مجدي جعفر - ديوان (سبعة أقلام ملونة) لخليل الشرقاوي على مائدة النقد :

احتشد في قصر ثقافة ديرب نجم بمحافظة الشرقية نخبة كبيرة من المبدعين والنقاد لمناقشة ديوان ( سبعة أقلام ملونة ) لخليل الشرقاوي، والديوان من قصائد النثر، وأدار الندوة الأديب مجدي جعفر، وعرج في تقديمه على حركة ومسار قصيدة النثر التي تأخرت كثيرا عن مثيلاتها في الشام، حيث قامت حركة نشطة في الشام منذ أن أصدر توفيق الصايغ كتابه الذي حمل اسم ( ثلاثون قصيدة ) عام 1954م، ومع نصوص محمد الماغوط ( حزن في ضوء القمر ) في أول ستينيات القرن الماضي فرضت قصيدة النثر نفسها كجنس أدبي جديد تخلق من الشعر والنثر والسرد، وقيض الله لهذا الجنس الأدبي من يعملون على احتضانه والتبشير به، أمثال أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وتوفيق الصايغ وغيرهم، وقاموا بالتنظير له، وعرفوا بأهم سماته وخصائصه.

ووصلت قصيدة النثر إلى مصر من الشام، وتلقفها الشعراء المصريين الذين سرعان ما اكتشفوا الكثير من القيم الجمالية في لغة السرد، واتسمت قصائدهم بالصور الشعرية الكثيفة والمركبة، وكانت هذه الصور بديلا عن الوزن في القصائد التقليدية.

وأشار جعفر باقتضاب إلى حلمي سالم، وحسن طلب، ورفعت سلام، وجمال القصاص، وفريد أبو سعدة، ومحمد سليمان، وعبدالمعم رمضان، وماجد يوسف، وتوالت الأجيال المبدعة لقصيدة النثر، وصولا إلى خليل الشرقاوي الذي يشي ديوانه الأول ( سبعة أقلام ملونة ) بموهبة كبيرة وضخمة وقادر على إثراء قصيدة النثر والإضافة إليها.

وحول نصوص الديوان قدم الكاتب والناقد الدكتور كارم محمود عزيز أستاذ الأدب العبري بجامعة حلوان ورقة بحثية وقال :

دراستنا الليلة عن شاعر متميز صاحب تجربة ثرية وجادة لا يصح ان تمر مرور الكرام، لأننا سنكون نحن الخاسرين وليس هو، فديوان "سبعة أقلام ملونة" احد التجليات الرائعة لقصيدة النثر، وفيه تعلن القصيدة عن ثورتها العارمة ضد الشكل الشعري برتابتة ومألوفيته واستاتيكيتة وليس هذا فقط ولكن ضد المضمون، وقصيدة النثر يمكن ان نطلق عليها القصيدة المثقفة فهي تحفل بكل أنواع المعرفة الإنسانية التي يتم توظيفها داخل الشعر.

ثورة ضد الشكل والمضمون فلم يعد هناك فخر أو حماسة ولا مديح سوى للأسئلة والالم، ولم يعد هناك وصف للطبيعة في عالم يدمر طبيعتة بدأب شديد، ربما يوجد قصيدة الرثاء، لكنه رثاء الواقع المهترئ بتجليات تحاكي الاغتراب أو فقدان الهوية أو انشطار الذات أو محوها



وتحاور عزيز مع قصائد الديوان من خلال ثلاثة مداخل:

المدخل الأول التفاعلات النصية أوالتناص :

يصدر الشاعر ديوانه بمقولة سقراطية أفلاطونية :

"كثيرون هم من يحملون عصا السحر، أما العالمون بالسحر فقليل"

والتفاعلات النصية عند خليل لصيقة بنصه الشعري كما هذه المقولة الفلسفية فقد حصل تلاحم وتضافر بينها وبين مقولاته الشعرية في الديوان ولم يحدث تنافر، ويتضافر شقا التفاعل النصي في إعلان عن رؤية الشاعر لذاته وللعالم حيث أن الشاعر يعلن عن تفرده وانتهاكه لمألوفية العالم وعاديته، وهذا التفرد ليس ميزة ولكن نوع من الجحيم يعانيه شاعر النثر كما قال صلاح والي في ديوان الرؤية والوطن "الرؤيا عذاب الرؤيا"

فالشاعر هنا يشعر بغربة عن العالم يبحث عن ذاته ويواجه العالم في تصور بينه وبين المطروح وليس يختلف من أجل الاختلاف فقط .

