محب خيري الجمال - الرجل الأخير... الحب الأول...

أحببتكِ مؤخرا
أنا ابن أمي الأولُ
ومع ذلكَ ولدتُ آخر المطاف على بُعدِ سنتيمترٍ من العتمةِ
بساقِ ونصف
أتوقفُ أحيانا كحيوانٍ أليفٍ أمامَ شجارِ الإخوةِ والأخواتِ
وكنمر أسود ومتوحش إذا أردت إطعام صغار العصافير،!
..
أنام الأخير على وسادة ينخر جمجمتها السوس
وأقوم الأخير كغيمة عابرة
على كل حال كانت حياتي البسيطة
شهادة من الجيران على حُسن سلوكي
فأنا الأخيرُ في كل شيء
وأنا الأخيرُ في الشيء ذاته،!
..
في العملِ الذي لا أحبهُ
لا أفضل أن يدعونني بالأول
دائما ما أكون الملاذ الأخير.
بعد أن تكون حيلهم اللئيمة قد نفدت
وخسروا الرهان وأستبد بهم الهلع
هم يعلمون أنني من السهل أن انتشر كشظايا
في اليوم الذي أقرر فيه ذلك
أخلع حجارة الأرض من رئتي
وابصقها دفعة واحدة
كم أود قتل كل هذا الذباب الذي يزن في رأسي يا رب،!
..
في الحافلة المتهالكة
أجلسُ في المقعد الأخير
حائرا بجوار النافذة
أشاهد بنايات ما زالت أحجارها تتساقط
بارتعاشات شبه منحرفة
وكان يجب أن يطول هذا المشهد إلى ما لا نهاية
أحب أن أشاهد النهاية الدرامية الأخيرة لهذا العالم
برمية حجر أو بضربة سكين حادٍ
إن كانت لا تكفي كل هذه الحروب السخية
إننا ذاهبون جميعا لجنازات عاجلة
لا يعرف منا فيها الآخر.
ولا يعرف منا فيها قطاره الأخير،!
..
في المدرسة أردت الاستيلاء على الوقت
فجلستُ آخر الصف
الجدار البارد خلفي وأمامي رقعة الشطرنج
تحركها عربة زنوج على السبورة
كدحتْ كعربة كارو في الرمال
ووصلتُ الأخير بدرجة مقبولة
ترضي الرب وملائكته
وأبي الذي تاهت أطرافه
في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل،!
..
في الحرب كنتُ آخر من مات
وآخر من دفن الذكريات ومشى،!
..
أديت خدمتي العسكرية
كدفعة استثنائية أخيرة
ولأني ضلوعي ضعيفة
ورأسي مملوء بالذباب والأسفلت
والدم الفاسد
طردوني آخر النهار بذكريات نائمة
لذلك تعودت أن ألقم بندقيتي
بليالٍ فقيرة
لا أصدقاء فيها ولا كلمة طيبة من حبيبة،!
..
في البيت أمارس مهنة الباب
وما من أحد يدق لأفتح له
لذلكَ ظل الباب وفيا لذكرى التراب
أتكأ على نفسه وأسبلَ في شقوق الفراغ
ربما يصل الأخير
ربما يصل،!
..
في المقهى أجلس آخر الممر
أسلمُ نفسي لحطب الثرثرة
أدفنُ أحياء مروا من هنا
وأخرج أمواتا من عتمة قلبي
وأغادر آخر الحكاية
حيث لا حكاية ولا أمكنة ولا ناس
يقول البرواز الفارغ "طز" أدر حالك،!

في طابور المصالح الحكومية
أقف الأخير بواسطة الصدفة
ومشيئة أمين الشرطة
في يدي وعاء ماء وكسرة ضوء
انتظر الموتى يخرجون من خلف النوافذ المتربة
ليعود الواحد منهم تلو الواحد إلى بيته وسريره
وأظل الأخير أعد الحصى في الشوارع
لأبني بيتا لأجلاف مجهولين ومرتزِقة وطغاة وخونة وأرباب سوابق
ثم أشعل الحريق من خشب ضلوعي
كدليلٍ على أن حياتي لم تَعُد لها ضرورة،!
..
ومع ذلك
حين أحببتكِ
كنتُ أول من مات من أجلكِ
وقام يحلق في فضائه الأخير
أنتِ التي أنكرتينني
ثلاث مرات في ليلة واحدة،!

محب خيري الجمال

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...