاجةٍ للكشف، للبوح، للمقاومة، أو حتى للخذلان. وهذه المجموعة لم تولد من مشروع أدبي، ولا من رغبة بالظهور، بل خرجت من طين القلب، كما تخرج الدموع من العين حين تفيض الحكايات في الروح ولا تجد من يسمعها. الحكايات، لم تُكتب لتُقال، بل كُتبت لأنها تأبى أن تموت.
قصص الكتاب تمشي بهدوء، لا تزاحم غيرها، ولا تدّعي أنها تعبّر عن جيل أو بلد أو قضية، لكنها تعرف جيدًا أنها تحمل في ثناياها قلوبًا كانت تنبض، وأياديَ اشتغلت، وعيونًا سهرت، وأرواحًا اختبرت ما هو أعمق من الفقر: الوحدة، الصمت، الانتظار، والخذلان.
في "أبو خضير"، لن تجد بائعًا بسيطًا للعطور وحسب، بل سترى وجهًا آخر للمدينة: رائحة الماضي حين تُفقد، والعمر حين يُستبدل بزجاجات تتبخّر، والحنين الذي لا يُشترى.
في "جليل"، لا يبيع الحمص فحسب، بل يبيع صبرًا ناضجًا، ويشتري بالحب ما لا يمكن للمال أن يشتريه.
في "أم مهدي"، المرأة التي تخيط بقلبها، لا بماكينتها المتعبة، نقرأ سيرة النساء اللواتي قررن أن لا يستسلمن، وأن يخطن كسوة العيد بخيوط الألم والحبّ والأمومة المتجذّرة كجذور نخلة لم تجد ظلًا.
وفي "عبد الله"، عامل التوصيل، نسمع وقع خطواته على الدرج، لا لأنها تحمل وجبة عشاء، بل لأنها توقظ في قلب امرأةٍ نسيت العالم صوت الباب. كل قصة شباك صغير، يُطل من خلفه إنسان خائف، مشتاق، شريف رغم كل الخدوش.
إنهم أبطال مهزومون بكرامة، لا ينتصرون، لكنهم لا يسقطون أيضًا.
الانكسار عندهم شكل من أشكال النهوض، والحبّ شكل من أشكال القراءة، والذكريات شكلٌ آخر للمقاومة. إنها ليست قصصًا تُحكى، بل حيوات نُسجت من خيوط الصمت، واللوعة، والحلم، والإيمان العميق بأن الكرامة لا تُشترى. لا تبحث عن مفاجآت درامية، ولا عن حبكات محكمة تُدرّس في ورش الكتابة.
تجد بدلًا عن ذلك رجلًا يجلس كل صباح ينتظر صديقًا لن يعود، أو امرأة تخيط قطعة قماش لأنها تؤمن أن طفلها يستحق أن يشعر بالعيد، أو شابًا بسيطًا قرأ "نيتشه" لا ليتفلسف، بل ليقترب من فتاةٍ تمشي أمامه ذات صباح، فهزّت قلبه دون أن تنظر إليه.
المجموعة هذه لا تصلح لذائقة الأدب الصاخب، ولا لأولئك الذين يبحثون عن معارك لغوية، أو معجزات لغوية، أو أبطالٍ يملؤون الصفحات بانتصاراتهم الخيالية. إنها ببساطة كتابٌ عن الذين لم تُكتب لهم الكتب، الذين يملكون أسماءً يعرفها الحيّ، لكن لا يذكرها التاريخ. عن أولئك الذين لا يطرق أحد بابهم، ولا يسأل عنهم أحد، ولكنهم يظلون يضيئون النوافذ في الليل كأنهم بقايا حلم قديم. هذه القصص لا تنتهي، لأن أبطالها ما زالوا هناك…واقفون عند الزاوية نفسها، في السوق ذاته، على العربة إياها، في البيت الذي غادره الجميع، أو في غرفة الخياطة المظلمة حيث الإبرة هي آخر ما تبقى من العمر. وحدها الكتابة جاءت لتصافحهم، لتربّت على أكتافهم، لتقول لهم: "لم تكونوا وحدكم، كنا نراكم… نسمعكم… ونكتبكم". وها أنذا أكتبكم الآن، لا لأخلّدكم، بل لأقول إننا نحبكم، وأننا ما زلنا رغم كل شيء، نحملكم في الذاكرة كما يحمل العطر أول أنفاس صباحٍ باردٍ في بغداد.!!.
شوقي كريم حسن
* من (حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشة)
المؤلف : جمال الهنداوي
هي ليست قصصًا بالمعنى المتعارف عليه، بل أنين خافت تسلّل من بين أصابع التعب، ومضى يفتش عن قارئ يشبهه، عاش شيئًا مما عاشته هذه الأرواح، أو تنفس من هوائها المختنق.
في هذا الكتاب، لا توجد بطولات خارقة، ولا نهايات مدهشة، هناك فقط رجال ونساء، يمشون على أرصفة المدينة، يبيعون عطرًا باهتًا ويشترون ذكرى، يطهون الحمص بقلوبهم، يخيطون دشاديش العيد بغرز من حبّ موجوع، ينتظرون صوت الباب كمن ينتظر القيامة. شخصيات هذا الكتاب لا تصرخ، بل تهمس. لا تصنع المجد، لكنها تحاول النجاة بشرف، تعيش على فتات الحلم، وتداري خيباتها بابتسامة مهزومة لا يراها أحد. هذه التجميعة ليست وثيقة أدبية بقدر ما هي مرثية طويلة لهؤلاء الذين لم يجدوا وقتًا للبوح، فباحت عنهم الكلمات.