وظاهرة التفاعلات النصية ستكون ظاهرة أسلوبية بارزة في أسلوب الشاعر، لأنه صدّر كل الاقلام بمقولات ولكنه فقط في القسم السادس لم يقل مقولات.

وفي صفحة 39 على سبيل المثال القلم الثالث (كم آاه تكفيك أيها الالم) نجده تناص مع

"هل قوتي قوة الحجارة، هل لحمي نحاس؟

يا أرض لا تغطي دمي ولا يكن مكان لصراخي"

مقتبسة من سفر أيوب في العهد القديم، وهو سفر يناقش مشكلة فلسفية مهمة جدا، وهو عبارة عن شخص اسمه ايوب معه ثلاثة من أصحابه يناقشون فكرة القدر والقدرية وما يعانيه الانسان من عذاب ، وهنا أجد التجديد عند خليل حين تناول شخصية أيوب لم يتناول قصة ناعسة وأيوب المصرية الشعبية ولم يتناول قصة أيوب في التقاسير القرآنية و لم يتناوله من حيث أنه صابر ولكنه تناوله من حيث هو متبرم ومتضايق وسنصل إلى مرحلة هل هذا اختبار من الله أم لا؟ وهذا طرح جديد وهذا ما يهم فهكذا تكون قصيدة النثر.





المدخل الثاني صراع الذات مع العالم بين الرؤية والتشكيل :

الذي يميز المضمون في قصائد خليل أنه شاعر ممزق يبحث عن ذاته المنشطرة والمتشظية، ويسعى للملمة الذات والتوحد معها ليواجه العالم، ليس بغية أن يصححه ولكن ليتحاور معه وهذه هي الرؤية الحاكمة عند خليل.

قصيدة على الأعتاب قصيدة أحادية مستقلة في أول الديوان وخارج التصنيف، وهذه القصيدة مدخل مهم وممهد للديوان، تصنع نوعا من التوسعة او التأويل للمقولة التي صدّرها في البداية، فهو قد اصطنع شخوص وهميين مسرود عليهم حتي يضعهم بجانبنا نحن المتلقين الفعليين، فهنا متلقي حقيقي وآخر افتراضي وهما الرفاق داخل القصيدة وهو يسعى لاستدراج المتلقين الاثنين لكي يوجه لهم خطابه وكأنه يكسر وحدته وصمته وقد يكون قد رآى أن دراما الصراع بينه وبين العالم لا ينفع لها المنولوج بالحديث مع نفسه، يقول في بداية القصيدة :

( صبرا يا رفاق

وادخلوا أبوابي السبعة

بابا فبابا

وارقصوا على العتبات الملونة

كنت حزينا مقتولا ولكني رفضت الموت

ساقني الشوق فامتثلت

وسبقني نهمي لغابة من دندنات

وقبلات خفية )

هنا نرى المواجهة والمجابهة بين الشاعر وذاته، بين الفعل ورد الفعل فمثلا نرى الحزن او القتل مقابله رفض الموت و الشوق مقابله الامتثال والنهم مقابله غابة الدندنات والقبلات الخفية، وهذا كله من أجل التصالح والالتئام مع ذاته لكي يتفرغ لمواجهة العالم، ونلاحظ هنا أيضا بعض الدلالات الايحائية لمفهوم الصراع ومحاولة التوحد مثل؛

( كنت على قدم واحدة أقف، وعيناى مغلفة بأحداقها، وأنا أنشودة للظل، إذ أبغي الحياة إذ تبغى عليَّ ) ماهذا الجمال! فهذا المقطع تجسيد حي ومفتاح رئيسي للديوان وعلاقة معقدة طبعا

وهل لزاما علينا ان نعشق مضطهدينا ونقع في أسر فتنة ظالمينا -وكأنه يقول هذا –وهذا على المستوى السيكولوجي

أما على المستوى اللغوي فقد صنع مفارقة لغوية جميلة جدا "إذ أبغي الحياة إذ تبغى عليَّ" فقد اشتغل على جذرلغوي واحد وهو "بغى" وصنع منه فعل متعدي بحرف الجر "على" فصار معناه الظلم وهو في الأصل فعل لازم بمعنى "يريد"

فلعب لعبة لغوية رائعة.

