علي لفته سعيد - رحلة الجزائر (1-13)

الحلقة الأولى:
ما قبل السفر إلى الجزائر

لم يكن السفر إلى الجزائر سهلاً، هكذا كان الأمر. لكنه لم يكن صعبًا كما يتوقع الكثيرون ممن يضعون المسببات والأسباب التي، في حقيقتها المجردة، ليست عقبات حقيقية. لذا، كانت الخطوات الأولى، التي يمكن أن تُعد المفتاح الأول للحصول على تأشيرة الدخول، قد بدأت قبل أربعة أشهر من السفر وربما أكثر.
راسلتُ عددًا من دور النشر الجزائرية بهدف طبع بعض نتاجي الأدبي تحت ما يُطلق عليه التوزيع الداخلي. كانت سعادتي كبيرة حين وجدتُ أن اسمي سبقني إلى هذه الدور، من خلال اطلاعهم على صفحتي وما أنشره فيها من مقالات وتقارير صحفية، فضلاً عن مقالات تخص الأدباء الجزائريين. إضافةً إلى ما كتبه النقاد في الجزائر عن نتاجي الروائي والشعري، ومنهم الناقد الجزائري حمام محمد الذي أصدر كتابًا عن روايتي (اللذة والألم في الرواية العربية: رواية البدلة البيضاء للسيد الرئيس أنموذجًا)، والذي طبعته دار العوسجي.
لكنني لم أبدأ بمراسلة هذه الدار أولاً، بل راسلت دار إيلياء للنشر، وكانت البداية الحقيقية التي ساهمت في توسيع دائرة الحلم بزيارة الجزائر. بدأ الحديث مع إدارة موقع الدار، ولم أكن أعرف مع من أتحدث، لكنني وجدتُ استجابة حقيقية. وصلتُ إلى مدير الدار، الدكتور عدالة، ثم إلى الدكتور بغداد. ومن هنا، بدأت الخطوة الأولى. وافقوا على طباعة ثلاثة كتب لي: (باب الدروازة- فهم اللعبة- الأدب الغاضب). تفاجأتُ بإرسالهم عقود الطباعة للتوقيع، وبدأ العمل على تصميم الأغلفة. أخبروني أن الكتب ستكون حاضرة في معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي يطلقون عليه اسم صالون الكتاب.
حينها، قدحت في ذهني فكرة: أن أكون حاضرًا في المعرض، ونقيم حفل توقيع. تفاجأتُ بأن الوعد تحقق فعلاً. قلت لهم إنه تحقيق حلم. أرسلوا لي الدعوة خلال ثلاثة أيام فقط، على ما أتذكر. طلبتُ منهم أن يكون معي الصديق الناقد حيدر جمعة العابدي، فوافقوا بشرط أن يتم طباعة كتاب له حتى تتوفر شروط الدعوة. أرسلنا لهم كتابًا للعابدي، وبدأت رحلة الذهاب إلى السفارة والحصول على الموافقات.
كانت السفارة واحدة من مفاتيح السفر. وبالرغم من كثرة سفري، لم أجد سفارة تستقبل المواطنين بهذه الروح المرحبة والوجوه المبتسمة. وضعوا أمامنا الأوراق المطلوبة، وطلبوا تعبئتها، بما في ذلك الدعوة ورقم هوية صاحب الدار، التي أرسلها لنا الدكتور عدالة مشكورًا لتأكيد أن الدعوة مقدمة من شخصية معنوية معروفة، لها رقم بطاقة وطني.
الأمر المهم في الحصول على التأشيرة كان أن رسوم التأشيرة تُدفع فقط بعد الحصول عليها، خلافًا لبعض السفارات التي تستحصل المبلغ مع تقديم الطلب، ولا تُعيده سواء حصلت على التأشيرة أم لم تحصل.
ومما زاد الأمر تسهيلًا، كان تدخل صديق عراقي-جزائري بطلب مقابلة مع السفير الجزائري في بغداد. كان السفير مرحبًا، واستمر اللقاء لأكثر من ساعة ونصف، تحدثنا خلالها عن عمق العلاقات بين العراق والجزائر وأوجه التشابه بينهما (سيحين الحديث عن المتشابهات لاحقًا).
خلال هذا اللقاء، انفتحت البوابة الثانية. ربما كانت المرة الأولى التي أقابل فيها سفيرًا داخل سفارته، خارج إطار عملي الصحفي الذي كنت ألتقي خلاله بالسفراء عند زيارتهم إلى كربلاء. في تلك المقابلة، أُبلغت بضرورة إيصال الدعوة إلى وزارة الثقافة الجزائرية لتسهيل عملية التحري والقبول، وهو ما حصل. واصل الدكتور بغداد، بناءً على طلب الدكتور عدالة، العمل على تسهيل المهمة.
لم أكن أعرف ملامح أيٍّ منهما، ولم يكن بيننا سوى رسائل عبر الماسنجر والواتساب، لكن القلوب تفتحت على أزهار من المحبة، يفوح عطرها بالتواصل.
في تلك الأثناء، وقبل الحصول على الموافقة، تم الاتفاق مع دار أدليس. كانت المراسلة عبر الفيسبوك، حيث عرضتُ لهم نتاجي وأخبرتهم بنيتي زيارة الجزائر وحضور المعرض. وافقوا على طباعة أربع روايات.( حب عتيق- قلق عتيق- السقشخي- ستاريكس)
عند زيارتي لجناحهم في المعرض، تفاجأتُ بأن صاحب الدار شاب طموح، كثير الحركة، يعرف ماذا يفعل. وكان الأمر ذاته مع دار العوسجي، التي طبعت لي ثلاثة كتب (البدلة البيضاء للسيد الرئيس- الصورة الثالثة - الفكرة وفاعلية الحكاية) صاحبة الدار كانت أكثر ترحيبًا بالأمر. وقد ارسلت الكتب الى الفندق الذي سكنت فيه في العاصمة الجزائر.
كما راسلتُ صاحبة دار العوض، وهي شاعرة لم أكن أعلم أنها صاحبة دار نشر، وتدعى الصديقة سوسن محمود. عندما علمت بالأمر، وافقت على طباعة روايتي (تاريخ المرايا).
كان كل شيء يسير بهدوء الجمال الجزائري، حتى شعرت بالخجل من الرد على هذا الكم من الجمال الذي حظيت به من قبل الدور الأربعة. ربما كنت أكثر أديبٍ عرضت كتبه في المعرض، حيث أُضيف إلى ذلك عرض بعض الدور العربية لما طُبع لي من كتب وشاركت في المعرض. ومنها دار الامير في فرنسا التي شاركت في رواية ( سفينة اسماعيل)
يتبع...

***

2- الحلقة الثانية: المطر والشاعر المتمرّد

حصلنا على الفيزا أنا وصديقي الناقد العابدي، لكن موعد السفر لم يتحدّد بسبب الطيران وتوقّف بعض الشركات، وأسباب أخرى شخصية ليس مجال ذكرها الآن. تحدّد اليوم أخيرًا، وهو الأحد العاشر من لشهر تشرين الثاني، لتكون العودة يوم الخامس عشر منه، وهي أقصر فترة سفر في كلّ سفراتي التي لم تقل عن أسبوع.
على العموم، وصلنا المطار للسفر إلى إسطنبول بعد أن تغيّرت رحلتي من مطار الدوحة بسبب تأجيل الرحلة ولم يخبرني صاحب الشركة بذلك. هناك في البوابة الاولى للدخول الى مطار بغداد، التقينا بشاعرٍ كان مدعوًا هو الآخر ضمن ضيوف المهرجان، كما أوضح في كتاباته عن السفر (لم يذكرنا أنا وزميلي العابدي). كانت رحلة جميلة بين ثلاثة مطارات حتى وصلنا إلى مطار هواري بومدين قبل انتصاف الليل.
وضعنا أمتعتنا على عربتين واتجهنا إلى باب المغادرة. كل أبواب المطارات في العالم تكون متاحة للمسافرين لاستقبالهم من قبل أقاربهم أو معارفهم، إلا مطار بغداد، حيث يكون في الأسفل، ولا تجد من يستقبلك إلا سائقي سيارات الأجرة، مما يحوله إلى ما يشبه "كراج العلاوي"، وكأنه صُمم ليكون كذلك.
في مطار هواري بومدين، كانت المساحة واسعة والمستقبلون يقفون خلف مصدات حديدية. أمام تعب السفر بين ثلاثة مطارات وقلّة وقت الترانزيت في مطار إسطنبول، حيث لا تعرف البوابة التي يجب أن تذهب إليها ولا أحد يدلك من العاملين في المطار، فقد اعتمدنا على الشاشة التي تتحرك بسرعة. وفترة الترانزيت كانت ساعة ونصف، وصلنا إلى البوابة قبل انتهاء الوقت بقليل. وفي هذه الفترة، كان تدخين السجائر أمرًا لا بد منه للصديقين العابدي والشاعر.
من بين مئات الأصوات المتداخلة، كنت أسأل وأنا أخرج من البوابة: كيف لي أن أتعرف على الصديق الذي قال إنه سيستقبلنا، ولن يستقبلنا أحد غيره؟ حتى أني أخبرت دار النشر والدكتور عدالة وبغداد أن صديقًا تعهد باستقبالنا، خاصة بعد أن انفرط عقدنا وعدنا اثنين في الطريق.
لكن صوتًا تحدث باللغة العربية، بمخارج حروف من يلقي القصيدة، وبنبرة من يريد أن يجعل حمامة الفرح تحلق فوق رؤوسنا، صاح: "أيها العراقي علي لفتة سعيد!" كانت الساعة قد انتصف فيها الليل في العاصمة الجزائرية، وانتصف الفرح وحلقت الراحة في نفوسنا. كان صديقنا الشاعر صادق سلمانية، الذي كان صديقي عبر الفيسبوك، ومنذ لحظتها وهو يريد أن يفعل ما يجعلنا في فرح وراحة، ويقول جملته: "أنا في خدمتكم وخدمة العراق العظيم."
لا ينفك يردد الجملة التي لا تجعلنا أنا وصديقي العابدي نتحدث. "أنتم أهل الكرم." كان يحمل أمتعتنا بيده رغم أنه يكبرني بثلاث سنوات، لكن عوده كان قويًا، لا يقول: "تعبت،" ولا يردد سوى الفرح، ويعبر عن فرحه بأننا معه. كان رجلًا ممتلئًا طيبة، وشاعرًا متمردًا على الحياة. لديه سيارة من نوع "مرسيدس" قديمة، حتى أنه حوّر زجاج النافذة من اليدوي إلى الآلي عبر لصق زر على "يدّة" الباب، ويقول: "هذه السيارة في خدمة الأصدقاء."
شعرنا منذ اللحظة الأولى أننا بين أهلنا، حيث نجد الترحاب في كل مكان. أخذنا إلى شقة لصديق له لنبيت فيها. بدأ المطر ينهمر، ودرجات الحرارة تأخذ في الانخفاض.
بتنا حتى الصباح، ثم أخذنا في جولة صباحية على الفنادق. لكن الأجمل في ذلك اليوم (الاثنين) أنه أخذ امرأة عراقية من دارها إلى المطار متبرعًا بإيصالها، ضمن ما يقول دائمًا: "إن سيارته في خدمة العراقيين."
أما نافذة الشقة في الدور الرابع، التي تطل على البحر، فكان المطر أشبه بأغنية رقيقة. كنت أسمعه يغني: "يا جزائر!" فتتراقص الأشجار على نغم الصبا، فيما كان الهدوء يغلف الشوارع، والريح الهادئة تغازل أمواج البحر، فتهدينا اطمئنانًا عجيبًا.
طلبنا من الشاعر الصادق أن يأخذنا إلى المدينة والبحث عن فندق مناسب يكون وسط المدينة، قريبًا من معرض الكتاب. حمل حقائبنا وأنزلها إلى السيارة، كما حملها ليلة الأمس من السيارة إلى الطابق الرابع بخفة شاب في العشرين.
وهو ما فعله بعد أن أسكننا في فندق السلطان بأربعة نجوم. كان فندقًا رائعًا، قد أنشد فيه الشاعر الصادق قصيدة، ليودعنا ويعود لنا بعد ساعتين ليقلنا إلى المعرض، ولكن عبر الترامواي.