ولأن الوجع العراقي لا يُروى بالمباشرة، جاءت هذه القصص تمشي على رؤوس أصابعها، تتجنب الخطابة، وتركض خلف التفاصيل الصغيرة: فنجان شاي لم يُكمل، باب لم يُفتح، نظرة لم تُردّ، عطلة لم تكتمل، وفتاة مرّت ولم تلتفت. كتبت لتبقى، لا كأدب يطلب المجد، بل كأثر خافت على جدار القلب. لكل من جلس على الرصيف منتظرًا شيئًا لن يأتي… هذه حكاية. كلّ كتابٍ يولد من رحم حاجة ما؛ حاجةٍ للكشف، للبوح، للمقاومة، أو حتى للخذلان. وهذه المجموعة لم تولد من مشروع أدبي، ولا من رغبة بالظهور، بل خرجت من طين القلب، كما تخرج الدموع من العين حين تفيض الحكايات في الروح ولا تجد من يسمعها. الحكايات، لم تُكتب لتُقال، بل كُتبت لأنها تأبى أن تموت.
قصص الكتاب تمشي بهدوء، لا تزاحم غيرها، ولا تدّعي أنها تعبّر عن جيل أو بلد أو قضية، لكنها تعرف جيدًا أنها تحمل في ثناياها قلوبًا كانت تنبض، وأياديَ اشتغلت، وعيونًا سهرت، وأرواحًا اختبرت ما هو أعمق من الفقر: الوحدة، الصمت، الانتظار، والخذلان.
في "أبو خضير"، لن تجد بائعًا بسيطًا للعطور وحسب، بل سترى وجهًا آخر للمدينة: رائحة الماضي حين تُفقد، والعمر حين يُستبدل بزجاجات تتبخّر، والحنين الذي لا يُشترى.
في "جليل"، لا يبيع الحمص فحسب، بل يبيع صبرًا ناضجًا، ويشتري بالحب ما لا يمكن للمال أن يشتريه.
في "أم مهدي"، المرأة التي تخيط بقلبها، لا بماكينتها المتعبة، نقرأ سيرة النساء اللواتي قررن أن لا يستسلمن، وأن يخطن كسوة العيد بخيوط الألم والحبّ والأمومة المتجذّرة كجذور نخلة لم تجد ظلًا.
وفي "عبد الله"، عامل التوصيل، نسمع وقع خطواته على الدرج، لا لأنها تحمل وجبة عشاء، بل لأنها توقظ في قلب امرأةٍ نسيت العالم صوت الباب. كل قصة شباك صغير، يُطل من خلفه إنسان خائف، مشتاق، شريف رغم كل الخدوش.
إنهم أبطال مهزومون بكرامة، لا ينتصرون، لكنهم لا يسقطون أيضًا.
الانكسار عندهم شكل من أشكال النهوض، والحبّ شكل من أشكال القراءة، والذكريات شكلٌ آخر للمقاومة. إنها ليست قصصًا تُحكى، بل حيوات نُسجت من خيوط الصمت، واللوعة، والحلم، والإيمان العميق بأن الكرامة لا تُشترى. لا تبحث عن مفاجآت درامية، ولا عن حبكات محكمة تُدرّس في ورش الكتابة.
تجد بدلًا عن ذلك رجلًا يجلس كل صباح ينتظر صديقًا لن يعود، أو امرأة تخيط قطعة قماش لأنها تؤمن أن طفلها يستحق أن يشعر بالعيد، أو شابًا بسيطًا قرأ "نيتشه" لا ليتفلسف، بل ليقترب من فتاةٍ تمشي أمامه ذات صباح، فهزّت قلبه دون أن تنظر إليه.
المجموعة هذه لا تصلح لذائقة الأدب الصاخب، ولا لأولئك الذين يبحثون عن معارك لغوية، أو معجزات لغوية، أو أبطالٍ يملؤون الصفحات بانتصاراتهم الخيالية. إنها ببساطة كتابٌ عن الذين لم تُكتب لهم الكتب، الذين يملكون أسماءً يعرفها الحيّ، لكن لا يذكرها التاريخ. عن أولئك الذين لا يطرق أحد بابهم، ولا يسأل عنهم أحد، ولكنهم يظلون يضيئون النوافذ في الليل كأنهم بقايا حلم قديم. هذه القصص لا تنتهي، لأن أبطالها ما زالوا هناك…واقفون عند الزاوية نفسها، في السوق ذاته، على العربة إياها، في البيت الذي غادره الجميع، أو في غرفة الخياطة المظلمة حيث الإبرة هي آخر ما تبقى من العمر. وحدها الكتابة جاءت لتصافحهم، لتربّت على أكتافهم، لتقول لهم: "لم تكونوا وحدكم، كنا نراكم… نسمعكم… ونكتبكم". وها أنذا أكتبكم الآن، لا لأخلّدكم، بل لأقول إننا نحبكم، وأننا ما زلنا رغم كل شيء، نحملكم في الذاكرة كما يحمل العطر أول أنفاس صباحٍ باردٍ في بغداد.!!.
شوقي كريم حسن
* من (حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشة)
المؤلف : جمال الهنداوي