وفي نفس القصيدة الذات الشاعرة تعلن ثورة عارمة على اتجاه العالم فيقول؛

( لن أغادر موقعي هذا إلا بقصيدة ملونة

تغني حبيبتي القاصدة قتلي

آه ايتها الحبيبة النبيلة



ولكنه بعد ذلك يلعب لعبة أخرى فيبدأ يستعدي القاتلة مع الرفاق على نفسه –كأنه في مضطرب نفسيه ولكن في الحقيقة يضع مبررا لانتفاضته ليمنح ذاته الثائرة طاقة جديدة للمقاومة فيقول؛

(سُني رماحك وادخلى معهم

لعلي أحيا بعد موتي إن بقيت في تاريخك مغتالا.)

ثم يشحذ طاقات المقاومة لديه عبر أربعة أساليب انشائية الأمر والنداء الاستفهام والتعجب

يقول؛

(تفجري يا ملكات ذاتي الخلاقة

يا ثورة يدي الملونة

يا انهاري الدافقة الفياضة تفجري

آه يا ذرى الروح العالية الشامخة

كيف لم اصل الي من قبل؟

كيف غبتِ عني كل هذي السنين؟ )

وقد نطرح سؤالا ساذجا لماذا استخدم اساليب انشائية؟

ولكن هذا طبيعي لان الشعر كله ليس له خبر، وقصيدة النثر بالتحديد ليس فيها يقين وتحفل بالتساؤلات



والقصيدة الثانية وهي ( شروق وغروب ) ومن العنوان نرى أننا أمام جدل النقائض أو صراع الأضداد، هناك ذات تقف وحدها أمام بحر شاسع مصطخب لتبدأ فعاليات دراما الصراع بين كتلتين؛ الذات المتفردة والعالم المحيط فيقول فيها؛

( الافق بحر شاسع وهي وحدها تقاوم مد الأعالي-الأصفر نجمتي المؤتلقة في ليل التيه-

قلبي خشب عتيق-وروحي مياه أزلية ممتدة- موزعة بين شروق برتقالة العمر وغروبها في مستقبل مغرور

وحيدة تمخر عباب المجهول )

هنا نرى تجليات الذات فتصبح القلب أو الروح فهو قد جسدها في القلب الذي كخشب عتيق والروح التي تشبه مياها أزلية، والكل القلب والروح والنفس يعانون من الغربة والوحدة وألم المقاومة

فهذه القصيدة تبني جمالها على جدل النقائض من ناحية ومن ناحية أخرى تطرح سؤال الهوية أو الكينونة ليصنع لنا صورة شعرية نابضة بهموم الشاعرالمعاصر.

وفي قصيدة "اشجان نرسيس" يوجد تراتبية في الأفكار وانضباط بنائي، فالذات الشعرية تبحث عن توافق مع العالم ولكن بشروطها وليس بشروط الواقع الفعلي الذي أدى بها إلى أن تثور وتنفر

بداية الأزمة شتات الذات وغربتها الدائمة فيقول؛

( قادم من بلاد بعيدة -لأدخل بلادا جديدة )

ثم يبدي حسن النوايا ويمد يده بالسلام للعالم ؛

( أجلس أمام بحارها الرحيبة-أناجي موجها العاتي والزبد الامبالي

وأحلم في كل رفة بوجه أجمل )

لكن الأمر بدا عبثيا فالذات الشعرية ترتد للداخل وتنشطر وتنعكس على نفسها مرة أخرى في سعيها نحو التوافق والتوائم وتطرح سؤال الكينونة :

( واسئل حلمي عني-عن حبيبي الشارد مني )

وعندما يتحقق توحد الذات وتشعر بالاكتمال تتحول للنقيض ومن الانشطار إلى الكمال، من الانشطار وسعيه للتوحد إلى عشق ذاته والتي تسمى النرجسية فيقول؛

( كم أنت بديع يا أنا –يا اولي البعيد-يا اسطورتي الغائبة )

وهنا لعبة جناس جميلة في البديع والبعيد فصنع بنية مزدوجة لفظية معنوية في "كم انت بديع-يا اولي البعيد"

المدخل الثالث التمثلات الأسطورية والتصوف وسيكولوجيا العقل الباطن :