***

الحلقة الثالثة: الترامواي وخبز العباس

في ليلةِ الوصول، لم يأخذنا مُضيفُنا الشاعر إلى الشقّةِ مباشرةً، بل اصطحبنا في جولةٍ مسائيةٍ بعد انتصافِ الليل، وراح يشرحُ لنا كلَّ شيءٍ يراه. لم يُلقِ بالًا لتعبِ السفر، وكأنّه يعرفُ أنَّنا في توقٍ لمعرفةِ المدينة، حيث ذهب التعبُ بابتسامته وطريقةِ كلامه التي يتبادلُها معنا باللغةِ العربيةِ الفُصحى، وهو الأمرُ الذي أثارَ بعضَ الناس الذين نصادفُهم على قلتِهم، حيثُ المدينةُ تنامُ مُبكّرًا أو يأوي الناسُ إلى بيوتِهم مُبكّرين بعد تعبِ النهار، مثلما هو أثرُ السنواتِ العشرِ التي مرّت على الجزائر في مواجهةِ الإرهاب، حيث لا يخلو حديثٌ من الاستذكار مع أيِّ شخصٍ نصادفُه في المدينة.
في تلكَ الجولةِ، مررنا على أماكنَ مُضيئةٍ، أبرزُها نصبُ الشهيدِ الذي يقعُ على قمّةِ جبلٍ وحيثُ يراهُ الجميعُ كأنَّ الأرضَ تدورُ حوله، مثلما مررنا على أكبرِ جامعٍ في شمالِ إفريقيا، حيثُ المنارةُ العاليةُ التي تدورُ حولها المدينةُ وتكونُ ظاهرةً في المشهدِ أنَّى توجهتِ الطُرُقُ، وهو الأمرُ الذي بدا لنا واضحًا في النهار.
حينَ خرجنا من الفندقِ للذهابِ إلى معرضِ الكتاب، أو صالونِ الكتاب كما يُطلَقُ عليه في الجزائر، كانت الشمسُ نعسانةً وهي تختفي خلفَ غيومٍ بيضاءَ ترقصُ في سمتِ السماءِ، وثمّةَ نوارسُ تحطُّ على أسطحِ البناياتِ كما كنّا نراها من نافذةِ الفندق، وهي تستريحُ من تعبِ التحليقِ فوق أمواجِ البحرِ التي تتلاطمُ كلّما هبّت ريح.
صعدنا التراماوي، وهو ذاتُه في تركيا وتونس، لكنَّه لم يكن موجودًا في العراق، ربما كان في بغداد كما قيل واندثرَ، كما اندثرت الكثيرُ من المعالمِ التي يعشقُ المسؤولون الجددُ عبرَ التاريخِ محوها وآثارَ من سبقهم. كانت حركتُه جميلةً وهو يتلوّى في الطُرُقات، وصديقُنا الصادق يشرحُ لنا المعالم. كانَ همُّه أن نعرفَ كلَّ شيءٍ عن أيِّ شيءٍ في المدينة. وبالتأكيد لم أحفظْ شيئًا، ولا أستطيعُ التدوينَ، فالوقوفُ في التراماوي يمنحني شعورَ الاهتزازِ داخلَ العربةِ كأنّي أسبحُ في فضاءِ مُتحرّك. جبالٌ وأبنيةٌ وتاريخٌ يتحرّك. وجوهٌ صامتةٌ وأخرى مبتسمةٌ كأنّي في بغداد، ينظرونَ لنا ونحنُ نتحدّثُ باللغةِ العربية، وصوتُ الصادق نبرتُه عاليةٌ فيُثيرُ الانتباه، فيُسارعُ إلى القولِ: "ضيوفُنا من العراق." فتنشرحُ الأسارير.
ما أعجبني هي حريةُ المرأةِ في الجزائر؛ حريةٌ ليست مُنفلتةً وليست مُقيّدة، حريةُ الحركةِ والحديثِ والخروجِ والعملِ مقابلَ الالتزامِ في المظهر. وجوهُ النسوةِ جميلاتٌ كما هي وجوهُ النساءِ في العراق. وحينَ نزلنا في محطةِ معرضِ الكتاب، وجدتُ الكثيرَ من النساءِ، وخاصةً الشابات، وهنّ يدخلنَ أسرابًا وكواكبَ إلى المدخلِ، حيثُ البوابةُ الكبيرةُ التي تنزلُ فيها إلى منحدرٍ يُفضي بكَ إلى ما يُشبهُ الغابة. وتذكّرتُ غاباتِ الموصل، أبنيةً وشواخصَ عديدةً لتدلفَ يسارًا إلى منطقةِ الصالون.
أشارَ لنا صديقُنا إلى شجرةِ رُمّانٍ أمامَ بنايةٍ لدائرةٍ حكوميةٍ قبلَ الوصولِ إلى مبنى الصالون. قال: "هذهِ الشجرةُ لا يأكلُ منها الجزائريونَ لأنَّها بطعمٍ مُرّ." وقال: "أنتم تسمونهُ طعمًا حامضًا." وذهبَ ليقتطعَ رُمّانتين وأكلنا فوجدنا طعمَها لذيذًا جدًا، وفعلها في المرّةِ الثانيةِ حينَ عدنا إلى المعرض. كان الصادقُ يجعلُنا نتحرّرُ من خجلِنا. هو يقسّمُ لنا الرُمّانَ لنأكلَ، وهو الذي يُنادي على أيِّ صديقٍ بصوتٍ عالٍ. كان حقًّا مُتمرّدًا على كلِّ شيءٍ، حتى إنَّه يرتدي (سترةً) بنصفِ كم، ويلقي الشعر. وما أنْ يُصادفَهُ أحدٌ يعرفُهُ حتى يبدأُ العناقَ ويبدأُ التعريفَ بضيفيهِ من العراق.
كانَ في داخلي هاتفٌ يقول: لندخلْ إلى المعرضِ، إلى الأجنحةِ التي تضمُّ كتبي الصادرةَ عن دورِ نشرٍ جزائريةٍ وعربيةٍ، إلى معرفةِ الوجوهِ التي كنتُ أتحدّثُ معها عبرَ الماسنجر أو الواتساب، لمعرفةِ أيّ الأسماءِ تعرفني. كانت البنايةُ كبيرةً من ثلاثِ طبقات، ودورُ النشرِ في القاعةِ السفلى هي كبيرةٌ جدًا قُسّمت إلى عدةِ أجنحةٍ ABCD. دخلنا مثلَ مَن يريدُ التنبؤَ بما يحصل، وثمّةَ ريحٌ مُنعشةٌ تضربُ وجوهَنا فتُرطّبُ ما نزلَ من قطراتِ عرقٍ لارتدائنا بدلةً أنيقةً وربطةَ عنق.
كان الازدحامُ شديدًا ونظراتُنا مُعلّقةً على عناوينِ الدورِ وأرقامِ الأجنحة. رنَّ هاتفي. كان الصديق ياسين قعودة، مدير دار "أدليس"، يسألُني أينَ أنا الآن، فأخبرتُهُ بمكاني، فقال: "تعالْ مباشرةً."
من بينِ الزحامِ المُنظّم، حيثُ لا يوجدُ ما يُعكّرُ المزاج، سمعتُ فتاتينِ تردّدان "الهوسة" العراقيةَ بطريقةٍ مُحبّبةٍ: "لا تِمادى نخبزك خبزَ العباس!" قلتُ لصديقي العابدي: "ربما عرفنَ أنَّنا عراقيّان، وربما هو حظُّ هذهِ الأهزوجةِ أنْ تنتشرَ في كلِّ بقاعِ العالم."

***

4- الحلقة الرابعة~: الكتب ودور النشر والطفل الكبير

الازدحام شديد في معرض الكتاب، والشوق أن أصل إلى واحدةٍ من دور النشر التي أصدرت كتبي يشتعل أوراه كلما تقدمنا خطوات أخرى. الفرح بالتأكيد ليس صغيرًا، ولا أُخفي تلك الرغبة الجامحة لإمساك الكتب. اثنا عشر كتابًا ليس بالشيء الهيِّن الذي لا يجعل الروح تتماهى مع الفرح. الأكتاف تضرب بالأكتاف، والمسير الهادئ الذي يجعلنا لا نخالف أيَّ شيء، ولا نقع في المحظور، هو الخجل العراقي الذي يكون مسيطرًا على كلّ حركة، وكأن رواد المعرض أو الصالون يعرفون أننا عراقيون. رغم أن الملامح واحدة، لا يتم الانتباه لنا إلا إذا تحدَّثنا، فتختلف اللهجة.
كان الوصول الأوّل إلى دار إيلياء. قرأنا اليافطة في أعلى الجناح، ووجدنا شخصًا يدير الفعالية. كنت أعرف أن الدكتور عدالة يرأس مؤتمرًا في إسطنبول في ذلك الوقت الذي وصلنا فيه إلى الجزائر، وقد أخبرني بذلك، وللتأكيد على صدقه أرسل لي ورقة السفر وحجز الطائرة. رحَّب الشاب الذي بدا عليه الورع، وراح يرينا كتبي الثلاثة وكتاب الصديق الناقد العابدي. كنت فرحًا جدًّا، بكل تأكيد. وكنت أسأل عن الدكتور بغداد مدير الدار في العاصمة، وأخبروني أنه في الجامعة. كان الشاب قليل الحركة، ولأن مواعيد السفر تغيَّرت بسبب منع الطيران وسلوك شركة السفر في العراق التي تسبّبت بتغيير الموعد إلى يومين آخرين، جعل ذلك من جلسة التوقيع التي كان مقررًا لها يوم السبت أن تُلغى بعد وصولنا إلى المعرض يوم الاثنين.
خرجنا من جناح دار إيلياء لنبحث عن جناح دار أدليس، كان بذات الخط الأفقي للدار في نهاية البناية التي تفضي إلى ساحةٍ عريضةٍ تنتهي بسُلَّم الخروج من قاعات المعرض. هناك وجدنا الازدحام شديدًا. المستطيل الذي لا يتجاوز طوله خمسة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار على ما أعتقد، كان مليئًا بالحركة والروّاد والأدباء والمتفرّجين. لم يكن أحدٌ يعرفنا، لكني لمحت السيد يسين، وحين قلت: السلام عليكم، حتى رفع رأسه، وضع كتابًا كان بين يديه على منضدة الكتب، ورفع صوته: أهلًا بالأديب العراقي علي لفتة سعيد.
تلك كانت لحظةٌ مفعمةٌ بالفرح. وكانت عيناي تتجوّلان بين عناوين الكتب. لمحت ثلاثة منها: حب عتيق، وستاريكس، والسقشخي. لم أجد قلق عتيق. أخبرني مدير الدار أنها نفدت خلال الأيام الأربعة الماضية. لا أُخفي حقيقة الشك في داخلي، قلت: لست من الأسماء المعروفة جدًّا لكي تنفد النسخ المطبوعة، لكن النسخ الأخرى موجودة. وثمة أدباء شباب كانت بيدهم نسخٌ من رواياتي، وثمة من نادى باسمي ليُبدي معرفته عبر صداقات الفيسبوك. ولهذا سجَّل صاحب الدار فيديو في اليوم التالي يؤكّد فيها أن نسخًا من روايتي قلق عتيق والسقشخي قد نفدتا، وهنالك نسخ قليلة من روايتي حب عتيق وستاريكس.
كيف لي أن أصف الفرح في داخلي؟ ربما صرت طفلًا وأنا أسمع بين الحين والآخر اسمي يتردّد بين ألسن البعض من الروّاد. كانت برودة تشرين الثاني قد تحوَّلت إلى دفءٍ عجيب، بل إلى حالةٍ من التعرّق، مثلما كانت أجواء الفرح في المعرض والمطالبة بتوقيع هذه الرواية أو تلك. رغم أن حفلة التوقيع قد تم تأجيلها أيضًا لأنها كانت يوم الأحد في دار أدليس.
لكن الأمر الذي جعلني أعيش فرحًا عاشه معي صديقي العابدي، ونحن نجلس معًا أمام منضدة دائرية وضع عليها الشاب كتبنا، والتقطنا الصور ضمن جناح إيلياء، وفي ذهني أين أجد الدار الثالثة، دار العوض التي طبعت لي روايتي تاريخ المرايا. حتى رن الهاتف، وكانت الشاعرة سوسن محمود نوري تهاتفني وتسألني عن مكاني وتعلمني بعنوان مكانها في قسم (B)، لنُتَوِّج الرحلة إلى الجناح، حيث أجد روايتي ضمن رفوف الكتب العديدة لأدباء جزائريين وعرب.
في جناح العوض. كانت الشاعرة سوسن منشرحةً وفرحة بوصولنا. حدّثتنا عن الشعر والطباعة، وتحدّثنا عن أهمية اللقاءات الثقافية بين أدباء الوطن العربي. تحدّثنا عن المعرض وعن الجزائر. كانت بوجهها البشوش تمنح الجلسة الكثير من المرح والراحة. لكن هاتف الشاعر الصادق قد رنّ.. يريد أن يذهب بنا إلى البحر، بعد أن نتناول الغداء في مطعمٍ يقدّم الأكلات الجزائرية.

