《 نقلت الأنباء أن جنديا على الحدود صب فجأة رصاص رشاشه على الأرض المحتلة فاقتيد على مستشفى الأمراض العصبية!》.
***
كانت تلك هي المرة الأولى التي سمع فيها هذا الاصطلاح:《انهيار عصبي》! وسأل الممرض فيما كان يقتاده على الخارج:
_ ماذا يعني انهيار عصبي؟
أجاب الممرض بجفاء:
_ يعني؟ أنك لست على ما يرام!
رفع يده ودق بإصبعه على جانب رأسه وسأل:
_ هنا؟
_ نعم، هنا!
وقف هنيهة، لم يكن متأكدا من أي شيء، ثم عاد فسأل مرة أخرى لمجرد أنه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يقول:
_ انهيار عصبي.. هنا؟
_ نعم..
_ ماذا يعني ذلك؟
_ يعني أنك لست على ما يرام..
_ كيف؟
جذبه الممرض من ذراعه بعنف فأحس بأنه إنما كان يقول كلاما فارغا وأنه لم يكن ليستطع التحكم بلسانه، كان ثمة عنكبوت أسود كبير قد تمركز في جيبنه من الداخل وأخذ يبني شباكه الدقيقة القاسية بين عينيه.
_ إلى أين ستأخذني الآن؟
_ عليك أن تقابل الرئيس..
حاول أن يقف إلا أن الممرض دفعه بعنف، فأكمل مسيره..
_ قل لي، هذه المقابلة مع الرئيس، هل تتعلق بحكاية الأعصاب هنا؟.
أشار إلى جانب رأسه مرة أخرى، ومضى العنكبوت يشد خيوط شباكه..
_ أغلب الظن أن نعم..
_ نعم، ماذا؟
_ أوف!
مرة أخرى أحس بأنه، فعلا، ليس على ما يرام.. ولكنه كان يرغب في إطلاق سراح لسانه إلى أبعد مدى مستطاع:
_ هل تعرف شيئا؟
_ ماذا؟
ثبت قدميه في الأرض وهز إصبعه بوجه الممرض المرافق، ولما يحاول أن يدفعه شنج ساقيه وامتنع..
_ أريد أن أقول لك شيئا..
_ ماذا؟
_ صحيح أنه انهيار عصبي.. ولكنه ليس هنا..
_ أين إذن؟
_ أشار إلى صدره وقال بهدوء:
_ هنا..
_ الانهيار العصبي لا يحدث هناك قط..
_ من قال ذلك؟
_ الأطباء..
_ إنهم مجانين..
مشى قليلا، ثم وقف وهز إصبعه بوجه الممرض مرة أخرى..
_ الأطباء مجانين.. ثم إن هذه الحالة ليست حالة طبية، إنها حالة عسكرية..
_ لماذا هذه الحالة حالة عسكرية؟.
_ لأنني أنا نفسي عسكري!
_ وما الفرق؟
_ ماذا تعني؟
عاد الممرض، فجذبه بعنف وسار به في الممر النظيف الصامت..
كانت الأبواب مغلقة على طول الجانبين، وكان العنكبوت قد بدأ يغني وهو يكمل نصب شباكه القاسية بين عينيه..
_ أهو بعيد من هنا؟
_ من؟
_ الرئيس..
_ في آخر الممر..
كان يزعجه أن ينتهي الحديث بتلك السرعة، وكان يحس بأن عليه أن يتكلم كثيرا، لقد كانت الرغبة جارفة تتمسك بصدغيه وتهزه بلا هوادة .. وكان الممرض المرافق يصر على سحبه بعنف، وكانت محاولات التوقف تذهب هباء..
_ اسمع لقد أتعبتني.. لنقف قليلا ونستريح.. ثم إنني كما قال الطبيب- رجل مريض..
وقف الممرض، وقاسه بعينيه مليا، ثم هز رأسه وأطبق شفتيه بإحكام، بينما اتكأ على الحائط ومضى يتابع خطوات العنكبوت البطيئة وهو يتنقل في جبينه متما بناء عشه..
_ كيف عرفت أنني مصاب ب.. ب.. بذلك الشيء المتعلق بالأعصاب هنا؟
_ الانهيار العصبي؟
_ نعم.. الانهيار العصبي.. كيف عرف؟
_ لقد سألك أسئلة خاصة.. وهم يعرفون المرض من الأجوبة..
_ ولكنه لم يسألني كثيرا، سألني مرتين أو ثلاث مرات ثم انكب على دفتره يكتب..
