ناجي ظاهر - حكايات الليالي...

اشم رائحة موت. منذ الفلول الأولى لحلول الظلام، وانا اشم رائحة الموت. فوقي رائحة تحتي رائحة. أنىّ توجهت اشم الرائحة ذاتها. انها رائحة عطنة. اشبه ما تكون باحتراق اللحم البشري. ها هي تغزو انفي رويدا رويدا. أحاول ان اتهرب منها الا انها تلاحقني. اشيح وجهي يمينا تجري ورائي، اشيحه يسارا تهاجم انفي اكثر. كلما تهربت منها هاجمتني اكثر.. من أين تأتي هذه الرائحة الكريهة؟ من سلطها على انفي؟
أصبحت الرائحة أمرًا لا يطاق. كان لا بد ليب من ان الاحقها. منذ بداياتي الأولى اعتدت على مهاجمة الخوف بدل الهروب منه. فلماذا لا اهاجم تلك الرائحة. جريت في الشارع المعتم مسترشدا بتلك الرائحة.. ركضت وركضت وركضت.. الى ان باتت الرائحة اقرب من انفي اليه. توقفت هناك. وقعت عيناي على باب ابتدأ بالانفتاح ببطء شديد، لم تتمكن عيناي من التقاط اطرافه. النتيجة وحدها اكدت لي ان الباب في حالة انفتاح. دخلت هناك. هبت الرائحة بكل فداحتها حاولت ان اغلق انفي بيدي الا انني لم أتمكن. يدي كانت عاجزة، لا تستجيب لطلبي. حركت رأسي يمينا وشمالا في محاولة مني للهروب من تلك الرائحة. غير انها ازدادت.
ها انا ذا استمع الى فحيح الرائحة، انها تهتف بي قائلة.. الى اين تهرب مني.. مهما حاولت سألاحقك. أقول لها بلسان متجمد في فمي، ما الذي فعلته لك حتى تلاحقينني بكل هذه الشراسة. احرك عنقي محاولا التهرب منها. فتلاحقني بصورة اشد. صوتها ليس غريبا عني. انه يشبه صوت زوجتي المريضة، على فراش الموت. أحاول ان أتأكد من امر في نفسي. من انت اسال الصوت. فيرد هل تود ان تعرفني حقا؟ اعتقدت منذ البداية انك عرفتني. نعم عرفته، عرفت ذلك الصوت. لكن هل عرفته حقا؟ أحاول ان اعود الى الماضي. يوم عثرت على كنز قضيت سحابة ليالي في البحث عنه. يومها اتيت الى زوجتي احمل العتمة في روحي وضوء الكنز الشحيح في فمي. كنت أفكر كيف يمكنني ان أقنعها بان تحبني بعد نحو نصف القرن من الارتباط والكراهية الواضحة في كل حركة تقذف بها في وجهي. ألقيت الكنز تحت قدميها. قلت في نفسي انها الآن ستحبني. الان اعطيتها ما ارادته وما نشدته منذ كانت طفلة.
احتضنت زوجتي العجوز المسنة الكنز بيديها كأنما هي تريد ان تقول لي بدون ان تفوه بأية كلمة ان الكنز لم يعد لي وانما أمسي ملكا صافيا لها. لم اعارضها وددت ان اجعلها تحبني. لقد كرهت الكراهية. لم يعد بإمكاني ان اتحمل المزيد منها. قلت لها هو لك. هذا كله لك. انبهرت زوجتي بقولي. كانت تلك اول مرة واخر مرة تنبهر بما قلته لها. سألتني هل يعلم أحد بهذا الكنز؟ هززت راسي نافيا. اردت ان أقول لها انه كله لنا انت وانا. اطل من عينيها غضب عمره أكثر من خمسين عاما. فهمت من نظرتها انها تود ان يكون الكنز كله لها. حاولت ان اشعرها بانه لها وان كل ما اطلبه هو ان تحبني قليلا، الا انها احتضنت الكنز، أكثر فأكثر. فهمت انها وجدت أخيرا ما يمكنه ان يفرحها ولو قليلا. ليكن هي لا تريد ان تحبني حتى لو اعطيتها كنوز قارون، فانا اعرف ان أموال العالم كلها لا تشتري قلب امرأة كارهة. الا انها محاولة.. كان لا بد لي من بذلها في ذلك الظلام البهيم.