من أبرز الأمور التي لفتت نظري في الديوان تقنية فنية مهمة جدا تسمى التمثلات الأسطورية وهي شاعت في قصائد التفعيلة من أول حركة التجديد مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور

والأسطرة هي اضفاء الصبغة الأسطورية على النص الأدبي بأشكاله الشعرية المختلفة، والشعر مع الأسطورة يشتركان معا في التعامل مع الحقيقة بمنطق الخيال



وسنختار أربع نماذج هنا لتوضيع كيف تعامل خليل الشرقاوي مع الأسطرة

النموذج الاول في صفحة 10 في قصيدة "على الاعتاب" يقول؛

( الظل أنشودة الضوء يا أصدقائي وأنا انشودة الظل )

فهذا فيه استلهام لأسطورة شهيرة مصرية قديمة من أساطير الخليقة وهي أسطورة تاسوع هيليوبولس أو عين شمس

وهي فكرة أن الإله خبري" توحد بظله واستمنى فانجب زوجا من الآلهة شو وتفنوت ثم تزوجا وأنجبا نوت للسماء و جب للأرض

فخليل هنا يصنع تداخل بين شيئين الوعي الأسطوري وإحساس الذات الشاعرة بتفردها ووحدتها في هذا "الهيولى" أي فوضى ما قبل الخليقة- اي في عالم غير منتظم، فنحن نتحدث عن عالم مناوئ لخليل الشرقاوي وهو كذات شاعرة الدنيا امامه منضبطة ولكنه غير راض عنها،

فهو استلهم الوعي الأسطوري في أسطورة عين شمس بجانب أيضا نظرية الفيض الصوفية لتصبح الذات الشاعرة هي المبدأ، ولكنها قبل أن تنتج الضوء المعادل للمعرفة والإبداع جمعت شطريها في ذات واحدة في عملية متمثلة في توحد الذات بالأسطورة أو في مفهوم وحدة الوجود.

النموذج الثاني وهو شبيه جدا أيضا بفكرة الخلق

ففي صفحة 14 في قصيدة "شروق وغروب"

يقول؛

"روحي مياه أزلية ممتدة"

فنجد الرواية الأولى للخلق في سفر التكوين في التوراة

"في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية

وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه"

فنجد إشارة أخرى للهيولى" فوضى ما قبل الخليقة أي العناصر التي تحتوي فراغ السكون أو فراغ الماء، والذات الشاعرة روح ترف على وجه المياه أيضا وسط هذه الفوضي، هذه الروح أو الذات الشاعرة كانت هي المبدأ الفاعل في عملية الخلق في وسط عناصر الفوضى التي تحيل دلاليا إلى العالم المقيت الذي تتصارع معه الذات الشاعرة في الزمن المعاصر.

النموذج الثالث في قصيدة "أشجان نرسيس"

والتي تحيلنا إلى الاسطورة اليونانية نرسيس أو نركسوس أو نرجس الذي تاه في الغابة وكان له حبيبة تتبعه وتردد كلامه وهي "ايكو" لكنه مل منها ووقع في حب صورته المنعكسة على النهر حتى وقع فيه ومات ثم نبتت زهر النرجس على الضفة بعد موت ايكو حزنا عليه وصارت صوتا بلاجسد

وهذه الأسطورة تعليلية تشرح حالة معينة في العالم وهذا تعليل ايتومولوجي يفسر أصل الأسماء كزهرة النرجس وايكو التي تعني الصدى

ونجد بجوار الأسطورة التعليلية هذه فكرة الحلول والاتحاد الصوفية وهي فكرة أن الإله يحل في مخلوقاته، وهناك أيضا ملمح سيكولوجي بارز جدا وقد صنعه الشاعر بمعالجة شعرية رائعة وهو فكرة انشطار الذات مع تغير الجنس، فالعالِم النفسي كارل يونج عندما تحدث عن العقل الباطن عند الانسان قال ان الذكر داخل ذاته شِق انثوي يسمى"أنيما" وداخل الأنثى شِق ذكوري يسمى"أنيموس" إذن نرى أن الانسان هنا كائن مكتمل، ونرى هنا توحد الذات الشاعرة بنقيضيها لتواجه العالم.