قال لي: ماذا شعرت قبل أن تطلق الرصاص؟
فقلت له لم أشعر بأيما شيء.. ثم قال: ماذا شعرت بعد أن أطلقت الرصاص؟ فقلت له: لم أشعر بأيما شيء.
_ فقط؟
_ أوه كلا! لقد أصيب بخيبة أمل كبيرة حينما قلت له لاشيء!.
وكان يريد أن يكتب وكنت أريد أن أساعده حقا فقلت له..
_ ماذا قلت؟
_ قلت له أنني بعد أن أطلقت الرصاص شعرت بشيء واحد فقط، هو أن مشط الفشك سريع الانتهاء..
_ أشعرت بذلك حقا؟
هز رأسه بأسى، وكان العنكبوت قد أتم نسج بيته كله، ثم وقف في الوسط رافعا أذرعته المتعددة باحثا عن ذبابة..
_ أوه.. نعم! أنت لا تتصور كم كان ذلك مذهلا! ضغطة واحدة على الزناد وينتهي الأمر.. إنهم لا يحملوننا سوى مشط واحد..
_ هيا بنا..
شده من ذراعه فمشى معه وقد أحس بالألفة لأول مرة، منذ ذلك الوقت الذي تلقى فيه ضربة قاسية على مؤخرة عنقه، ثم نقلته سيارة الجيش إلى المستشفى.. وفي غمرة ذلك الشعور المريح لاحظ بأنهم خلعوا عنه بذلته العسكرية وألبسوه لباسا غريبا.. ولكنه لم يشأ أن يحزر متى حدث ذلك..
_ لقد قتلت اثنين..
_ من؟
_ أنت، حينما أطلقت رصاصك قتلت اثنين منهم..
_ وأين المفاجأة؟ حينما يطلق المرء رصاصا فإنه يطلقه على شيء ما..
_ كنت تتعمد ذلك؟
_ أوف! ماذا تحسب إذن؟
_ كنت احسب أنه انهيار عصبي!
_ وما الفرق؟
_ الفرق أن المصاب بانهيار عصبي لا يتعمد ذلك؟
وقف فجأة فتقطعت خيوط بيت العنكبوت واهتز في مكمنه إلا أنه ما لبث أن انطلق بعناد لإصلاح ما انفتق من الشباك.
_ إنهم يحسبون إذن أنني لم أتعمد ذلك؟
_ أجل!
_ كلا! لقد تعمدته!
_ لو قلت ذلك أمامهم لسجنوك، الأفضل أن تمسك لسانك..
صار العنكبوت يعمل بصخب وجنون وأخذ يحدث ضجة في جبينه، خيل إليه أنه على وشك أن يقع، ودار الممر الطويل دورة كبيرة حول نفسه ثم عاد إلى ما كان عليه..
_ لماذا يريدون أن أقول أنني لم أتعمده؟
_ لأنه عمل غير صائب..
ثبت قدميه في الأرض فعاد الممرض لسحبه إلا أنه نفض ذراعه بعنف وتقطعت خيوط أكثر في بيت العنكبوت..
_ أتريد أن أقول لك شيئا؟
_ كلا! أريد أن تمشي معي، لقد ضيعنا نهارنا..
_ لن أمشي قبل أن أقول لك شيئا..
_ حسنا، قل..
_ أنا مصاب بهذا الشيء المتعلق بالأعصاب لأنني تعمدت أن أطلق الرصاص.. أليس كذلك؟.
_ أجل..
تقطعت المزيد من الخيوط في بيت العنكبوت وضجت الحشرة السوداء بجنون وهي تحاول رتق الفتق..وأكمل:
_ وهم ليسوا مصابين بذلك الشيء الخطير المتعلق بالأعصاب لأنهم يتعمدون أن لا يطلقوا الرصاص.. أليس كذلك؟
_ أجل، ماذا تريد أن تقول؟
_ ماذا أريد أن أقول؟ أوف! لاشيء.. لاشيء..
سار بهدوء، وكان يدق أرض الممشى بقدميه الكبيرتين فيهتز جسده الضخم، وكان العنكبوت يرتج في جبينه، والخيوط تتقطع بعنف.. ثم يهتف..
_ اسمع، هل أنت متأكد أن هذا هو الصحيح؟.
_ ماذا؟
_ هذا الذي قلته قبل قليل عن موضوع الأعصاب؟
_ طبعا.. طبعا..
نظر إلى الممرض بإمعان.. كان العنكبوت قد بدأ يتلاشى، وانمحت، فجأة، كل آثار خيوطه المتشابكة وصار جبينه من الداخل نقيا كبلاطة رخام أبيض..
_ حسنا.. دعنا نذهب إلى الرئيس!..