***

5- الحلقة الخامسة: البحر والشخشوخة والشاي الأسود

انطلق بنا الشاعر الصادق في شوارع المدينة. الظهيرة لا تُحسَب على ظهيرات العراق. الروح تنبعث من مسامات الأشجار، فتتحوّل الظهيرة إلى ربيعٍ محبّبٍ بالنسبة لمن قدم من لهيب الصيف وبرد الشتاء ورعده، وضيق الحرية التي تعاند في البقاء وسط حشد الصعوبات التي تواجه الفرد في الحياة. تلك الحياة التي تتصارع فيها الأفكار، فلا أحد يعرف مصدرها، فتتناثر الآهات من حلوق الأميين الذين يسارعون بالتضحية بالحياة من أجل وهم الأفكار.
الشعوب تبني العقول، وفي بلدنا السياسة تُعطّل العقول وتجعل نسب الأميّة تتصاعد بشكلٍ مخيف. فالحرية في الجزائر ليست عُريًا، كما يعتقد الكثيرون، بل التزامًا بالحياة ذاتها. حتى إننا لم نرَ ملامح لحريةٍ فاشلة أو حرية فارغة أو منفوخة سرعان ما تنفجر مع أول ضربة دبوس، كما يُقال. ويبدو أن الأمر محسوب، بعد المتغيرات التي حصلت في بعض البلدان العربية، بما فيها العراق.
كل شيءٍ هادئ في المدينة، لا صخب ولا زعيق منبّهات السيارات ولا صوتٌ مرتفع. ربما هو المشهد الذي صادفنا، أو ربما المشهد الذي نتحدث عنه هو ما كان معنا بتجربة.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف. خرجنا من المعرض بعد أن التقينا بالأديبة الجزائرية نور النعيمي. الصديقة التي التقيتُ بها في مهرجان "نور تونس" قبل أكثر من عام، وشاركنا في جلسة نقدية عن الأدب العربي. جاءت من مسافات بعيدة لتلتقي بنا في المعرض. كانت دار "إيلياء" مكان اللقاء. تحدّثنا عن الأدب وعن الأخوة. كانت أديبة رائعة تسكب الكلام بطريقة الصدق الذي يعرف المراوغة. عبّرت عن إعجابها بكتابي النقدي الذي قرأت عنه في تونس: الأدب الغاضب وتحولات النص.
أخبرتها أنه تحوّل إلى كتابٍ أصدرته دار "إيلياء" مشكورة، كما أصدرته قبله مؤسسة "أبجد" في العراق، ودار "العندليب" السودانية. تحدّثنا وتعرّفت على الصديق العابدي. أخذ الوقت منّا وطرًا قبل أن نذهب إلى دارٍ أخرى. ودّعنا بعضنا على أمل اللقاء مجددًا.
الهدوء في الشوارع البعيدة عن مركز المدينة يمنح فرصة للتأمّل. أنظر إلى صديقنا الشاعر، ونتنابز أنا والعابدي عن طيبة هذا الرجل الذي يعبر عن تمرّده بالشعر، وعن خدمته بالحمد، وعن انتمائه بالوطن. قال له العابدي: "أريد أكلة جزائرية، نريد أن نجرب الطعام." لم أكن معارضًا، لكني لم أوافق أيضًا. فالعمر له بعض الخوف؛ ربما أتناول طعامًا فيه من الحرارة ما يشعل لهيب المعدة.
دخلنا إلى مطعم ديكوره تراثي. بُسط منسوجة معلّقة على الجدران، والكراسي عبارة عن "تكيّة" مربّعة بلا مساند. الهدوء يُعبّر عن هدوء المدينة والناس. كانت فتاة شابّة وجميلة تمسك دفترًا صغيرًا لتدوّن الطلبات. قال العابدي: "أريد أكلة الشخشوخة." تبيّن أن الصديقة النعيمي أخبرته بها.
قلت له: "لا أعرف أكلة الشخشوخة... اطلب واحدة لك وأنا سأتناول الدجاج المشوي، ونتقاسم." ما دامت أكلة الكسكسي لم نطلبها. كانت الأكلة طيبة مثل أكلة التشريب لدينا، لكنها كانت ذات طعمٍ حارّ المذاق، فابتعدتُ عنها.
تناولنا الغداء. المشكلة الرئيسة في الجزائر أننا لا نجد في المقاهي الكثيرة، أو مقاهي الأرصفة، من يقدّم الشاي الأسود، أو ما يُطلقون عليه الشاي الأحمر. لذا علينا أن نبقى حتى العودة إلى الفندق لنعدّ الشاي الذي جلبته من العراق.
قال الصادق: "سنذهب إلى البحر، وهناك تنسى الحاجة إلى الشاي. أعرف أن العراقيين يحبّون الشاي بعد الأكل."
أخذنا الطريق في متعرّجات الطرق. شوارع ضيّقة غير واسعة، لكن لا ازدحام. لأن كلًّا يشير في مسراه واتجاهه، أو كما نسميه "سايده". أمام البحر وقفت.. كان الشارع أعلى منه بنحو خمسة أمتار..
نزلنا سلمًا. كان الناس يتماوجون على الرمل. وكان هناك من يجلس على الصخر وهناك من يصطاد السمك الصغير الذي يسمونه (الحوت). موج البحر يضرب الصخوؤ التي جعلت سياجًا يتلقى ضربات الموج حتى لا يؤذي الناس.. تحولنا إلى أطفال صغار. بعمر الأحفاد نريد الفرح. لا رقيب علينا ولا ممنوع. فالطفولة أن تعيش بلا حدود. وأن تتظافر المحبة مع الحرية، ربما الحدية الزائدة وفرط التقاليد تأتي من الصحراء ومن غياب البحر. قلتها مرة وأنا أزور تونس والإسكندرية في مصر. إن الهدوء في الشعوب يتبع البحر. والعصبية فيها يتبع الصحراء. ونحن أهدأ من مدن الصحراء قليلًا كان الريف يعشش في الثنايا. اقترح علي صديقي العابدي أن أقرأ قصيدة ويسجلها فيديويًا.. أنا الذي لا أحفظ عناوين كتبي من أين أتي بالذاكرة لأقرأ، وجدتها فرصة. بعد أن قرأ الشاعر الصادق قصيدة وسجلتها له فيديويًا. هو يمتلك ذاكرة شاعر عمودي. وأنا أمتلك ذاكرة كاتب أراد النسيان منذ الطفولة حتى لا يتذكر العذاب. تذكرت أن لي نصًا قصيرًا نشرته على متصفحي.. وقفت على صخرة سوداء وألقيت القصيدة. ثم جلسنا في مكان آخر وراح العابدي يسجل لي طفولتي.. ولأني لا أحفظ فقد كان الغناء عبثيًا لكنه جميل. شعرت أن الدنيا جميلة وأن الجزائر تمنحني صفة الهرب من عقال الممنوعات والحرام والعيب. لذا لعبنا حتى غربت الشمس وتذكرت
الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام
حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه، متى أنام
لكن هو الاختناق الذي ربما شعر به السياب وهو يكتب القصيدة كردة فعل على غياب الاحتضان في بلدٍ تحوّل إلى عسس وسلاح ومنابر

***

6- الحلقة السادسة: لقاءات وحوارات

الأجمل في السفر أن تلتقي بأناس بينكم معرفة ومودة وإبداع. رغم أن الكثير من أصدقائي هم من خارج العاصمة، وهو ما عرفته منهم، بما فيهم الروائي عز الدين جلاوجي، وكذلك الناقدة الدكتورة غزلان هاشمي التي كتبت مقدمة كتابي (فهم اللعبة...)، وأيضًا سمير قسيمي، وصديقي نور الدين مبخوتي، الذي التقينا في مهرجان نور تونس في تونس، الذي كان قد كتب لي ليوفر لي أجواء السفر، وغيرهم الكثير. فيما حدد الدكتور حمام محمد مجيئه إلى العاصمة في اليوم الأخير لزيارتي.
كان الدخول إلى المعرض يشبه الدخول إلى مغارة مليئة بالناس من كل لون وشكل وجنسية. وبين الدخول من أجواء باردة تغمرها الغيوم في السماء وبين أن تتلمس الخطوات لعل أحدًا ما تعرفه وتلتقيه.. هاتفتني السيدة حياة قاصدي، وهي مديرة دار الأمير التي نشرت لي رواية الصورة الثالثة المترجمة إلى الفرنسية ورواية سفينة إسماعيل. فرحت حقًا. إنها تنتظر اللقاء في دار مسكياني. ويا ليت أن تعرف المكان. وعليك أن تعرف القواطع ومن ثم البحث عن الدار. هناك التقينا. سلمنا على بعضنا وأخذنا صورًا في دار مسكيلاني مع السيدة حياة ومديرة الدار التي ستصدر روايتي الجديدة (سؤال النار) التي اكتمل تصميم غلافها أمس.
خرجنا لنعود إلى دار أدليس، حيث جلسة حفل التوقيع مع البيع. تحلق حولي شاب أسمر معرفًا بنفسه ويعرفني بأنه يعرفني، وأن اسمه علي أيضًا. هو قاص شاب طموح علي ميموني، وثلاثة فتيات—نسيت الأسماء حقيقة. ودار حوار عن الرواية وكيفية كتابتها، وطلبت مني إحداهن أن أعطي بعض أسرار الكتابة. قطع النقاش صوت شاب يضع على عينيه نظارة طبية، يقف أمامي وينادي: "هل أنت الأديب العراقي علي لفتة سعيد؟" وقفت لأردّ التحية. عرّفني بنفسه أنه ابن صلاب، صاحب دار الماهر التي نشرت لي رواية مثلث الموت عام 2019، لتكون أول دار جزائرية تصدر لي كتابًا وتعرفني بالقراء الجزائريين. أخذني الشاب إلى جناح الدار وسجل لي سلامًا لوالده.
رغم الازدحام الشديد، يكون الترقب مفيدًا، وثمة اعتقاد أن من بين الجموع ثمة واحدًا على الأقل سيعرفني. وهو ما حصل. نادت امرأة بشكل فرح، تعبر عن سعادتها: "الأستاذ العراقي علي لفتة سعيد!" وقفت مرتبكًا لأن أيدينا كانت فيها بقايا رمان قطعه لنا مضيفنا. وقفت لأردّ التحية. قالت: "أنا تركية"، وهي تكتب اسمها في الفيسبوك (تر-كية). ولأني أعاني النسيان، تذكرت بمجهود عقلي، وأخذت تعرفنا بمن حولها. قالت: "أنا صحفية." أجرت معي حوارًا سريعًا عن رأيي بمعرض الكتاب وزيارتي له كعراقي، وقالت إنها سترسل أسئلة بعد انتهاء المعرض ليكون حوارًا واسعًا.
لم تنتهِ اللقاءات. في المساء اتصل بي الشاعر توفيق ومان. أخبرته بمكان سكني. قال: "سأمر عليك صباحًا." وهو ما حصل. رن الهاتف قبل انتصاف النهار وقال: "أنا في صالة الفندق." التقينا وتبادلنا الأحاديث الشيقة.. كان الرجل مليئًا بحب بلده. حدثنا عن الإرهاب والمعرض وكيفية إعادته. وعن علاقته بالعراق وأدباء العراق، وخاصة الشعراء الشعبيين، كونه يترأس صالونًا أو جمعية في هذا الاتجاه. أخذنا لنجلس على قارعة الرصيف لمقهى شعبي. هناك استمر الحديث معنا أنا والعابدي.. ثم ودعنا لنذهب إلى المعرض.
في اليوم الأخير
هاتفنا الدكتور محمد حمام من أنه قادم إلى المعرض. حملنا المضيف الصادق بسيارته المرسيدس، بعد أن أودعنا الحقائب في أمانات الفندق لأننا سنغادر بعد العشاء إلى المطار. التقينا مثلما يلتقي إخوة. الناقد الذي كتب عني وكتبت عنه، لكنه زاد من كتابته لأنه ألّف كتابًا عن روايتي لي، عنونه (اللذة والألم في الرواية العربية: رواية البدلة البيضاء للسيد الرئيس أنموذجًا). هناك، في جناح إحدى الدور، التقينا. مثلما التقيت بقناة فضائية أجرت معي حوارًا صغيرًا عن الغلاف في الرواية.. وأجرى الدكتور معي ومع العابدي حوارًا، قال إنه سيبثّه على طلبته في الكلية، عن مبدع عربي له اهتمامات ثقافية عديدة. كان لقاءً مفعمًا جدًا وروحيًا.
لكن الأجمل في كل هذه اللقاءات هو ما فعله الدكتور بغداد. هاتفنا، وقال: "هيئوا أنفسكم لأضيفكم على وجبة عشاء." وهو ما حصل. جاء بعد الثامنة مساءً. بعد الترحيب وتقديم الاعتذار، من أنه لم يتفرغ لضيافتنا قبل هذا الوقت. قلت له: "أنا أعرف أن الأمر لن يكون ميسّرًا في أيام إقامة المهرجانات والمعارض." كان دمث الأخلاق. في فندق "سوفيتال" الذي كان مخصصًا لوفود المعرض من المدعوين الرسميين.
على العشاء. جاء أديب يرتدي الملابس الجزائرية وسلم. ووجه سؤاله: "أليس أنت الأديب علي لفتة سعيد؟" يا لذاكرتي نسيت اسمه حتى الآن وأنا أدون. وهو صديق على الفيسبوك. لكن المشكلة أن الأغلب في الجزائر والمغرب العربي يكتبون أسماءهم بالحروف الفرنسية، فتتيه علينا نحن أمييّ اللغات في المشرق العربي وخاصة في العراق. ليقيم لنا جلسة في إحدى صالات الفندق الواسعة. تستمر لأكثر من ساعة. وكان الدكتور بغداد، رغم تعبه، أراد لنا أن نكون في جوّ المعرض وضيوفه. ليعيدنا إلى الفندق تحت زخات مطر تبلل الزجاجة الأمامية للسيارة، وهو يردد: "قدومكم خير، جلب المطر معه."