والنموذج الرابع في قصيدة"نجمة لا تغيب"

نرى الذات الشاعرة في أزمتها تختصم نفسها وتتشكك في ما هو واقع بينهما فيقول؛

ألقاؤنا كان وهما ام حقيقة؟

فنرى ثانية لعبة الظل والعقل الباطن كما تكلم عنها "يونج"، ولعبة ظل الشخصية أو المرآة تستخدم في الرواية أيضا والقصيدة فيها من السرد الروائي وكأنه هو وذاته خصمين لدودين فيعدد لذاته ما صنعه لها كأنها ظله الشرير ومع ذلك لا غنى عنها فهي ذاته فيقول؛

تصاحب حية حية طوال العمر

فيلعب بالجناس التام ويلقي بظلال أسطورية ثقيلة تتمثل في عدد من الأشباه والنظائر التي وقعت ضحية للخديعة، وهذا التمثل يعمل مع غلغامش الذي خدعته الالهة عشتار وانكيدو الذي خاصمها فقتلته وشمشون الشخصية الشهيرة في سفر القضاة في العهد القديم والذي خدعته "دليله"، والتمثل الأسطوري يتضح في الشخصيات الثلاثة هذه، إلا أن الرمز الأساسي في القصيدة هي الحية التي جاءت في قصة الغواية التوراتية وتحولت إلى الشيطان، أما عند غلغامش فصارت بمعنى التجدد والخلود

وبجانب هذ التمثل الأسطوري نرى أيضا في القصيدة انشطار الذات كما اوضحنا ولعبة "الأنيما والانيموس" فنرى الشاعر قد حدث نفسه بصيغة المؤنث وهذا التجلى معروف في الخطاب الصوفي عندما يصل الصوفي إلى مقام المشاهدة يتحول إلى مخاطبة الذات الالهية بصيغة المؤنث كما عند ابن عربي وغيره، وفي التصوف اليهودي نجد التجلى العاشرالذي يسمى "الشخينا" وهو تجلٍ انثوي.

......................................

وفي دراسته النقدية قال الكاتب والناقد بهاء الدين الصالحي :



يأتي خليل الشرقاوي مكملا لسلسة من الشعراء العظام في مصر يبدأهم محمد عفيفي مطر و حسن طلب ورفعت سلام وحلمي سالم والسيد فتحي وكل هؤلاء قامات في قصيدة النثر

وأشار إلى الدكتورة هدى فخر الدين أستاذة الأدب العربي في جامعة اكسفورد والتي ترى ان قصيدة النثر لها جذور في التراث العربي وأصدرت كتاب عام 2020 ترى أن النفري هو مؤسس لقصيدة النثر العربية وكذلك أبو حيان التوحيدي

وأوضح أن قصيدة النثر تأخذ فلسفة الصورة التشكيلية فهي ليست قصيدة مناسبات ولا قصيدة وجدانية ولكنها افتراض لحالة هكذا أنا فعليك أن تتخيلني كما أنا وبالتالي قدرة الشاعر على توظيف تلك المفردات الخاصة بالصورة هنا مهارة اللغة في قصيدة النثر فلا يُأتى قصيدة النثر إلا رجل متمكن في لغته فهي قصيدة قائمة على مهارة الشاعر في استلاب وعي المتلقي فلا بد أن تشعر بالاشتياق أو أن يأسرك عالم الشاعر فأنت أمام لوحة وضع فيها الرسام مشاعره من خلال فلسفة الألوان التي انتزعها من روحه قبل أن ينتزعها من الباليتة الخاصة به هنا يلتقي صدق الشاعر مع صدق المتلقي وهنا تكمن صعوبتها فلايُأتى قصيد النثر شكلاني شخص يسيطر عليه الشكل أو تاريخ الأدب ولكن أمامك ذات كما هي فعليك أن تتعامل معها وبالتالي المهارة في تتبع تفاصيل المشهد لأن اللفظة يعاد انتاجها بأكثر من معنى داخل القصيدة هنا مسألة السياق وبناء الجملة النحوية داخل القصيدة وهي مهارة رائعة تأثر بها خليل، فالمتعة القائمة على مهارة احترام المتلقي بدلا من الترويح فهو لا يخاطب حبيبته فلتذهب حبيبته إلى الجحيم مثلا يقول في قصيدة أرض الهذيان؛