بيروت- ١٩٦٢م/ غسان كنفاني
***
كانت تلك هي المرة الأولى التي سمع فيها هذا الاصطلاح:《انهيار عصبي》! وسأل الممرض فيما كان يقتاده على الخارج:
_ ماذا يعني انهيار عصبي؟
أجاب الممرض بجفاء:
_ يعني؟ أنك لست على ما يرام!
رفع يده ودق بإصبعه على جانب رأسه وسأل:
_ هنا؟
_ نعم، هنا!
وقف هنيهة، لم يكن متأكدا من أي شيء، ثم عاد فسأل مرة أخرى لمجرد أنه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يقول:
_ انهيار عصبي.. هنا؟
_ نعم..
_ ماذا يعني ذلك؟
_ يعني أنك لست على ما يرام..
_ كيف؟
جذبه الممرض من ذراعه بعنف فأحس بأنه إنما كان يقول كلاما فارغا وأنه لم يكن ليستطع التحكم بلسانه، كان ثمة عنكبوت أسود كبير قد تمركز في جيبنه من الداخل وأخذ يبني شباكه الدقيقة القاسية بين عينيه.
_ إلى أين ستأخذني الآن؟
_ عليك أن تقابل الرئيس..
حاول أن يقف إلا أن الممرض دفعه بعنف، فأكمل مسيره..
_ قل لي، هذه المقابلة مع الرئيس، هل تتعلق بحكاية الأعصاب هنا؟.
أشار إلى جانب رأسه مرة أخرى، ومضى العنكبوت يشد خيوط شباكه..
_ أغلب الظن أن نعم..
_ نعم، ماذا؟
_ أوف!
مرة أخرى أحس بأنه، فعلا، ليس على ما يرام.. ولكنه كان يرغب في إطلاق سراح لسانه إلى أبعد مدى مستطاع:
_ هل تعرف شيئا؟
_ ماذا؟
ثبت قدميه في الأرض وهز إصبعه بوجه الممرض المرافق، ولما يحاول أن يدفعه شنج ساقيه وامتنع..
_ أريد أن أقول لك شيئا..
_ ماذا؟
_ صحيح أنه انهيار عصبي.. ولكنه ليس هنا..
_ أين إذن؟
_ أشار إلى صدره وقال بهدوء:
_ هنا..
_ الانهيار العصبي لا يحدث هناك قط..
_ من قال ذلك؟
_ الأطباء..
_ إنهم مجانين..
مشى قليلا، ثم وقف وهز إصبعه بوجه الممرض مرة أخرى..
_ الأطباء مجانين.. ثم إن هذه الحالة ليست حالة طبية، إنها حالة عسكرية..
_ لماذا هذه الحالة حالة عسكرية؟.
_ لأنني أنا نفسي عسكري!
_ وما الفرق؟
_ ماذا تعني؟
عاد الممرض، فجذبه بعنف وسار به في الممر النظيف الصامت..
كانت الأبواب مغلقة على طول الجانبين، وكان العنكبوت قد بدأ يغني وهو يكمل نصب شباكه القاسية بين عينيه..
_ أهو بعيد من هنا؟
_ من؟
_ الرئيس..
_ في آخر الممر..
كان يزعجه أن ينتهي الحديث بتلك السرعة، وكان يحس بأن عليه أن يتكلم كثيرا، لقد كانت الرغبة جارفة تتمسك بصدغيه وتهزه بلا هوادة .. وكان الممرض المرافق يصر على سحبه بعنف، وكانت محاولات التوقف تذهب هباء..
_ اسمع لقد أتعبتني.. لنقف قليلا ونستريح.. ثم إنني كما قال الطبيب- رجل مريض..
وقف الممرض، وقاسه بعينيه مليا، ثم هز رأسه وأطبق شفتيه بإحكام، بينما اتكأ على الحائط ومضى يتابع خطوات العنكبوت البطيئة وهو يتنقل في جبينه متما بناء عشه..
_ كيف عرفت أنني مصاب ب.. ب.. بذلك الشيء المتعلق بالأعصاب هنا؟
_ الانهيار العصبي؟
_ نعم.. الانهيار العصبي.. كيف عرف؟
_ لقد سألك أسئلة خاصة.. وهم يعرفون المرض من الأجوبة..
_ ولكنه لم يسألني كثيرا، سألني مرتين أو ثلاث مرات ثم انكب على دفتره يكتب..
قال لي: ماذا شعرت قبل أن تطلق الرصاص؟
فقلت له لم أشعر بأيما شيء.. ثم قال: ماذا شعرت بعد أن أطلقت الرصاص؟ فقلت له: لم أشعر بأيما شيء.