***

7- الحلقة السابعة: المترو و(المعدومين) وهدايا الأحفاد

كُنّا قد قرّرنا، أنا وصديقي العابدي، أن يكون يوم الأربعاء جولةً حرّةً في العاصمة، أن نكون وحدنا نجوب المدينة حيث يمكن لنا ذلك، فقد تعرّفنا على الشوارع وأخذنا المعلومات من مُضيفنا الصادق سليمانية. كانت محطة الترام على بُعد مئة خطوة أو مئتين من الفندق.
خرجتُ بملابس غير رسمية: بنطلون كاوبوي وقميص شتوي، وصعدنا في (فاركون) الترام. أعجبتني كلمة (فاركون) التي يعرفها العراقيّون. قال لنا مُضيفنا إنّ علينا أن ننزل في آخر محطة يُطلق عليها (المعدومين)، حيث أخبرنا أنّ كلمة المعدومين تعود إلى أنّ الاستعمار الفرنسي أعدم عائلةً كاملةً في تلك المنطقة ليبقى الاسم مُخلّدًا في تاريخ الجزائر. ثم ننزل تحت الأرض ونصعد المترو وننزل في منطقة الخليفة أو هكذا.
ولأنّنا لا نحفظ الاتجاهات، حين نزلنا في منطقة شبه جبلية، كان أمامنا جبلٌ أخضر، والناس تُسرع إلى النزول إلى محطة المترو. كان هناك أُناسٌ يجلسون في الحدائق يتلذّذون بمشهد الشمس الساطعة في ذلك اليوم. حقيقةً، لم نكن نلوي على شيء سوى أن نشتري هدايا لعوائلنا. أخبرونا أنّ هناك سوقًا وبأسعار مناسبة.
لكن المترو لم نعرف كيف يتجه في النهايات؛ ليس في العراق مترو، وأينما ذهبنا في سفرنا السابق، كان هناك دائمًا من يقود حركاتنا من أهل البلد. صادف أن وجدنا امرأةً فارعة الطول أو فتاةً تُمسك بجهاز الموبايل وهي تمشي بهدوء باتجاه سُلّم النزول إلى المترو. سألناها عن منطقة الأسواق، وقلنا نريد منطقة خليفة بوخالفة ميسوني، وعرفناها أننا من العراق. تهلّل وجهها وقالت لنا: "أنا ذاهبةٌ إلى ذات المكان."
هذه الموافقة جعلتنا نشعر بالاطمئنان من أنّنا لن نتيه، وأنّ علينا أن نستغل هذا الاطمئنان لتجوّل البصر في تفاصيل الأماكن. كُنّا نسمع صوت المترو مثل موسيقى هائمة تأتي بصدى الأرض وتجاويفها. وأثار السؤال في نفسي: لماذا لم تعمل الحكومات العراقية السابقة عبر تاريخها العتيد الممتد على زمن الحروب والحصار والطغاة على إنشاء مترو في بغداد على الأقل، يتجوّل تحت المدينة ويفتح بينها وبين الفضاء أبوابًا من الضوء؟ ولماذا لا يوجد ترام وهو فوق الأرض كما هو في تركيا وتونس ومصر وربما دول أخرى؟ وهي دول كانت تحت سيطرة العثمانيين كما كُنّا نحن؟
لم أجد الجواب الذي يدور في رأسي من سنوات سوى أننا شعبٌ لا نمتلك رجالًا يقودون البلاد بصورة صحيحة، وأنّ بعض الأمور تختلف عن الشعوب الأخرى، ليس مجال ذكرها الآن.
كانت الفتاة الفارعة الطول تلتفت كل حين لترى أين صرنا. ونحن نجول بأبصارنا إلى نظافة المكان في المترو وهدوئه، ذهبت إلى شباك التذاكر. ذهب خلفها العبادي، وهو أمين صندوق السفرة، باعتباره موظفًا في أحد المصارف، لذا لم أعرف كيف تصرّف العملة وكم هي تتراوح بين لفظة الآلاف والملايين. فلا أُتعب نفسي في التفكير المالي.
مدّ العابدي يده وفيها عملات معدنية. ضحك صاحب الشباك ومدّ يده من تحت قوسٍ فارغ في الزجاجة العازلة بين الاثنين. سحب الرجل عملةً واحدة وأرجع عملةً أقل حجمًا، ولم نعرف كم. لم نشعر أنّه يستغل الأمر، وهو ما يحصل مع كل عملية دفع في الترام أو المترو، حيث كان شعور الاطمئنان بالثقة يتزايد معنا كغرباء في بلد يمكن أن يعرفوا أنّنا من خارجه ما أن نتكلّم مع بعضنا، حيث تلتفت الرقاب نحونا.
صعدنا في عربة (فاركون) المترو، وأمسكنا بأعمدة موضوعة في وسط العربة، ننظر إلى الوجوه الهادئة والناس التي تقف بالقرب من بعضها: نساء ورجال وأطفال وشيوخ. لا شيء يمكن رؤيته من زجاج العربة، لأنّها عبارة عن جدران تحت الأرض، ولكن نراها جدرانًا مُنحنيةً على شكل قوس. كانت ثمة إذاعة داخلية تحدّد مكان المحطة القادمة ليتهيّأ النازل ليكون قرب الباب، فما بين الوقوف والانطلاق بضعة ثوانٍ. لم نكن عابئين بالمحطة، لأنّ الفتاة لم تزل واقفة. وأخيرًا أشارت لنا بالتهيّؤ. ومثل تلميذين صغيرين امتثلنا لحركة يدها لنقف بالقرب من الباب.
نزلت، ونزلنا، نتبع الخطوات. أشارت لنا أن نذهب بهذا الاتجاه؛ ثمة سوقٌ طويل سنجد فيها مآربنا من البضائع. سرنا متطلّعين إلى الأمام، ودخلنا شارعًا ضيقًا لنجد أنفسنا وسط سوقٍ طويل كأنّه سوق الشورجة أو أي سوق مكتظ بالمُتسوّقين. دخلنا العديد من المحال، وكان في داخلنا خوفٌ من أن يُعرف أنّنا غرباء، فتكون الأسعار أعلى.
لكن الأسعار كانت مُثبّتة على البضائع، والحق أنّه ما إن يعرفوا أنّنا عراقيان حتى ينخفض السعر. اشترينا الهدايا، كلٌّ لعائلته. رنّ الهاتف، المتصل مضيفنا الصادق، يسأل أين نحن. كانت الساعة تقارب الثالثة ظهرًا. أخبرناه بمكاننا، فقال: "انتظرا، سآتي خلفكما."
لم تمضِ نصف ساعة حتى هاتفنا الرجل من جديد. اتفقنا على مكان الانتظار والجلوس في حديقة صغيرة أشبه بفسحة لراحة الناس من تعب التجوّل. ففي السوق، كل شيء يُباع داخل المحال أو على الأرصفة، كأنّنا في إحدى المدن العراقية. التقطنا صورًا تحت شجرةٍ عملاقة كان المشهد تحتها نصف مضاء ونصفها ظلال.
جاء إلينا بوجهٍ بشوش وخطواتٍ لم يمنع الشيب من تحريكها بمهارة رياضي يتهادى على الحركة. ثم مضينا من جديد إلى داخل السوق لشراء حقيبة سفرٍ للعابدي، الذي تكسّرت حقيبته أثناء نقلها في المطارات. بعدها أخذنا إلى مكان آخر، متنقّلين في المترو كأنّنا نتنقل على جناح من الحركة التي تتهادى مع برودة بدأت بالقدوم مع ساعات العصر المُهيّأة لاستقبال الغروب.

***

8- الحلقة الثامنة : ساحة الشهداء، حمام الحضرة، وغصة المقارنة

قال مضيفنا الصادق إننا سنذهب إلى ساحة الشهداء. لم تكن بعيدة عن السوق، فخرجنا، تحفّ بنا الأشجار، وتحمل إلينا الرياح المنعشة دفئها، تحت الشمس الساطعة التي أغرت الكثير من الناس بالتشمس في أماكن جلوسهم.
اتصل الصادق بابنه ليأتي إلى المكان ويأخذ حقيبة السفر التي اشتراها العابدي، بعدما وضعنا فيها الهدايا. انتظرنا قرب نصب في منتصف ما يشبه الرصيف العريض جدًا. كان كل شيء ينطق بالتاريخ: الأبنية، والنصب، وحتى الأشجار المعمّرة.
بجوارنا كانت حديقة مسيّجة، يجلس على حافتها الإسمنتية كثيرون؛ بعضهم متعب من طول الانتظار، وآخرون يبحثون عن شمس دافئة لتجدد أجسادهم. قلت للصادق: "سأجلس هنا لأريح جسدي قليلًا"، بينما بقي العابدي يدخن سيجارته. كانت سيجارته، في كثير من الأحيان، تحمل مرارةً حين يعجز عن التدخين في الأسواق المزدحمة، أو داخل المعرض، أو في الطائرة، أو في أي مكان يمنع فيه التدخين، فتبدو السيجارة كأنها حلم بعيد المنال.
أنا مدخن سابق، وأعرف تمامًا ما يجول في خاطر المدخنين حين تضيق بهم المساحات.
تقدمت لأجلس على حافة سياج الحديقة المربعة التي تمتد من حافة الرصيف العريض إلى نهايتها، المرتبطة بأماكن تاريخية البناء. فوجئت بأنّ المكان ليس مجرد حديقة، بل موقع تاريخي مسيّج، يبدو منخفضًا بنحو خمسة أمتار أو أكثر.
أردت أن أنادي الصادق ليسألني عن هذا المكان، لكنه كان مشغولًا يهاتف ابنه، ممسكًا بالحقيبة، والعابدي بجواره يستغل الوقت لينهي سيجارته قبل أن نذهب إلى مكان آخر يُمنع فيه التدخين.
بقيت مشدودًا للمكان، متسائلًا إن كانت هنا معركة قد وقعت، أم أنه موقع دفن لموتى، أو ربما بقايا منازل لحضارة قديمة. وفي خضم انشغالي بهذا التساؤل، أخذني مشهد الحمام المتجمّع في الساحة، كما هو الحال في أغلب المدن العريقة، وكما هو الحال في كربلاء عند ما يُعرف بـحمام الحضرة.
ناديت على العابدي ليلتقط لي صورًا وسط الحمام، لكن التصوير لم يكن ممكنًا للموقع التاريخي نفسه؛ فلم يظهر منه سوى السياج، لعمق المكان. لكن مضيفي قال ان اسمها سابقا كان (ساحة العود) وهكذا كانت تسمى في العهد الفرنسي, وكان في الساحة تمثال كبير لرجل على حصان لذلك يسمونها ساحة العود والعود عندنا هو الحصان، ثم لاحقا أطلق عليها ساحة الشهداء، ثم ذكر لنا ما هو متوفر من معلومات على شبكة العنكبوت العالمية، إن هذه الساحة التي تقع في القصبة السفلى بالعاصمة الجزائرية. تزخر بتاريخ كبير حيث تدلُ الحفريات التي أجريت مؤخرًا على أن تاريخ المكان يعود إلى الحقبة النوميدية، كانت عبارة عن مجموعة من القصور ذات طابع اغريقي. أبان الاحتلال الفرنسي كانت مكانًا للإعدام العام للمقاومين الجزائريين من 1830م حتى الاستقلال. قبل ذلك وطيلة خمسة قرون من الجهاد البحري في البحر المتوسط كانت الساحة تضم أكبر سوق للرقيق الأبيض الأوروبي.
كان على جانب الساحة، طفل صغير يركض خلف الحمام، يثيره ضاحكًا كلما همّ بالجلوس وسط الطيور. كانت البراءة متجسدة بين الطفل والحمام، بينما أنا انعزلت عنهما قليلًا، أراقب الحدائق التي تجلس فيها العوائل.
في الطرف الآخر من الحديقة، توجد محالّ وباعة أرصفة، تذكّرني بسوق شارع الرشيد، بأعمدته الرخامية وبياضه الذي لم تأكله شمس العراق اللاهبة.
الجزائر، برغم شمسها، لم تصل حرارتها إلى الخمسين كما في العراق. كنا نقول دائمًا إن حرّنا الشديد سببه التمر "ليستوي"، لكننا اكتشفنا أن الجزائر تنتج التمر أيضًا، بأنواع لذيذة تصدرها إلى الخارج، وكنا نتناول بعضها صباحًا مع فطور الفندق.
كان المكان، رغم الازدحام، يفيض بالهدوء. لا صراخ، ولا زعيق منبّهات. سيارات النجدة تجوب الساحة، تبث الأمن والطمأنينة.
وقفت في الساحة، أحسست كأن الأرض والبحر يدوران حولي، وكأنني في مركز الكون. الأبنية البيضاء تنظر إليّ من كل جانب.
أخبرنا الصادق أن المكان يزخر بالشواخص التاريخية: الجامع الكبير، الجامع الجديد، والمسجد الحنفي الذي يعود إلى العهد العثماني. بعضها يقع على منحدرات الجبال، وبعضها فوق قمم مرتفعة، وكلها في اتجاهات المدينة التي تفضي إلى البحر.
لم أستطع أن أمنع نفسي من عقد المقارنة، وهو أمر يتكرر في كل زيارة لي خارج العراق. طرحت السؤال: كم لدينا من أماكن أثرية؟ الكثير منها اندثر، أو هُدم، أو غاب الاهتمام به.
في شارع الرشيد وحده، توجد عشرات المواقع التي يمكن تحويلها إلى معالم سياحية لو كانت هناك رؤية سياحية واعية. أماكن يمكنها أن تكون فنادق ومزارات، كما في مدينة الكاظمية، بدلًا من أن تُربط بالماضي وفق منظور طائفي أو سياسي. تحملني الغصة وأحملها، كلما عدت لأتذكر حجم الإهمال.
عدنا أدراجنا، نزلنا تحت الأرض لنستقل المترو، متجهين إلى الفندق، نستعد لجولة جديدة في يوم آخر.

