بهاء المري - نساء في قفص الاتهام: أنوثة مَنسية

فرحَت المرأة الستينية فرحًا شديدًا بالزيارة الأولى لصديقها الشاب الذي يقترب من مغادرة العقد الثالث من عمره، أيما فرح.

عام مَضى على صداقتهما الافتراضية عَبر صفحتيهما على تطبيق التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بثها خلاله من لواعج قلبه وعبارات الحب والغزل ما طربت به أذناها.
لم تشعر خلال هذا العام بفارق السن بينهما، بل بكونها في ريعان شبابها، وأن الحب الذي تعيشه الآن لم تعشه من قبل حتى مع زوجها المتوفي بالرغم مما كان بينهما من قصة حب ملتهبة، وكأن الحب في زمانه كان ذا طابع ما، والآن صار له طابع مختلف تماما عما جرَّبته سابقا.
وزَّعَتْ الشُموع المُعطَّرة في أرجاء الصالون العابق برائحة الوَرد الذي يَصْدحُ في فَضائه مُوسيقى "ريمسْكي كورسَاكوف" (شهر زاد).
اعتنَتْ كثيرًا بزينتها وملابسها استعدادا لمجيئه، حاولَتْ القَفز فوق الدَّقائق في انتظاره. تحدث نفسها: اليوم فقط أشعر بأني لن أعود وحيدة كما كنت بعد أن هَ جرني أولادي إلى الخارج والاستقرار هناك.
سنين عَددا لم يحضر ابنها ولا بنتها إلى مصر لرؤيتها، ولم لا وبرامج الاتصال الحديثة صوتا وصورة تحقق من وجهة نظرهما الغرض ذاته، ففي نهاية كل شهر يطلبانها عبر تطبيق ما لمحادثتها عن طريق الفيديو، وبالطريقة ذاتها ترى أحفادها.
قبوله دعوتها على العَشاء في بيتها جعَل قلبها يَخفق بزيادة، تذكَّرَت خِفة ظله حين كانا يتحدثان عبر الواتس آب أو الماسنجر كتابة أو صوتا وصورة، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة تحدث نفسها: اليوم سيكون معي وجها لوجه، من الآن لن أشعر مرة أخرى بصقيع الوحدة.
ضحِكَتْ في هذا اليوم كعصفورٍ حَبيس فتحوا له باب القفص في غفلةٍ من الزمن، هو الوحيد الذي ملأ عليها حياتها منذ طلب صداقتها حين لفتت نظره صورتها وهي في سن الأربعين التي اتخذت منها غلافا لصفحتها.
تَقطع الصالة مِرارًا بخطوات مُتوتِّرة مِن وإلى النافذة، عيناها تنتقلان بين ترتيبات العَشاء الذي شاركتها فيه جوارحها المتلهفة للقائه، ثم إلى الشموع، وإلى الورود.
تَسْمَع جرَس الباب، يُفلِتُ قلبها دقَّتين، انبهاره بمظهرها كان واضحًا، يُغازلها مُداعبًا بالقول كعادته، تُسبل عينيها دلالا.
جلس في مقعد ذي مسندين وجلسَتْ هي على الأريكة الواسعة تتوقّع انضمامه إليها، رسالة لم يَفهمها، ولكنها في جُرأةٍ مجنونة دَعتهُ ليجلس بجوارها، اَرتبك لبُرهةٍ ثم انصاع لطلبها.
راحت تنظر في عينيه نظرات ساهمة بادلها إياها، خيم الصمت على المكان ولم يعد في المكان من حديث إلا للجوارح.
تأكّدَتْ من تأثُّره بها، عِطرها الذي اختارته بتأنٍّ، فستانها المكشوف، زينتها المعتنَي بها، كل هذا يقول: هَيْتَ لك.
أمسكَ بكلتا كفيها، مال ناحيتها فلم ترجع إلى الوراء، شفتاها على بُعد سنتيمتراتٍ قليلةٍ من شفتيه، أغمضت عينيها وكأنها تطبق على اللحظة، يَغيبُ وعيهُ بين العِطر المُسْكر والقُرْب الحمَيم، التهمَ شفتيها وغابا في قبلة حميمية طويلة.