استدرت في الغرفة الملآى برائحة الموت. كان كل ما فيها معتما. عدت الى زوجتي فرايتها تحتضن الكنز بقوة رهيبة. مرت أيام وليال، وزوجتي تحتضن الكنز. انعزلت عن العالم لم تعد تسال لا عن غذاء ولا عن شراب. بات كل همها ان تحتضن محبوبها الكنز. شعرت انها وجدت بديلا لكل ما حاولها. وأدركت متأخرا انني انا من قدم لها هذا البديل. قلت في نفسي ليكن. ها قد مضى نصف قرن من الكراهية. وفي المقابل.. من محاولة التقرب منها واقناعها بان تحبني، فلا باس من متابعة المحاولة.
خلال تجوالي بين الخفافيش وبنات اوى في الليالي المعتمة، كنت انتهي دائما الى وقفتي ذاتها قبالتها في الغرفة ذاتها. اما منظرها فانه لم يتغير. انعزلت زوجتي عن العالم، وبات حلمي المحدد ان اعيدها اليه فلعلها تحبني إذا ما تمكنت من اعادتها الى حياتها الطبيعية. بدون تفكير ملي شرعت اقدم لها ما لذ وطاب من ثمار الليل. كنت اكومها قبالتها علها تتناول منها ما يقيتها ويقويها ويجعلها تواصل الحياة، فلعلها تصل إليّ ذات عتمة. سوى انها لم تتناول منها شيئا. كنت اعود اليها بالمزيد من الثمار واكومها قبالتها، لعل عينها تأكل منه القليل القليل، الا انني كنت افاجأ كلما دخلت عليها في غرفتها تحدق في كوم الطعام الكبير قبالتها دون ان تمد يدها اليه. تناولت احدى الثمرات الكبيرة وقدمتها لها علها تشعر بي، الا انها اشاحت بوجهها. أخرجت لسانها مشمئزة. نظرت الى الثمرة بيدي. كانت تفاحة ضخمة. لفت نظري انها متعفنة وان الدود يتساقط منها.
ابتدأت زوجتي في النحول. حتى انني كدت لا اراها ولولا الكنز في حضنها ربما كان من الصعب علي ان اراها. بعد كل هذا النحول، ابتدأت الاحظ ان المرض يهاجم زوجتي بشدة. كان لا بد من ان اوجهها الى الطبيب الا انها رفضت. شعرت انها تخشى ان اخذ كنزها منها وان استفرد به. وربما خطر في بالها انني قد ابحث عن امرأة أخرى تحبني بعد كل ما فاضت علي به من كراهية امتد عمرها حتي شاخت وباخت. مع هذا حاولت ان أقنعها بان تتوجه الى الطبيب لإجراء عملية فهمت انها خطيرة الا انها أفضل من الذهاب الى الموت بالقدم. فواصلت رفضها.
هكذا وجد كل منا هي أولا وانا ثانيا، مع ان الحقيقة مختلفة تماما، انا أولا وهي ثانيا، وجد نفسه في حيرة من امره. انا اريدها ان تجري العملية فربما انقذت حياتها، وهي ترفض لئلا استولي على كنزها، الذي كان بالأمس كنزي. مضى الوقت يتقاذفني من ظلام الى ظلام. اتعبني الانتظار على قارعة العتم والضباب. فاستسلمت لوسن خفيف. رأيت زوجتي تنهض على رجليها وترفع الكنز بين يديها وتهوي به بكل ما لديها من قوة ووهن على راسي.. وهي تهتف بي ما مفاده انني اريد ان احملها على اجراء العملية ليخلو لي الجو واستولي على الكنز وانعم بالحياة السعيدة مع احدى حوريات الجنة. بقيت تهوي بالكنز على راسي فتدفق منه الدم مثل نافورة ما لبثت ان تحولت الى نوافير.. بعدها سكبت زوجتي علي مادة مشتعلة.. فانبعثت رائحة اللحم المحروق من جسدي منطلقة في الشوارع والظلمات.. في هذه الاثناء خرجت من جسدي. ونظرت اليها كانت ملقاة الى جانب جثتي.. صرخت هل ماتت زوجتي؟ وبقيت اصرخ وانا احري مشتعلا في الشوارع ذاتها.. ورائحة الموت تلاحقني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...