توفيق قسم الله - بين الجمود الفكري والحرية ...تأملات في معايير البطولة وواقع التغيير .

تظل معضلة رفض إدماج ثقافة النقد في نسيج المجتمعات واحدة من أبرز العوائق التي تعرقل تطورها، لاسيما في المجتمعات التي تأسرها أنماط تفكير أحادية، تحبس الفكر وتكبح تنوع الرؤى والآراء.
وفي مجتمعنا الإرتري بشكل خاص، يتسم الموروث التقليدي بقدسية مزعومة، مما يجعل من الصعب طرحه للنقد أو التفحص.
هذه القداسة الوهمية قد شكلت جدارًا نفسيًا وأيديولوجيًا، تحول دون التفاعل النقدي مع أفكارنا وقناعاتنا ، وتحول أي محاولة للتغيير إلى نوع من "الانتهاك" للثوابت التي يُفترض أن لا تمس.
لكن الحقيقة المُرّة التي يجب أن نواجهها هي أن هذا الجمود الفكري لم يقتصر على تعطيل تقدمنا فحسب، بل أصبح يهدد وجودنا كبشر يحلمون بحياة أفضل.
ففي هذا السياق، يظهر النموذج البطولي الذي يظل متمسكًا في أذهاننا، متمثلًا في صورة المحارب أو المقاتل الذي يستمد قوته من سلاحه ومعاركه العسكرية.
هذا التصور الضيق للبطولة يعكس رؤية سطحية للعالم، حيث يُختزل مفهوم البطولة في العنف والانتصار على الخصوم بالقوة ، ويصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الذات وتحقيق التغيير في العالم.
غير أن هذا التصور يعطل الوعي الاجتماعي ويخنق الإبداع الفكري.
فالبطل الحقيقي ليس من يحمل السيف أو يرفع البندقية، بل هو من يتجاوز حدود المألوف، ويملك القدرة على رؤية العالم من زوايا جديدة، من خلال نقده لثقافته وإعادة تشكيل موروثه بما يتماشى مع متطلبات العصر.
البطولة الحقيقية تكمن في قدرة الفرد على تحرير نفسه من قيود الفكر التقليدي الذي أصبح عاجزًا عن مجاراة تحديات العصر، وأن تكون المهمة الأسمى هي فهم الذات والمجتمع، لا سحق الآخر.
إننا بحاجة إلى ثورة فكرية تقطع جذور التصورات الخاطئة التي تلوث رؤيتنا للعالم ولأنفسنا، ثورة لا تقوم على العنف بل على النقد والوعي، ثورة تفتح أبواب التغيير وتعيد بناء الهوية بشكل يتناغم مع الواقع العالمي المتغير.
إذا أردنا أن نعيش في عالم أفضل، عالم لا تقوده الأساطير ولا تُسير فيه الشعوب بالقوة ، بل بالعقل النقدي الذي يفتح لنا أبواب التقدم والازدهار، فلابد أن نعيد النظر في مفاهيمنا عن القوة والبطولة.
وفي قلب هذا الواقع المعقد، يطفو التناقض بأبسط صوره وأكثرها استفزازًا:
كيف نمدح دكتاتورًا هربنا من استبداده، بينما ننقض النظام الغربي الذي منحنا الفرصة لنكون بشرًا في بيئة تحترم حقوقنا الأساسية وتوفر لنا فرص الحياة الكريمة؟!
بينما كنت أتصفح بعض صفحات الإرتريين في المهجر على الفيسبوك، ممن أصيبوا "بمتلازمة ستوكهولم" ، كان المشهد أكثر غرابة.
كثيرون منهم حوّلوا صفحاتهم إلى ألبومات تقدس صورة الحاكم الفاشل الذي أذلّنا لعقود ، وحطم مستقبل أجيال كانت تحلم بالرفاهية والحياة الكريمة .
تلك الصفحات مليئة بالصور والعبارات التي تمدح قوته وإنجازاته المزعومة، وكأنها تعرض بطلاً خارقًا.