توالت زياراته لها، وتوالت منها التنازلات، عادت لتطرق أبواب "الكوافير" وتتهندم وترسل إليه بصورها، ورويدا رويدا تخففت من ملابسها، ثم سرعان ما أرسلت له صورًا لها فاضحة، ولم لا وقد أقنعها بحبه الجارف لها وبعزمه على خطبتها، ولما قالت كيف وأنا في الستين من عمري، قال إن الحياة تبدأ بعد الستين.
بخُبث منقطع النظير استطاع معرفة ما لديها من أموال وثروة ثم اختبرها في حبها، تحجج بمروره بضائقة مالية في أعماله الحرة، وطلب منها مبلغا كبيرا، فلم تتوان عن تقديم العون له، فلم لا وهو حبيب القلب والزوج المنتظر.
تسأله عن خطته في خطبتها والزواج منها، يقول إن ما معه من مبالغ لا تكفي لشراء شقة، تقول ها هي شقتي، يتظاهر بأن لديه نخوة ولا يقبل فتبدد ما يتلكأ به. فضرب للخطبة موعدا بعد شهرين كثَّف فيهما من زياراته لها.
استمرأ صورة اللقاء الأول وتلك القبلة الحميمية واشتاقت هي إلى حِضنه فلم تمانع في أن يحدث مرات ومرات.
في الشهور الستة اللاحقة للقائهما لاحظت كثرة طلباته المالية وكلما سوَّفت في بعضها ولبت طلباته في بعضها ضاق صدره منها.
ساوره الشك في احتمال امتناعها فأعد للأمر عدته، غافلها ذات زيارة مستغلا انشغالها في إعداد الطعام له وزرع كاميرا دقيقة في مواجهة "الكنبة" التي اعتادا ممارسة الحب عليها، بل ولأن الأمر كان كذاك، فقد زاد من سقف ممارساته، وزادت هي من الاستجابة له.
وجدته مراوغا كثير الحجج، أرادت أن تتخذ موقفا، أعلنتها صراحة، ولا مليم بعد اليوم إلا إذا أتممت زواجنا.
ثارت ثائرته، هددها بالفضيحة إن لم تستجب، لم تكترث، أرسل إليها بعضًا من صورها الفاضحة، ظنته مجرد تهديد ليحصل على المال الذي يطلبه، فأرسل إليها ما صوَّرته الكاميرا مما وقع بينهما متجاوزين فيه حد الأحضان والقُبَل، عادت لا تكترث، هددها بنشر كل هذا على صفحتها وغيرها من صفحات أصدقائها، هددته بالأذى، يعرف أن لا أحد لها إلا ابنها وبنتها في الخارج، بل هدد بإرسال ما معه لهما.
فقد عقله أمام تعنتها، أرسل كل ما يحتفظ به لأبنائها، ألمت بهم صدمة، هاتفها ابنها ثائرا، أبلغها أن أخته سقطت أرضا من هولها وهي الآن في المستشفى.
فقدت المرأة صوابها، ماذا تفعل، نصحتها صديقة لها باللجوء إلى الشرطة، لم يكن أمامها إلا أن تفعل.
ثبت التهديد وثبتت الجرائم التي ارتكبها في حقها، ومن قبل الجرائم التي ارتكبتها في حق نفسها وحق أولادها وأحفادها.
سيقَ المتهم إلى ساحة المحاكمة، ترى المحكمة وجوب مناقشتها في بعض ملابسات الواقعة، تُرسل في طلبها، ترد إجابة الشرطة: توفيت إلى رحمة مولاها، تطالع المحكمة شهادة الوفاة، ماتت بعد أسبوع من إبلاغها. هل يا تُرى أهو الموت كمدا أم الحب كمدا!
ذهَبَت السيدة إلى بارئها، وذهَبَ الشاب إلى غياهب السجن أما ما بقيَ فهو أن يتعظ مَن عداهما مما حدث، ومما لازال يحدث على الشاكلة ذاتها وتزدحم به رولات محكاكم الجنايات يوما بعد يوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...