***

9- الحلقة التاسعة: الدكتوران بغداد وحمام، والتمر، والحوار

لم تنتهِ الرحلة بالخروج من المعرض كما كان يرغب مضيفنا الصادق، الذي أراد أن يأخذنا إلى الجهة الشرقية من العاصمة حيث الكنيسة الأقدم.
التقينا بالدكتور بغداد في الجناح الآخر لدار نشرٍ تابعةٍ لأخيه ميسوم. كان فرحًا بلقائنا، معبرًا عن أسفه واعتذاره لانشغاله بين المعرض والدروس الأكاديمية. لم يشأ أن نغادر دون تناول الغداء. قلت له إنّه كان أكثر من رائع منذ توجيه الدعوة، وكذلك في متابعة الإصدارات التي تكفلت داره بطباعتها. لكنه أصرّ على استضافتنا على وجبة غداء مميزة، عبارة عن أكلة جزائرية تشبه "الدليمية" مع تمر جزائري ولبن طيب المذاق.
ولم ينتهِ اللقاء عند هذا الحد، إذ أصرّ الدكتور بغداد، الذي سمّاه والده بهذا الاسم حبًا في العراق وتقديرًا له كإحدى ركائز الأمة العربية، على إهدائنا تمرًا جزائريًا. أجرى اتصالًا بموبايله، وسمعته يقول: "هيّئ لي ست علب من التمر الممتاز الجزائري." ثم أوضح لي أنّه أقل ما يمكن أن يقدمه لضيفهم، مخصصًا اثنتين لي، واثنتين للعابدي، واثنتين لإرسالها إلى السفير الجزائري في بغداد.
كان الوقت يمر سريعًا بعد ظهر الجمعة، ولم أكن أعرف إذا ما كان الدكتور حمام محمد قد وصل إلى المعرض كما وعدني في رسالته. كنت أتابع الهاتف بين الحين والآخر حتى وصلتني رسالة عبر تطبيق الماسنجر تفيد بأنه موجود في الجناح المركزي لدار "فهرنهيت". بحثنا عن الدار والتقينا هناك.
كان اللقاء مليئًا بالمودة والعناق والاحتضان والقبلات، مصحوبًا بشكرٍ للعلاقة التي جمعتنا لأكثر من سبع سنوات. لم يشأ أن يكون هذا اللقاء عابرًا خارج العالم الافتراضي فحسب، بل عرّفنا بمن كان برفقته. تصادف وجود قناة "الحياة"، فطلب منها ومن صاحب الدار أن يُجرى معي حوار بصفتي أديبًا عراقيًا وضيفًا للمعرض.
كان الضجيج في المعرض عاليًا، مما صعّب سماع الحديث بوضوح. كنت أضع سماعة على أذني اليمنى التي تعاني من ضعف السمع، لكن أصوات الزوار كانت أعلى من ذلك، خاصة مع ضيق الممرات وصغر مساحة بعض دور النشر مقارنة بحجم الزوار.
أجلسنا صاحب الدار أمام طاولة مستديرة، وجلست أمامي إعلامية من قناة "الحياة"، كانت فتاةً متمكنة تعرف كيف تقود الحوار. أجبتُ عن أسئلتها المتعلقة بصناعة الأغلفة، وربما كان رأيي مخالفًا لما هو شائع كما عبرت لي. قلت إنّ الغلاف لا يُعد "عتبة" كما يراه النقاد، بل هو عنصر جاذب يعتمد على مهارة الفنان ومصمم الأغلفة. الغلاف متغير إذا ما تعددت الطبعات، كما هو الحال مع روايات ماركيز ونجيب محفوظ. أخبرتها أن روايتي "باب الدروازة" طبعت سبع طبعات بدور نشر مختلفة، متسائلًا: أي الأغلفة يُعد العتبة؟ فهو متغير على عكس العتبات الأخرى التي تظل ثابتة بدءًا من العنوان إلى الخاتمة.
طلب صديقي الدكتور حمّام أن يُجرى معي ومع العابدي حوارًا حول تجربتي في الكتابة بأجناس الأدب المختلفة. أوضح أنّ الحوار سيُعرض على طلبة كليته كجزء من دروس اللقاءات مع الأدباء. كان الحوار مليئًا بالجمال والصدق، وطرح أسئلة عميقة دون مجاملة. قال إن الرواية العراقية تتصدر الآن المشهد العربي، وأشار إلى كتابه الذي تناول روايتي "البدلة البيضاء للسيد الرئيس" كنموذجٍ للرواية العربية التي تحاكم الألم العربي بأسلوب جديد. كما عدّ روايتي "مواسم الإسطرلاب" واحدة من الروايات الحديثة في الأدب العربي، وقد نشر عنها دراسة شاملة قبل سنوات.
أثناء الحوار، كان ابنه يصور بجهاز موبايل، لكن الضجيج في المكان ربما أثر على دقة الصوت. ومع ذلك، استمر اللقاء بحماس كبير لأكثر من نصف ساعة. تضمنت الأسئلة موضوع تعددية كتاباتي، فأوضحت أن الأدب لا يضع حدودًا ولا يُقيد بالإقامة داخل جنس أدبي واحد. الموهبة تمكّن الأديب من التنقل بين الأجناس الأدبية المختلفة، بشرط ألا يعيب من يتخصص في جنس أدبي واحد.
كنت أشعر بحرارة الجو رغم أنني كنت أرتدي قميصًا شتويا وتحت فانيلة شتوية وبنطالَ كابيوي. لكن ازدحام الأنفاس في المكان زاد من حرارة الأجواء وجمالية الحضور.
اقترب مني مضيفنا الصادق وهمس في أذني: "يا علي، علينا الخروج الآن، فهناك أماكن في العاصمة لا بد أن تزوروها لرؤية معالمها الجميلة."

***

10- الحلقة العاشرة: باب الواد والسيدة العذراء

أخذنا مضيفُنا الشاعرُ الصادقُ، في جولةٍ حُرّة. كانت الشمسُ قد أزاحت أكوامًا عديدةً من الغيوم، وظلّت بعضُ غيماتٍ كأنها طيورٌ تتراقصُ في سماء الجزائر. كانت سيارتُه المرسيدس تتهادى في الطريق، وكانت الزجاجةُ الأماميةُ تفتح لي آفاقَ التمتعِ بالمشاهدِ العديدةِ التي أراها أمامي. كان الصادقُ يتركُ في الكثير من الأحيانِ مقودَ السيارةِ ويشيرُ لنا إلى بنايةٍ هنا أو نصبٍ هناك، ويحدثنا بعمقٍ ومحبةٍ عن تاريخِ بلاده. كنتُ أرى وجوهَ الشهداءِ وهي تخرجُ من بينِ منحوتاتٍ على سطحٍ برونزيٍّ أخذ شارعًا كاملًا، فيما كان يشيرُ لنا إلى الأبنيةِ البيضِ على سفحٍ مرتفعٍ، يُبينُ لنا أننا في الطابقِ الأسفلِ من الطريق. قال لنا: "اليومَ سأجعلكم تصعدون الجبلَ لتروا التاريخَ والإطلالةَ الكُلّيةَ على نصفِ العاصمة".
في الطريقِ مررنا على الميناءِ القديمِ وعلى مطارِ الدار البيضاء، الذي سُمّي -كما قال مضيفي- على اسم المنطقةِ التي يوجدُ فيها المطارُ القديمُ. وعلى أماكنَ عسكرية. كنتُ قد أخرجتُ جهازَ الموبايلِ لأُصوّر، فنادى عليَّ أحدُ حراسِ بوابةِ البنايةِ العسكريةِ -الأميراليةِ للبحريةِ الوطنيةِ الجزائريةِ- أن ممنوعُ التصوير. أشرتُ له بعلامةِ النصرِ والاعتذارِ في الوقتِ نفسه. ثم انطلقْنا وسطَ جوٍّ يشيعُ حُبورًا.
لا أُخفي أنني كنتُ سعيدًا بوجودِ شاعرٍ مضيفًا لنا، ينتمي إلى الذاتِ التي لا تعرفُ سوى الانتماءِ الحقيقيِّ للإيمانِ بعظمةِ التاريخِ وقوةِ الحرفِ ومعنى القصيدة. كان -رغم كبرِ سنه- كأنه يريدُنا أن ننقلَ صورةً عن الإنسانِ الجزائري. لذلك، وأمامَ كثرةِ الأماكنِ، نسيتُ الكثيرَ منها.
وصلنا إلى منطقةٍ تطلُّ على البحر. الجزائرُ في أغلبِها تمتدُّ مع امتدادِ البحرِ، هي تحضنُه وهو يحتضنُها، حتى كأن الريحَ تتنفسُ من صدريهِما معًا، فتأتي بعِبقِ التاريخِ مثلما تأتي بنسماتِ البحرِ وبرودتِه المحبّبة.
أشار لنا إلى كنيسةِ السيدةِ الأفريقية. دخلْنا شارعًا ضيّقًا، وإذا به يلتفُّ بنا ويدورُ مع متعرّجاتِ الطريقِ وهو يصعدُ بنا إلى الأعلى، كأيِّ طريقٍ جبليٍّ. لكنه كان طريقًا ضيّقًا مليئًا بالبيوتِ القديمةِ والناسِ الذينَ يصعدون مشيًا أو على درّاجاتٍ وسيارات. وفي كل منعطفٍ، كنتُ أمسكُ قلبي، إذ مع كلِّ استدارةِ صعودٍ، أقول: ستصطدمُ السيارةُ بسيارةٍ أخرى قادمة. فالطريقُ له مسارٌ واحدٌ يكفي بالكاد لسيارتين. وعلى جدرانِ البيوتِ أو السياجِ الذي يحدُّ الطريقَ، قرأتُ كتاباتٍ شعرتُ معها وكأنني أعيشُ في العراق؛ من كتاباتٍ وطنيةٍ إلى إعلاناتٍ، مثلما قرأنا اسمَ "المولودية"، فتذكّرتُ نادي مولودية الجزائر.
أشار لنا قبل الوصولِ إلى قمةِ الجبلِ إلى أن هناك مقبرةً مسيحيةً تقع تحتَ سفحِ الجبلِ الذي بُنيت عليه كنيسةُ السيدةِ الأفريقية. وفي هذه المقبرةِ دُفنت والدةُ الرئيسِ الفرنسي فرانسوا ميتران. كانت المسافةُ بعيدةً لرؤيةِ المقبرةِ بالكامل، لكنه كان يشيرُ إلى تاريخٍ لم يعبثْ به أحد.
وصلْنا إلى قمةِ الجبل، حيثُ تحيطُ به جبالٌ أخرى. كان المشهدُ رهيبًا؛ إذ تنظرُ إلى الكنيسةِ كما تنظرُ إلى البحرِ وامتداداتِه الواسعةِ للبصر، تراه من علوٍّ يزيدُ على 200 مترٍ. لستُ ضليعًا بحساباتِ المسافاتِ، لكنني كنتُ مبهورًا بالمشهد.
دخلْنا أولًا إلى الكنيسة. كان هناك زوّارٌ أجانبُ كثيرونَ من أفريقيا، حيث تُلقّب السيدةُ العذراءُ صاحبةَ الكنيسة. أصبحت الكنيسةُ معلمًا سياحيًا ودينيًا وثقافيًا، كونها تطلُّ من منطقةٍ تُسمى باب الواد. وكما أخبرنا مضيفُنا، فإن المكانَ اختير بعنايةٍ من قِبَلِ الفرنسيينَ ليكونَ ليس فقط كنيسةً، بل لأغراضٍ أخرى تتعلّقُ بالاحتلال. وأوضح لنا أن حجرَ الأساسِ لكنيسةِ السيدةِ العذراءِ وُضع عامَ 1858، وافتُتحت في الرابعِ من أيار عامَ 1872. صُممت بطرازٍ معماريٍّ بيزنطيٍّ وزُخرفت بزخارفَ عربيةٍ إسبانيةٍ من إبداعِ المهندسِ المعماري جان أوجين فروماجو.
داخلَ الكنيسةِ كان هناك ممرٌّ خاصٌّ للزوار، وقد مُنع التصويرُ فيها. لم نكن نفهمُ اللغةَ التي كان يتحدثُ بها منسقُ الكنيسةِ، لكنني اعتقدتُ أنها الفرنسية. وحين خرجْنا، قال لنا الصادقُ إن سببَ التسميةِ يعودُ إلى خادمةٍ نصرانيةٍ ذاتِ بشرةٍ سوداء تُدعى مارجريت بيرجر، التي شدّت الرحالَ من مدينةِ ليون الفرنسيةِ إلى الجزائرِ في القرنِ التاسعِ عشر لتعريفِ الأفارقةِ بدينِها. استقرّت في هذه المنطقةِ العاليةِ برفقةِ الأسقفِ "بافي"، الذي طلبت منه بناءَ معبدٍ للسيدةِ العذراء. لكن تكلفةَ البناءِ كانت باهظةً، فدعا الأسقفُ الناسَ إلى التبرّع، فتدفقت الهباتُ من فقراءِ المسيحيينَ وأغنيائهم في فرنسا وأوروبا، ومن جنرالاتٍ وقادةِ فرنسا.
كان المشهدُ من أعلى الجبلِ رهيبًا. ترى الملاعبَ أسفلَ الجبل، وتشاهدُ البواخرَ من بعيدٍ تجوبُ البحر.
نادانا الصادقُ قائلًا: "اركبوا السيارة، فما زالت هناك جولةٌ أخرى ما بين السماءِ والأرض".