امتزج الألم بالملل باللذة بالتكرار وعندما تفسر مهارته في كلمة امتزج أي أصبح كيانا واحدا فنجد مهارة النثر عندما يأتي في قصيدة الشعر ولمن يريد المقارنة لمن قرأ نجيب محفوظ في القاهرة 30 يقارن تجربة نفيسة عندما شعرت باللذة في أول خطيئة لها ثم اعتادت ثم تحسرت ثم كرهت جسدها فنجد تكثيف اللغة عند خليل الشرقاوي، ويقول في نفس القصيدة؛

أي خلطة سحرية تلك لانسان العهد الردئ في الوطن الجديد

فعليك أن تأول إذا اردت أن تنزل الشاعر من علياءه إلى أرض الواقع ولكن هو يكتب ليمارس دورا اجتماعيا ولا يكتب رفاهية و المقياس الذي نقرر عليه جودة القصيدة درجة التعبيرية ولأي قدر تلاقى تعبير الشاعر مع المعنى المتوقع لدى المتلقي من القصيدة إذن هنا نجد توافق وتعشق وانتماء للعقل الجمعي المشترك لذلك فهذه القصيدة قصيدة سياسية من الطراز الأول وهذه قيمة الشعر عند خليل، ونتأمل قوله؛

والشاشات تهرول من خلفي(عد من حيث أتيت..))

عد من حيث أتيت

تكررت " عد من حيث أتيت مرتين في الأولى وضعها بين هلاليتين فهنا ذاكرة الاحتباس والتنميط لازلت قائمة ويأتي في آخر مقطع عد من حيث أتيت بدون أقواس وكأن الشاشات تقول قد اخرجناك من دائرة رؤيتنا وهنا فكرة التنميط وفكرة التهميش التي تدار بها الحياة الاجتماعية في مصر، هنا الطريقة الرئيسية لفهم اسهامات هذا الجيل فهذا شاعر ليفرح بفخر هذا شاعر ابن ثورة شارك في ثورة 25يناير 2011 إذن هذا جيل لازال في وعيه تلك التجربة الجماعية ولذلك لابد أن يحاسب على هذا الأساس بقايا هذا الوجد الجمعي في لحظة التحقق التاريخية يمارسها خليل هنا في هذه القصيدة.

وهو يتمرد على نمط المراد ترويجه لقضية المواطن الملتزم الذي يخاف من رؤية البندقية وذلك نراه في قصيدة "الفوضوي المبجل" تأتي من خلال ثنائية النظرة فالمجتمع ينظر لهذا الجيل على أنه جيل غير ملتزم بينما هذا الجيل هو أكثر قدرة على طرح الأسئلة من خلال المفارقة عن النمط السائد لاني خارج نمطك فأنا فوضوي ولكني مبجل ويقول في بيت شعر قوي؛ متى يتهاوى النُصب المقام ضرارا في ميادين الوطن؟

والضرارا هذا مسجد أقيم ضرارا وأمر النبي بهدمه، إذن فهل يجوز احترام المقدس على اطلاقه ام على وظيفته؟

وفي قصيدة "شريعة الوقت" فنرى أنه في 14 بيت كرر أنا وتصاريفه 12 مرة معنى ذلك أننا أمام شاعر يدرك جيدا كيف تكون لغته ولكن فلنتوقف أمام العنوان فهذا عنوان ألغى الماضي وألغى المستقبل إذن فهي شريعة مقطوعة الأوصال والجذور ،اللغة هي البطل عند خليل الشرقاوي

البعد التشكيلي عند خليل تحمل فلسفة اللوحة التشكيلية كمثال أو رسام يضع العالم الذي اكتمل داخله في معادل لوني، هنا قد اكتمل العالم عند خليل واكتمال العالم ليس مقطعا من جزء متكامل ولكنها مقاطع جاءت كزفرات ولذلك معظم القصائد تقع في صفحة أو صفحتين لأنها إن زادت عن ذلك كانت كالنثر الصراح

لماذا قدت من ذهب قصيدة النثر؟

لأن هذا الجيل لديه من المعاناة ما يعجز البناء الشعر الماضي عن معالجته وقصيدة النثر تحتوي كم القلق الوجودي الخاص بهذا الجيل، أما أن نتحدث عن مملكة الشعر فلها اساطينها الذين يتحدثون عنها والشعر أولا والابداع أولا ثم يأتي التنظير ثانيا فاذا كانت موجة الإبداع هادرة سيضطر التنظير إلى ملاحاة الإبداع وسيبحث عن محاولة للحاق به، هذا الجيل تيار جارف وخليل الشرقاوي جزء من جيل في الحركة الشعرية المصرية لم يعد يعترف بالآباء لأنهم عجزوا عن انتاج معاناتهم اليومية شعرا