ولكن كيف لنا أن نغمض أعيننا عن الحقيقة، وأن نرفع تماثيل الطغاة الذين سحقونا، بينما ننتقص قدر النظام الغربي الذي صان حقوقنا بصفتنا بشر، ونحن لا نشببهم لا في اللون ولا في الثقافة ، وقدم لنا الأمان والحرية التي كنا نحلم بها في وطننا ولم نلنها؟
إن الذين يمجدون النظام الاستبدادي الجائر، وهم في الحقيقة يتنعمون بثمار الديمقراطية الغربية، يشبهون الأسد ( سلطان ) الذي جَحَدَ لصاحبه الذي أمده بالحياة، فانقض عليه في لحظة قسوة، ليجعله يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لكن الأسد ( سلطان ) الجاحد، في لحظة ما بعد فعلته، تفوق عليهم في الضمير ، لأن مصيره كان أكثر مرارة من مصير ذلك الذي أساء إليه.
لقد مات، لكن ليس موتًا عاديًا، بل مات من حزن وندم، بعدما أدرك فداحة ما ارتكب.
نحن نستفيد من الرفاهية التي يمنحها لنا النظام الديمقراطي الغربي بينما نغفل عن ماضي الطغيان الذي أذلنا.
كيف لنا أن نرفض النظام الذي أتاح لنا الحياة الكريمة، ثم نمدح ذلك النظام الذي سلب إنسانيتنا وآمالنا في المستقبل؟!
رغم عيوبه وتفاوتاته، يظل النظام الغربي الأكثر قدرة على ضمان الحقوق والحريات الأساسية.
أعيد وأقول .... نعم، لا يدعي أحد أن هذا النظام مثالي أو خالٍ من الظلم، فالغرب نفسه يعاني من تحديات داخلية وصراعات متعددة، ولكن مقارنةً بأنظمة أخرى، يظل النظام الغربي هو الأكثر قدرة على منح الإنسان فرصة للعيش بكرامة وحريات.
في هذا النظام، يُمنح الإنسان صوتًا يعبر عن رأيه، ويُتاح له أن يعيش وفقًا لمبادئه الخاصة دون أن يكون مرهونًا لسلطة طاغية تحط من شأنه.
ورغم ما فيه من عيوب، فإن الأمل في التغيير إلى الأفضل والفرص يبقى حيًا.
إننا في العالم الغربي نعيش في ظل نظام يضمن لنا كرامة الإنسان، ويعطي الفرصة لكل فرد ليقرر مصيره، في الوقت الذي تضيع فيه هذه الفرص تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية في وطننا الأصلي .
إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن النظام الديمقراطي، رغم كل نقائصه، يظل أفضل الخيارات المتاحة للبشرية.
وإن الإنسان الإرتري الذي هاجر قسرًا من بلاده بالأمس ، والذي أصبح الآن يمدح النظام الذي هرب منه، هو في الواقع "مثل الطيور التي تأكل وتشرب في بيتك، وتبيض عند جارك " .
لنكن صريحين مع أنفسنا:
عندما كنا نعيش تحت ظل النظام الديكتاتوري في وطننا، كنا سجناء في أقفاصٍ مريحة، تقيدنا فيها القيود الظاهرة وتخنقنا الممارسات القمعية.
رغم ما بدا لنا من أمانٍ زائف، قبلنا هذا الواقع ورضينا به قسرا وعلى مضض .
اليوم، وقد نعيش في نظام ديمقراطي يضمن لنا الحرية والأمان، نتنفس هواءً نقيًا ونحلم بمستقبل أفضل.
ألم يكن الأجدر بنا، ونحن ننعم بهذه النعم، أن نتمنى لإخواننا في الداخل أن يعيشوا كما نعيش أو أقل، أن ينالوا أبسط مقومات الحياة التي حرموا منها؟
ألا يحق لهم أن يعيشوا في كرامة ويختبروا الحرية التي وجدناها؟
إننا مدعوون، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نمد يد العون لهم، ونكسر قيود الظلم التي ما زالت تكبلهم.
أصدقائي ...مغزى الحياة لا يكمن في السعي وراء المثالية، بل في التوازن بين الحقوق والحريات، بين الفردية والمجتمع.
وفي هذا التوازن، يظل النظام الديمقراطي الغربي هو الأقرب إلى تقديم هذا النموذج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...