***

11- الحلقة الحادية عشرة – جامع الإمام علي والتليفريك لنقل الركاب

وصلنا إلى أحد منحدرات الجبل. كانت هناك بوابة عريضة تفضي إلى سلم جانبي، وإلى جانب البوابة ثمة موظف يجلس خلف نافذة زجاجية لقطع تذاكر الصعود إلى التليفريك. اقتطع الصادق ثلاث بطاقات وهرول أمامنا مثل شاب لم يتجاوز الأربعين من العمر. كانت هناك آلات ومكائن وبكرة دائرية حديدية صفراء كبيرة معلقة في السقف، تدور حول نفسها دومًا، ومن خلال أحزمة تحرك معها الأسلاك الكهربائية التي تنتقل لها من غرفة كبيرة على الجانب.
لم نبقَ إلا أقل من نصف دقيقة حتى جاءت عربة أو غرفة زجاجية تتأرجح أثناء الوقوف. صعدنا، وأغلقنا الباب، لتتحرك بنا الأحزمة وتقود العربة إلى الفضاء مباشرة. وجدنا أنفسنا محلقين في الامتداد بين السماء والأرض؛ كأنك تمسك بالأرض حين تنظر إلى الأسفل، وتلوّح للسماء حين تنظر إلى الأعلى.
لم يكن لدينا في المدن العراقية تليفريك إلا في إقليم كردستان العراق، ولم أشاهده أو أركب إحدى عرباته، لكني ركبته في رحلة سابقة إلى لبنان. في لبنان، يجوب التليفريك المناطق السياحية والخضراء، لكنه في الجزائر ليس للسياحة فحسب، بل هو أيضًا وسيلة نقل للسكان الذين شيدوا لهم بيوتًا أصبحت أحياءً في السلسلة الجبلية الطويلة.
عند النظر إلى الأسفل، ترى الأطفال يلعبون في الأزقة، وترى الملاعب الخضراء، كما ترى بيوتًا لعوائل اختارت مساكن هادئة بين الخضرة. ولهذا الحزام الطويل، الذي يصعد بنا إلى الأعلى ويهبط بحسب ارتفاع الجبل، محطة في المرحلة الوسطى للتوقف، ليصعد أو ينزل الركاب ويمشوا إلى بيوتهم في الشوارع المنحدرة. يبدو وكأنه، في الحقيقة، ترامواي سمائي لنقل الركاب.
كان المشهد مدهشًا حقًا، وكأننا نقترب من قمة الجبل ونلامس بضع غيمات كانت تتجه نحو مغيب الشمس وتأكل ساعات العصر. مشهد يجعلك طائرًا، وكأن هذه الآلة تشبه طائرًا جديدًا صنعته إحدى الشركات الفرنسية عام 1957. كان هذا أول مصعد هوائي، كما أخبرنا الصادق، ويبلغ ارتفاعه 300 متر في أعلى نقطة له بين السماء. ينقل الطلبة والعمال وحتى ربات البيوت، في هذه المسافة التي كان يصعب التنقل فيها والصعود والنزول مع قلة وجود السيارات في زمن الاحتلال.
حين وصلنا إلى المنطقة الثانية، نزلنا لنقطع ثلاث تذاكر جديدة بأسعار رخيصة جدًا، سواء للسياح أو أهل المنطقة، ضمن مشروع النقل العام وتخفيف حركة السيارات في المنطقة.
ركب معنا شاب، كان يلتفت إلينا ونحن نتحدث اللغة العربية الفصحى. أخبره الصادق أننا ضيوف الجزائر من العراق، فأبدى إعجابه بالعراق، وقال إن والده من عشاق العراق، وأن له حضورًا في الذاكرة الإنسانية والشعبية الجزائرية.
في طريق العودة، وبينما كانت العربة تنتقل مباشرة فوق البيوت، قلت مازحًا للعابدي: "لو أن هذه العربات التي ترى كل شيء تمر فوق حي من أحياء العراق، تصوّر ماذا سيحدث؟" كانت الإجابة واضحة: سيتحول الأمر إلى عرف اجتماعي بأنه "عيب"، وربما يتم إطلاق النار عليها وعلى من يركبها، وربما لم يكن ليكتمل إنجازها أبدًا.
عدنا نتلوى في الطريق داخل سيارة المرسيدس، وقد أزف وقت الصلاة. قال الصادق: "سآخذكم إلى مسجد الإمام علي (عليه السلام) الذي ما زال شاخصًا على أحد سفوح الجبل." تلوى بنا الطريق قليلًا إلى الأعلى، فأوقف السيارة، فيما كان صوت المؤذن يعلن بدء صلاة المغرب. كان الجامع منعزلًا بين تعرجات الجبل، ويبدو قديمًا في الإنشاء، بلونه الأبيض الذي تفوح منه رائحة الطراز العثماني.
أدهشني بناؤه؛ فالدخول يتم من باب حديدي أخضر اللون. تجد بابين، أحدهما يؤدي إلى قاعة الصلاة، والثاني يفضي إلى سلم ينزل إلى الأسفل كأنه ينقلك إلى بطن الجبل. عليك أن تخلع نعليك وتنزل. أشار لي الصادق أن أنزع الجوربين حتى لا يتبللا. في الأسفل، ثمة نعال ترتديها قبل الدخول إلى المرافق، حيث توجد أماكن للوضوء كما هي في أغلب المساجد، مع سياج طابوقي أو إسمنتي لعزل سقوط الماء إلى الخارج.
لم أؤدِّ الصلاة؛ فقد شعرت بشيء من التقيّة في تلك اللحظة. طلبت من الصادق أن أصلي في الفندق. فهم الأمر، وحرك سيارته، وانطلقنا عبر شاطئ البحر، مرورًا بمنطقة
بولوغين (رايس حميدو)، حيث الحمامات، كما أخبرنا المضيف.
كان الليل قد أرخى سدوله وصار خيمة للمساء. تناولنا العشاء في أحد المطاعم، وعدنا عبر الطريق ذاته الذي جئنا منه ظهرًا، مرورًا بساحة تُدعى ساحة السكوار، ثم بشارع بلوزداد الذي ينتهي في رويسو، حيث نهاية محطة الترامواي. من هناك توجهنا إلى نزل فندق السلطان.