ثم نأتي للأسئلة المفاتيح حيث يأتي خليل في نهاية قصيدة "موعد مع الريح" ويقول؛

أنا ايدولوجيتي الأرض

حيث أنه بدأها بتشتت هوياتي بتمزق الذات والبحث عن صيغة معينة للتواصل مع العالم ثم ينهي هذا الشكل ويقول؛

أنا فلاح

جُل ما يعنيني أن أزرع وأروي وأحصد بسلام

ليس لدي بال صاف لئؤدلج

لا تشغلني الحروب إلا في رزقي

ولا تدخل علي السياسة إلا من خبزي

فكأنه يقول أنتم تتنافسون على شيء ليس لي فيه سهم أو بند أنا قضيتي هذه الارض، هذه الأرض لي وأنتم راحلون

هذا ما أراد أن يقوله هذا الجيل الجديد في هذه القصيدة لأننا بصدد تطبيع الشعر تطبيعا اجتماعيا ولا نطرح في الهواء ويخرج من هذا التنميط

اما العنوان "سبعة اقلام ملونة"

سبعة أيام- الله قد خلق الكون في ستة أيام واستوى في اليوم السابع فهو يصنع أسطورة الخلق ويأتي في النهاية بعد القلم السابع يضع "قلم يبحث عن لون" ليفلت من سيف الجلادين فنحن بصدد شاعر واع وهذه القصائد أثمرت في مجال قصيدة النثر تيارا جديدا وعبرت عن جيلها ولم يمارس فيها الهروب والمأزق عند خليل أنه مثقف من طراز رفيع يحتاج لدرجة من درجات التأويل

فنراه في قصيدة "مطهر"يقول؛

أتوضئ بماء النار وأتضع أمام جلالة القسوة

فاتضع هنا لغة (أ ت ضع )فهي لعبة اللغة فهي تعني التقزم

ثم أنه يعيد انتاج الأساطير فيقول في قصيدة "الصاعد من البئر"

ودلته على جدائل شعرها

ثم همست

اسقط حجرك

حرر صوتك



وهذا كبئر يوسف ولكن الحبيبة تدليه في البئر على جدائلها ليرمي حجره ويحرر صوته اذن البئر هنا لم يعد نقيصة ولكنه تطهير للذات من كل ادرانها مع الام الرؤوم

فهذا شاعر تأخذ الكلمة عندة مسارات ومحاسبات قبل ان تخرج الي الوجود وهنا قيمة خليل الشرقاوي.

.................................................

وفي ورقته النقدية قال الكاتب والناقد محمد الديب أن قصيدة النثر قد فرضت نفسها وانتهى الأمر، وجاءت ورقته تحت عنوان "ديوان سبعة اقلام ملونة للشاعر خليل الشرقاوي بين الرسم والشعر"

وقال أن الألوان تعتبر واحدة من التعبيرات المجازية التي يوظف الشاعر قديما وحديثا ويستعين بها في شعره وهي دال عملي وحيوي ومثير للمتلقي تعمل علي تقريب النص إليه وهكذا تشكل الألوان كنزا لا يستهان به فهي في الديوان سمة أسلوبية بارزة استخدمها الشاعر في تلوين صوره الشعرية ببراعة، يقول "سيمونيس سركيوسي" وهو واحد من أهم الشعراء الالاهيين في اليونان قديما قال "ان الشعرصورة ناطقة او رسم ناطق وان الرسم او التصوير شعر صامت"

وبهذا يصيغ للفنون المكانية بعدا رابع هو البعد الزمني ولحق ذلك الإرث بالشعر ايضا

العلاقة بين الشعر والفنون التشكيلية قوية وعميقة جعل خليل الشرقاوي شعره لوحات فنية تعبر عن الحالة التي تسيطر عليه في هذه النصوص، وهكذا يكون الفيلسوف والناقد "افرايم ليسنغ" محقا في وصف العلاقة بين الشعر والرسم، فالشاعر والرسام يتعاملان مع بعضهما كاثنين جيران ولكن كل واحد منهما يعطي لنفسه الحق بالانتفاع بما يملكه الجار وامتيازاته ويستمد كل طرف ما يحتاجه من الطرف الآخر.