_ فقط؟
_ أوه كلا! لقد أصيب بخيبة أمل كبيرة حينما قلت له لاشيء!.
وكان يريد أن يكتب وكنت أريد أن أساعده حقا فقلت له..
_ ماذا قلت؟
_ قلت له أنني بعد أن أطلقت الرصاص شعرت بشيء واحد فقط، هو أن مشط الفشك سريع الانتهاء..
_ أشعرت بذلك حقا؟
هز رأسه بأسى، وكان العنكبوت قد أتم نسج بيته كله، ثم وقف في الوسط رافعا أذرعته المتعددة باحثا عن ذبابة..
_ أوه.. نعم! أنت لا تتصور كم كان ذلك مذهلا! ضغطة واحدة على الزناد وينتهي الأمر.. إنهم لا يحملوننا سوى مشط واحد..
_ هيا بنا..
شده من ذراعه فمشى معه وقد أحس بالألفة لأول مرة، منذ ذلك الوقت الذي تلقى فيه ضربة قاسية على مؤخرة عنقه، ثم نقلته سيارة الجيش إلى المستشفى.. وفي غمرة ذلك الشعور المريح لاحظ بأنهم خلعوا عنه بذلته العسكرية وألبسوه لباسا غريبا.. ولكنه لم يشأ أن يحزر متى حدث ذلك..
_ لقد قتلت اثنين..
_ من؟
_ أنت، حينما أطلقت رصاصك قتلت اثنين منهم..
_ وأين المفاجأة؟ حينما يطلق المرء رصاصا فإنه يطلقه على شيء ما..
_ كنت تتعمد ذلك؟
_ أوف! ماذا تحسب إذن؟
_ كنت احسب أنه انهيار عصبي!
_ وما الفرق؟
_ الفرق أن المصاب بانهيار عصبي لا يتعمد ذلك؟
وقف فجأة فتقطعت خيوط بيت العنكبوت واهتز في مكمنه إلا أنه ما لبث أن انطلق بعناد لإصلاح ما انفتق من الشباك.
_ إنهم يحسبون إذن أنني لم أتعمد ذلك؟
_ أجل!
_ كلا! لقد تعمدته!
_ لو قلت ذلك أمامهم لسجنوك، الأفضل أن تمسك لسانك..
صار العنكبوت يعمل بصخب وجنون وأخذ يحدث ضجة في جبينه، خيل إليه أنه على وشك أن يقع، ودار الممر الطويل دورة كبيرة حول نفسه ثم عاد إلى ما كان عليه..
_ لماذا يريدون أن أقول أنني لم أتعمده؟
_ لأنه عمل غير صائب..
ثبت قدميه في الأرض فعاد الممرض لسحبه إلا أنه نفض ذراعه بعنف وتقطعت خيوط أكثر في بيت العنكبوت..
_ أتريد أن أقول لك شيئا؟
_ كلا! أريد أن تمشي معي، لقد ضيعنا نهارنا..
_ لن أمشي قبل أن أقول لك شيئا..
_ حسنا، قل..
_ أنا مصاب بهذا الشيء المتعلق بالأعصاب لأنني تعمدت أن أطلق الرصاص.. أليس كذلك؟.
_ أجل..
تقطعت المزيد من الخيوط في بيت العنكبوت وضجت الحشرة السوداء بجنون وهي تحاول رتق الفتق..وأكمل:
_ وهم ليسوا مصابين بذلك الشيء الخطير المتعلق بالأعصاب لأنهم يتعمدون أن لا يطلقوا الرصاص.. أليس كذلك؟
_ أجل، ماذا تريد أن تقول؟
_ ماذا أريد أن أقول؟ أوف! لاشيء.. لاشيء..
سار بهدوء، وكان يدق أرض الممشى بقدميه الكبيرتين فيهتز جسده الضخم، وكان العنكبوت يرتج في جبينه، والخيوط تتقطع بعنف.. ثم يهتف..
_ اسمع، هل أنت متأكد أن هذا هو الصحيح؟.
_ ماذا؟
_ هذا الذي قلته قبل قليل عن موضوع الأعصاب؟
_ طبعا.. طبعا..
نظر إلى الممرض بإمعان.. كان العنكبوت قد بدأ يتلاشى، وانمحت، فجأة، كل آثار خيوطه المتشابكة وصار جبينه من الداخل نقيا كبلاطة رخام أبيض..
_ حسنا.. دعنا نذهب إلى الرئيس!..
بيروت- ١٩٦٢م/ غسان كنفاني