***

12- رحلة الجزائر: الحلقة الثانية عشرة: البرلمان ومجلس الأمّة ومسرح بشطارزي

كنا كلما قطعنا شارع "زيغود يوسف" أحد الضحايا الذي ماتوا خلال ثورة التحرير ضد الاحتلال الفرنسي، وهو شارع الواجهة البحرية في مركز العاصمة، كما اعتقد، قال الشاعر الصادق كأنّه يهلل في التعريف.. وكنا، كما انغمسنا في الخوض في غمار التفاصيل والبحث عن الرؤية الحقيقية، ننسى التصوير للأماكن في خضم المراقبة والمتابعة. بل ايضا نعتقد في داخلنا ربما ممنوع التصوير كما فعل حارس المبنى الامني حيت اشار لنا بأن التصوير ممنوع. قال الصادق، ونحن نقطع الطريق: هذا هو البرلمان أو كما يسمى "المجلس الشعبي الوطني"" ويعود تاريخ بنائه لثلاثينيات القرن الماضي . وإلى جواره مجلس الأمّة، أو قل مجلس الشيوخ، ثلث منهم يُعيّنهم الرئيس، والباقي بالانتخابات بين المنتخبين المحليين من كل الأحزاب. كانت الواجهة بيضاء، والطراز فرنسي على الطراز العثماني، وتطل نوافذه الإسلامية على البحر تمامًا. وشُحّت نصف الواجهة بالعلم الجزائري. ربما مررنا في الشارع الآخر أكثر من أربع مرات. وفي كل مرة لا نجد أمرًا مسلّحًا. ولا نجد عسسًا أو حواجز كونكريتية أو بلاستيكية مليئة بالماء، ولا مصدات في الطريق، ولا مطبّات أو حفر أو شارع تأكل أسفلته حتى لا تمشي المركبات بسرعة. بل لا إشارة تدل على "ممنوع المرور" أو الاقتراب. ربما يقول البعض إن الأمر مستقر في الجزائر. أقول إن الإرهاب أكل عشر سنوات منهم، لكنهم سلّموا الأمر إلى الحكومة، وليس إلى سلطة متعددة الرؤوس. تتفجّر بين الآخر على أحزاب لا يهمها الوفاء بقدر ما يهمّها البقاء. التفت إلى الأبنية، وإلى السواري، وإلى أعمدة الكهرباء، فلا أجد رايات أحزاب أو رايات جهات سياسية أو دينية. أمرّر نظري في كل الشوارع، لا أجد سورًا لزعماء ولا وجوهًا لسياسيين سوى ما تصدّر من مشهد أبطال الثورة التحريرية الجزائرية. بل لم ألحظ حتى صورة لرئيس الجمهورية. يبدو أنّنا نعشق الصور ومن هواة جمعها، فنضعها في كل شارع، رايات وصور وهويات، تصعد حتى فوق أبراج الهاتف والنقال.
أشم هواء البحر، أتنفس عذوبته وبرودته، وأتطلع إلى السفينة الراسية التي لم تُبخّر العباب بعد، وهي ترفع علم البلاد. يشير بيده تلوح خارج النافذة اليسرى. هذا مقر ولاية العاصمة، قلت له. يعني مثل مقر أمانة العاصمة في بغداد؟ قال نعم. فهو قد زار العراق ثلاث مرات ويحب العراق بشكل غريب كما يحب الجزائر بجنون. ثم أشار، ونحن نتحرك في المكان، إلى أنّ هذا هو البريد المركزي. بناء قديم كان في العهد الفرنسي، لكنه توقف عن خدمة البريد وصار عبارة عن متحف، وإلى جواره وظيفة البريد عادية. تصوّرته، كونه من الطراز العثماني، أنّ من بناه هو الدولة العثمانية، لكنه قال: لا، إنه فرنسي على الطراز العثماني. سرت في داخلي مقولة فيها أنّ الاحتلال يفكر بطريقة من يجذب الشعب. حتى الأبنية الفرنسية الاحتلالية هي على شكل طراز عثماني لأنه يعلم أن الشعب مسلم. وحكامنا ينهبون كل شيء ولا يجعلون لنا شيئًا نراه حقيقة.
في ذلك اليوم، ترجلنا من المرسيدس، وتمشّينا في الشوارع. كان أحد الشوارع وكأنّه يتكوّن من طابقين، كونه على منحدر جبل، أو أن الجبل قسم جسده على شكل طبقتين لتستغل في البناء المعماري الجميل. حتى إنك ترى شجرة على المنحدر المسيّج، وترى شجرة على الأسفل. انفتح الشارع على ساحة كبيرة. قال: إنها ساحة بور سعيد. وأشار إلى الجهة اليمنى، وعلى ارتفاع ملحوظ من سطح الأرض، لها درجات سلم تأكل واجهة عريضة من الساحة. قال: إنّه مقر المسرح واسمه مسرح محيي الدين بشطارزي، الذي يعدّ من أوائل الممثلين والمخرجين والمؤلفين والمطربين في الجزائر. وُلد في القرن التاسع، وتحديدًا في العام 1897، أسّس مع مجموعة من الهواة فرقة «المطربية» التي كانت تقدّم أعمالًا مسرحية ممزوجة بالغناء والرقص. وأنشأ في عام 1947 فرقة المسرح العربي بدار الأوبرا. وبعد الاستقلال، عُيّن مديرًا للمعهد البلدي للموسيقى. ويعد محيي الدين بشطارزي أحد الأقطاب المؤسّسين للحركة المسرحية الجزائرية. وهو الأب الروحي وواضع أسس المؤسسة المسرحية الجزائرية. ألّف أكثر من 50 مسرحية ما بين 1932 و1955.
والمسرح بشكل عام كما يعطينا الصادق المعلومات الموثقة من أنه تم البناء فيه عام 1850 وستمر إلى عام 185، وقد صمّم من قبل المهندسيْن المعماريين الفرنسيين شارل فريديريك تشاسريو وجاستن بونسارد على طراز إحياء عمارة الباروك المعماري. وقد تعرض المسرح إلى حريق هائل عام 1883 وأعيد بناءه من جديد. يحتضن هذا الصرح أغلب الأعمال المسرحية الكبيرة إلى جانب مسرح قسنطينة ومسرح وهران ومسرح تيزي وزو.
تستهويني مثل هذه الأماكن التي تستذكر الأسماء المؤسسة. البلد الذي يحتفي برموزه هو بلد مثقف وحي، لا تدخله المشاحنات، لأن الوعي يكون أكبر، وهو ما جعل الشعب الجزائري ينتصر على الإرهاب، وإن استمر عشر سنوات، لأنه توحّد على الجمال وصناعة الحياة. وكانت لهم تجربة التاريخ التي صارت ذائعة الصيت، والتسمية "بلد المليون ونصف المليون شهيد".
صعدنا درجات السلم. كان هناك إعلان على عرض مسرحي. مثلما كان هناك علم الدولة الجزائرية يغطي نصف جدار من جدران الواجهة الأمامية للمسرح. وتقف إلى جانبه سارية علم الجزائر. وثمة شباب يجلسون على الدرجات. فيما كان مضيفنا يصوّرنا، وهو مبتهج مثلنا. لكنه لا يعلم أن الأمنيات في داخلنا أن يكون العلم العراقي وحده على جدار من جدران المسرح الوطني، لا تنازعه الرايات الأخرى.

***

13- رحلة الجزائر: الحلقة الثالثة عشرة: الأمير عبد القادر وتاريخ البلاد

كل شيء في الجزائر العاصمة يحتاجُ إلى يومٍ لمعرفة تفاصيل المعالم، وعليكَ أن تمتلكَ القدرة على حفظ الأسماء. ولابدّ أن تتكرّر على المسامع لكي تبقى في الذاكرة. مثلاً منطقة حسين داي التي سكنها في أحد فنادقها واسمه فندق السلطان وهو من فئة خمسة نجوم على ما أعتقد، وهو فندق يقع بين الأزقّةِ حيث تأتي له من الجنوب. عليك أن تنزل منحدرًا، وحين تأتي من الجنوب عليك أن تصعد في زقاقٍ لا ممرّ آخر، فكلّ زقاق أو شارع فرعي في المنطقة له مسارٌ واحد. ومن بعيد، إن كان المجيء إلى الفندق من المنطقة العلوية، ترى التاجَ الذي وضعه مالِ الفندق وكأنه يومئ إليك أنك قريبٌ فلا تشعر بالتيه، رغم أن المنطقة تنام مبكرًا بعد الثامنة مساءً على العكس من المناطق الأخرى التي كنا نمرّ بها مساءً، فنجدها تعيش أجواء شبه السهر. لكنّه فندقٌ ممتاز، كتب على واجهته وأوراقه: "ستشعر أنك السلطان في فندقنا".
وحين تصعد الترامواي أو تنزل منه، عليك أن تحفظ أنك في منطقة حسين داي، حيث يحدثنا المضيف الصادق في اليوم الأول وهو يقودنا للنزل في الفندق وأخبرنا أنه أفضل حتى من الفنادق القريبة من صالون الكتاب. لذا أخبرنا أنها منطقة تسمى بهذا الاسم وهي مدينة جزائرية تابعة لولاية الجزائر العاصمة أو هي بلدية ومقرّ دائرة وتقع بالتحديد وسط العاصمة، وتعدّ من أهم وأكبر أحياء المدينة، حيث الأحياء الراقية الأخرى مثل حي عميروش، وحي الإقامة، وحي البحر والشمس، وكذلك حي بروسات، وحي فوبون.
وتعتبر مدينة حسين داي من أرقى المدن الجزائرية، حيث تعتبر أكثر مدينة معروفة على مدى البلاد. وهذا عائد إلى كثرة توافد سكان الجزائر بأكملها إلى هذه المدينة. فهم يطلقون على الأقسام العاصميّة بالمدن، مثلما نطلق على بعض المناطق المزدحمة في بغداد بالمدن، مثل مدينة المنصور ومدينة الثورة أو الحرية أو الكاظمية وغيرها. وهي تقع على منحدرٍ جبليّ ينتهي من أعلى إلى الأسفل حيث البحر الذي تفصله سكة الترامواي وبعض المحال والبيوت التي تعزل المدينة عن الوصول إلى البحر لوجود شبكة من سكك الحديد وطريق سريع يربط أجزاء العاصمة مع بعضها. وتعتبر مدينة حسين داي من أرقى المدن الجزائرية، حيث تعتبر أكثر مدينة معروفة على مدى البلاد، وهذا عائد إلى كثرة توافد سكان الجزائر بأكملها إليها.
لكن الأهم الذي تصوّرته أن إطلاق الاسم كان على شخص شارك في الصورة الجزائرية، لكنه تبين أنه هو آخر دايات الجزائر العثمانيين، وُلد في مدينة أزمير التركية حوالي عام 1773. كان أبوه ضابطًا في سلاح المدفعية، ولهذا كان ميالًا إلى العمل العسكري. تلقّى تكوينًا خاصًا، وبعدها أُرسل إلى إسطنبول لمزاولة دراسته في مدرسة خاصة كجندي بسيط. وأن الظروف سمحت له بالتجنيد في ميليشيا الجزائر كجندي في الحامية العثمانية، ونظرًا لتدينه الكبير كان محلّ احترام السكان، وهذا ما أهّله أن يكون إمامًا إلى أن نصبه الداي عمر باشا أمينًا للإيالة وأعطاه إدارة كلّ أملاك الدولة باعتباره خوجة الخيل، وأصبح بعدها عضوًا في الديوان.
كان مضيفنا يعدُّ الأيام معنا، من أن الرحلة تقترب من النفاد وأن الأيام مضت سريعًا. جاء إلينا بالمرسيدس، وانطلق بنا إلى شارع اسمه شارع العربي بن مهيدي أو شارع ديزلي سابقًا. وأخبرنا أن الشهيد العربي بن مهيدي كان عنصرًا فاعلاً في الثورة الجزائرية؟ ألم أقل لكم إن كل شيء يرتبط بالثورة والتاريخ في الجزائر؟ ويضيف أن دورًا في التحضير للثورة كان فاعلًا ومهمًا ورئيسيًا وكان محور إقناع كل الفئات في المشاركة في عمليات التحرير من الاحتلال والاستعمار. وقال إنه صاحب أشهر مقولة حفظها تاريخ التحرر: "ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب"، وله مقولة أخرى: "أعطونا دباباتكم وطائراتكم وسنعطيكم طواعية حقائبنا وقنابلنا"، وكان أول قائد للمنطقة الخامسة في وهران.
في ذاك الشارع كانت المحال هادئة وهي تعرض بضاعتها من الألبسة. اشترينا هدايا أخرى أنا والعابدي، وأعجب العابدي أن يتناول الموطا أو البوظا وكان الجو شبه بارد. وأخذنا اثنين من تلك التي يعبّونها عبر عتلات يدوية في كبوس من الدقيق، كما في العراق. ثم توجهنا إلى تقاطع في تمثال بدا لنا مع انتهاء الغروب كأنه يريد معانقة السماء.
وصاحب التمثال هو الأمير عبد القادر بن محي الدين الحسني، مؤسس الدولة الجزائرية ومؤسس مقاومتها ضد فرنسا، حيث بايعته القبائل الجزائرية يوم 27 نوفمبر 1832 ووقف في وجه الاستعمار الفرنسي مقاومًا مدة 17 سنة. والأهم الذي وجدته في البحث عن الرجل هو أن تسلسل نسبه يقول إنه عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى بن محمد يرجع في نسبه إلى إدريس الأكبر بن عبد الله المحصن بن حسن المثنى بن حسن السبط بن علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء بنت سيد الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل إنه شاعر أيضًا، مثلما يعتبر من كبار رجال الدولة الجزائريين في التاريخ المعاصر ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ورائد مقاومتها ضد الاستعمار الفرنسي بين 1832 و1847. بل هو أيضًا قائد سياسي وعسكري مجاهد ومقاوم وشاعر، بايعه الجزائريون سنة 1832 أميرًا لمقاومة المستعمر الفرنسي. مرت حياته بثلاث مراحل أساسية: الأولى قضاها في طلب العلم والتعرف على أوضاع البلدان العربية في طريق الحج، والثانية عاشها في الجهاد ومقاومة المستعمر، وقضى الثالثة أسيرًا في فرنسا ثم مناضلًا مغتربًا في دمشق.
وقفت متأملًا النصب الذي جعله الفنان يقف على منصة عالية على شكل شبه مثلث منحني الأضلاع. يشهر سيفه كمن يزل مستمرًا في التحرير أو يذكر الشعب بصوت التحرير. فيها كانت واجهتي التمثال من الشمال والجنوب، فيها رجال آخرون يعتلون صهوات الجواد ويمسكون بسيوفهم.
وقف الصادق وقرأ علينا قصيدة قال إن ذكرى مبايعة الشعب الجزائري لسيد المقاومة الأمير عبد القادر رضوان الله عليه ستمرّ بعد أيامٍ، وأنشد:
يبايعك الأحرارُ لا بيعة الذي
يبايع شيخًا بالكتاب يتاجرُ
ولكنه الشيخ الذي فيه حيدر
تسامت به ساح الوغى والمحابرُ
فما كان مدّاح التفرنج كاتبًا
كما يفعل المغلوب حين يناورُ
وما كان إلا الصدر في الحرب قائدًا
وما ولَّى منه الظهر والرعب قاهرُ
ومن ذا الذي يقوى على الحرب سبعة
وعشرًا صبورًا في لظى ويصابرُ؟؟
وها هي ذي ذكراك في الصمت تختفي
وبالصمت كم تردي بنيها الجزائرُ
أخذنا الصور تحت النصب. وكان المساء قد حلَّ تمامًا، وتصاعدت برودة العاصمة. لنعود إلى سيارتنا المرسيدس لنعود إلى الفندق مارّين عند البريد المركزي الذي يعتبر القلب النابض للعاصمة، وهو ملتقى السياسيين والمثقفين والحراكيين، وكل التظاهرات والاحتفالات الترفيهية تُقام في بطحائه، وكل الكتب القديمة جدًا تباع هناك باتمان معقولة على الرصيف بالساحة، كما يوثق ذلك لنا الصادق سلايمية.

***

14- الحلقة الرابعة عشرة: سؤال اللاجواب وتمر الجزائر

عُدنا من آخر زيارةٍ إلى صالون الكتاب. كنتُ أشمُّ الهواء البارد وأنا أرتدي قمصلةً وبنطلون جينزٍ رصاصيّ اللون وحذاءَ رياضة. على عكس الأيام الماضية التي كنتُ إذا ما زُرتُ الصالون أرتدي بدلةً وربطةَ عنق. لكنَّ هذا اليوم كان الأخير، الجمعة. كنتُ صامتًا، والصادق سلايمية، عرّاب سفرتنا وسياحتنا، وقائد فرحنا، كان يتحدث بشيءٍ من العفوية، وهو يَسْرُد لنا الأماكنَ التي نمرُّ بها.
كان قد سحبنا من داخل المعرض. قال: لدينا أكثر من مكانٍ علينا زيارته، ولذا لا نُفَوِّت الفرصة ويضيع الفرح علينا. لكنه أراد أن يقول أمرًا ثم أخفاه. شعرتُ بذلك. قلتُ له شاكرًا وحامدًا مواقفه، وموقفه. وأعدتُ عليه القولَ الذي يُشعره بالراحة. قلتُ له في اليوم الأول: "أنتَ أسيرُنا الذي فرَّ من صحبته في المدينة." حينها قال وهو يَسْرُد علينا بالجمال، والسيارةُ تنطلق في الشوارع التي تدور حول مئذنة الجامع الكبير: "أنا كنتُ أسيرًا وأنتم من فكَّ أسري. فللعراق محبّةٌ كبيرةٌ لا يعرفها إلّا مَن زار العراق وزار مدنه المقدسة." دار الصمت بيننا، تاركًا العابدي يلتقط صورًا بصمت.
مررنا في الطريق إلى الفندق بشارع طرابلس. كنَّا نمرُّ فيه كل يوم، فخطُّ الترامواي يُمشِّط شعره من منتصفه كلّ يوم، ونحن في الطريق إلى المعرض أو العودة إلى الفندق. لكني لم أعرف أنه من أطول شوارع الجزائر العاصمة. سألتُ الصادق عن سكون وهدوء الشارع رغم طوله ومركزه. فقال: شارع طرابلس أطول الشوارع في العاصمة يبدأ حيث ينتهي شارع حسيبة بن بوعلي وينتهي عند جسر الحراش، ويصل طوله إلى ما يفوق الخمسة كيلومترات. وفي هذا الشارع الشهير كانت دار الصحافة الوحيدة سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، وكان قبلة الزوّار بما يحظى به من مغازات ودكاكين فيها كلّ شيءٍ من اللباس إلى قطع الغيار. لكن الشارع فقد فعاليته، وأُغلِقَت كلُّ متاجره بوجود الترامواي الذي كان نعمةً في المواصلات، لكنه كان نقمةً على الشارع نفسه، حين خلا من الحركة التجارية، وحتى دار الصحافة غيّرت مقرَّها منه.
استدارت المرسيدس السوداء في أحد الفروع ووقفت أمام باب الفندق، لتسهيل حمل حقائبنا التي زادت إلى خمس حقائب بعد أن جلبنا معنا ثلاث حقائب: اثنتان لي وواحدة للعابدي. بعد أن حملنا الكتب والهدايا في الحقائب الجديدة. كان الصادق بشيباته لا يهدأ معنا، يحمل الحقائب كمن يحمل حقائب سفره. ودَّعنا أصحاب الفندق. كانت السيدة التي استقبلتنا أوّلًا، هي التي ودَّعتنا. قالت: عساكم ارتحتم في الفندق؟ فقلتُ لها: لقد ارتحنا في الجزائر كلّها. التقطنا الصور، وحمل معنا العاملُ حقائبنا من غرفة الأمانات، وتوجهنا نحو طريقٍ آخر.
انتقلنا من شارع طرابلس إلى شارع حسيبة بن بوعلي، حيث موعدنا مع هدايا التمر التي قدمها لنا الدكتور بغداد: التمر الجزائري، والذي طلب منا في المطار تخفيف الحقائب لزيادة الوزن الذي وصل إلى 35 كغم. أخرجتُ العلبَ ووضعتُها في كيس نايلون. وحين عرف أننا من العراق، ابتسم وقال: "كتبٌ وتمر." خفّف الحقيبة، وضع كلّ الحقائب الأخرى على الحزام.
وقفت المرسيدس في شارعٍ شبه مظلم. كان الليل قد أناخ تمامًا ولم يعد للمغرب أمر. كانت بضعُ محالّ تفتح أبواب رزقها. نزل الصادق وتحدّث مع صاحب المحل. كان رجلًا في الخمسين أو أكثر قليلًا من العمر، بشوشًا. كنّا نقف على مبعدةٍ منهما وهما يتحدثان باللهجة الجزائرية. ثم أخرج هاتفه واتصل. اقترب اثنان من الرجال وسألانا أنا والعابدي، بعد أن سمعا الصادق وهو يقول لصاحب محل التمر إنّنا عراقيان وسيأخذان الهدية إلى العراق. رحّبا بنا وصافحانا، وسألانا سؤالًا لم أكن أتوقعه: كيف تتمّ عملية تسجيل السيارات في العراق؟ هل هي حسب سنة الصنع؟ هل هناك عمر محدد للسيارات؟ ولأني لا أملك سيارةً ولا أعرف قيادة السيارة ولم أحلم يومًا أن أشتري سيارةً، فأنا لا أعرف أيّ معلومة. فقط أخبرتهما أن الأمر صحيح، هو حسب الموديل. ثم أعدتُ ترتيب الإجابة باللغة العربية: أنها حسب سنة الصنع. فالعراق الآن امتلأت شوارعه بالسيارات الحديثة التي تجدها مصطفّة أمام كلّ بابٍ أكثر من سيارة. ثم استعنتُ بالعابدي ليجيب على السؤال. وذهبتُ إلى داخل المحل بعد أن جاء اتصالٌ إلى صاحب المحل بأنّ علب التمر الستة موجودة في ثلاجة المحل حيث مركونة في عمقه. وتبين أن الرجل لم يخبره ابنه الذي اتصل به الدكتور بغداد، لذا كان في موقفٍ محرج معنا. تسلّمتُ ست علبٍ من التمر ورحتُ أفكر بالوزن. فليس لنا قِبَلٌ بالاعتذار عن استلام ثلاث علبٍ فقط، فحقائبنا مليئة بالكتب والهدايا وملابس الشتاء، أمام لذّة التمر الجزائري وتذوّقه.

***

15- رحلة الجزائر: الحلقة الخامسة عشرة: آخر عشاء وضوء قمر

كان البرد بدأ يتسلّل إلى أجسادنا، ونحن نقف أمام الرجلين اللذين كانا يتناقشان عن عملية تسجيل السيارات في الجزائر، وكيف تختلف عن تسجيلها في البلدان العربية. ثم فجأة سألنا أحدهما: "كيف حال العراق بعد صدام حسين؟" أكثر سؤال نتعرض له في أيّة دولة عربية نزورها، وليس في الجزائر فقط. ولهذا نجد الأمر صعبًا في الإجابة، لكي نقنع من يعتبر صدام رمزًا عربيًا وقف بوجه إسرائيل.
ثم قال الآخر: "هذه فلسطين تحترق، ولا دولة عربية تقف مع العراق إلّا الجزائر!" أيدتُ الأمر بسرعة، فهي الحقيقة التي سمعتها من الصديق توفيق، الذي جاء لزيارتنا في الفندق، وجلسنا على رصيف مقهى لنشرب القهوة. حيث أخبرنا أن الجزائر تقف مع الشعب الفلسطيني وتدعمه. فوجدتُها إجابةً مناسبةً للهروب من سؤالٍ نعرف أنه سيتطوّر إلى أمورٍ أخرى. وقد تعاهدنا، أنا والعابدي، ألّا نتحدّث في أمور السياسة والدين، إلا أنّ ذلك حدث بشكلٍ قليلٍ في بعض الأماكن. كنا نستمع ونسمع، ولكن نغيّر الموضوع إذا كان سياسيًا أو دينيًا.
قلتُ للرجلين: "العراق الآن يمدّ الشعب الفلسطيني بالمساعدات، وآلاف اللبنانيين هم ضيوف العراق، كما تسمّيهم الحكومة العراقية".
لا أدري إن كان الصادق قد سمع الحوار أم لا، لكنه فجأة سلّم على الجميع ، وطلب منا الركوب في سيارته، قائلاً: "لدينا بضع ساعات قبل التوجه إلى المطار".
توجه بنا إلى مدينة الكاليتوس عبر حسين داي، مرورًا بحي البدر، وهو حي شعبي كبير. وأخبرنا أن هذه المدينة سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى كثرة أشجار الكاليتوس التي وجدناها تحفّ بالمدينة في كل شارع منها. عرفتُ أنها تسمى في العراق أشجار الكالبتوس. تجوّلنا مشيًا في المنطقة التي بدا شارعها طويلًا وكثيرة المحال فيها. وأخبرنا أن هذه المنطقة "حيّة"، بمعنى أنها تبقى نشطةً في الليل ، على عكس المناطق الأخرى، بما فيها منطقة الفندق .
جلسنا في مقهىً صغيرٍ يقدّم أنواع العصائر والفواكه والكعك. المقاهي هناك لا تقدّم الشاي أو القهوة فقط، بل تجد أنواعًا أخرى من المعجنات. شربنا فنجاني قهوة في أكواب بلاستيكية، ثم خرجنا نتمشى مرّة أخرى ، لندخل مطعمًا لتناول العشاء.
رحب بنا صاحب المطعم الذي وجدته يشبه صاحب مطعم في كربلاء بالسحنة والشكل. وعندما علم أننا عراقيان، راح يهتم بالطعام ويقدم لنا نوعًا من الأكل صغير الحجم على أنه كباب مشوي. وبعد أن شرح لنا مكوناته، أخبرته أن تسميته في العراق "باسطرمة"، لكنها هنا صغيرة بحجم أصبع الكف.
لم تكن الرحلة تكاد تنتهي، ولم أردها أن تنتهي. لم نشعر بأنها انتهت، رغم وجود الحقائب في سيارة المرسيدس، إلا بعد أن شربنا الشاي الأخضر. كان الصمت قد زاد، وأنا أنظر إلى البحر حيث السماء الصافية والقمر المكتمل الذي انعكس ضوؤه على موج البحر.
كان الضوء قد أخذني إلى نهر الفرات، وإلى ساعات الصفاء في مدينتي كربلاء، وإلى قصيدة السيّاب:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنًا سَاعَةَ السَّحَرْ.
التقطنا آخر صورة لثلاثتنا أمام سيارة المرسيدس، لنوثّق اللحظة قبل أن تنطلق بنا عبر طريق شبه طويل، أو هو الذي جعله طويلًا لنرى أكثر من مكان في المدينة، قبل أن ندخل إلى شارع المطار.
ظهرت أمام عيني لوحة كتب عليها: "أنت في طريق العودة إلى العراق". حينها وجدتني، دون إرادة مني، أحضن الصادق، لأعبّر له عن شكري وتقديري، واعدًا إيّاه أن أردّ له الجميل إذا زار العراق للمرة الرابعة.
فقال جملة جعلتني أطير في سماء البناية المضاءة: "يا رجل، أنتم تضيفون عشرين مليون زائر في عشرة أيام، ألا أضيّف اثنين في خمسة أيام؟".


==============
1- الحلقة الأولى: ما قبل السفر إلى الجزائر
2- الحلقة الثانية: المطر والشاعر المتمرّد
3- الحلقة الثالثة: الترامواي وخبز العباس
4- الحلقة الرابعة: الكتب ودور النشر والطفل الكبير
5- الحلقة الخامسة: البحر والشخشوخة والشاي الأسود
6- الحلقة السادسة: لقاءات وحوارات
7- الحلقة السابعة: المترو و(المعدومين) وهدايا الأحفاد
8- الحلقة الثامنة: ساحة الشهداء، حمام الحضرة، وغصة المقارنة
9- الحلقة التاسعة: الدكتوران بغداد وحمام، والتمر، والحوار
10- الحلقة العاشرة: باب الواد والسيدة العذراء
11- الحلقة الحادية عشرة – جامع الإمام علي والتليفريك لنقل الركاب
12- رحلة الجزائر: الحلقة الثانية عشرة: البرلمان ومجلس الأمّة ومسرح بشطارزي
13- رحلة الجزائر: الحلقة الثالثة عشرة: الأمير عبد القادر وتاريخ البلاد
.




--

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...