أثرى الشاعر خليل الشرقاوي معجمه الشعري بالكثير من الأدوات الفنية التي تقربه من فن الرسم كعنصر اللون الأساسي كما في العنوان ثم أدخل اللون في تشكيل بعض النصوص التي كلوحات فنية كقوله في بعض النصوص؛

من أول ميلادي لي في كوكبي الرمادي-

ارقصوا على العتبات الملونة-

قلبي بنفسجي ويدي خضراء فأي لون سيكتب صفحة تاريخي؟-

ألون صورا وأحدثها-

اتقمص لون الغيم-

وفي قصيدة شروق وغروب يقول؛

شراع عظيم كالظلة خفاق بالأزرق والأخضر

والأبيض والأصفر نجمتي المؤتلقة في ليل التيه

فيبدو أن الشاعريعلم جيدا وظيفة اللون وأثرها المهم في الخطاب الشعري فهو لم يأت بألوان محددة الا وهو على وعي تام باللوحة التي يرغب في تشكيلها في ذهن القارئ أربعة ألوان في مقطع واحد الأزرق والأخضر والأبيض وهي ألوان طبيعية باردة وتستخدم عادة لإظهار الهدوء لكن الشاعر ليس هادئا بل مشتت شارد في ليل التيه فاختار اللون الأصفر ليكون نجمته المؤتلقة لماذا؟ لأن الاصفر مرتبط بالنبات الجاف والمرض الذي يعتري الإنسان وما يصحبه من شحوب وهو يوحي بالضعف والانكسار والحزن وله أيضا دلالات أخرى ولكن اظن أن هذه الدلالات مناسبة لحالة الانكسار والحيرة والحزن التي يمر بها الشاعر في معظم نصوصه.

ذكر الشاعر في الديوان كل الألوان تقريبا وتأتي الألوان بدلالاتها أحيانا وعكس دلالاتها في معظم الأحيان وسأخذ الأبيض هنا كمثال فقد جاء خمس مرات في الديوان منها

أسوار بيضاء-حلكة بيضاء-رماح سلامكم بيضاء

وهنا أقول أن خرق قوانين السمات الدلالية للألوان يخرج استخدام اللون من معناه المعجمي أو المجازي إلى معنى مضاد تماما فالمعتاد أن اللون الأبيض يدل على النقاء الشرف الأصالة، لكن الشاعر استخدمه عكس ذلك تماما.

وقد أثرت مداخلات الحضور الندوة، الشاعر الدكتور صلاح الطاهر، الشاعر والكاتب محمود الديداموني، الأديب والناقد ياسر عبدالعليم، الشاعر والناقد حسام الكرار، الأديب والناقد أحمد عثمان الشاعر والمترجم /السيد النماس، الشاعر والناقد عصام الدين صقر، الشاعر هشام الصفتي، الشاعر أبانوب لويس، الكاتبة زهرة عاطف، الشاعر الدكتور علاء الدماصي، الكاتبة زينب عامر، القاص إبراهيم فريد، الشاعر عبدالمنعم محمد، الأستاذة نهلة، الأستاذة سمر، الأستاذة علا السعودي.



وفي ختام اللقاء قال الشاعر خليل الشرقاوي المحتفى به : أشكر كل الحضور الأصدقاء والأساتذة والأدباء، وأوضح أنه أهدى هذا الديوان لروح الشاعر الراحل أحمد السلاموني لأنه أول من وجهه إلى قصيدة النثر ووضعه على طريق الشعر وكان مهتما بما يكتب رحمه الله رحمة واسعة، قكان انسانا خلوقا وشاعرا كبيرا،

واشار خليل الشرقاوي إلى أن الشعر بالنسبة له لم يعد مشروع كتابة أو مشروعا شعريا فحسب بل أصبح مشروعا وجوديا له، لأنه قدم الكثير من التضحيات الاجتماعية والنفسية والعملية والعاطفية ولازال يقدم من أجل فقط أن يكتب وتمنى أن ما يكتب وما سيكتب يكون معادلا لهذا وقال "أنا ليس لدي شيء حي لأتركه سوى هذه الكلمة"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى